Professeur docteur oussama chaalane

Archive for the ‘Research – دراسات’ Category

حكايه انسان الشرق الاول

لقد تغيرت الحضارة المادية في غربي أوراسيا ما بين 40000 و 45000 سنة مضت أكثر مما تغيرت أثناء المليون سنة الماضية. إن هذا الازدهار في مجال الإبداع الفني والتقاني يدل، في نظر بعض الملاحظين في الوقت الحاضر، على ظهور أول حضارة بشرية مؤكدة تميزت باكتشافات متواصلة متنوعة.

وأثناء تلك الفترة القصيرة من الزمن التي بلغت 5000 سنة أو نحو ذلك تنوعت الأدوات الحجرية، التي ظلت على مر العصور محافظة على أشكالها الأساسية، تنوعا كثيرا من قرن إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى.

وبتعبير علمي أدق حدّد هذا التغير الحضاري الانتقال من العهد الباليوليتي الأوسط Middle paleolithicage إلى العهد الباليوليتي الأعلى. لماذا حدث هذا التغير؟ ولماذا حدث في هذه الفترة بالذات؟ سؤالان يشكلان اثنتين من أكثر المشكلات بروزا في الباليوأنثروبولوجيا (علم البشر القديم) paleoanthropology. إن الأجوبة عن هاتين المشكلتين قد تفسر الكثير من الغموض المتعلق بطبيعة وظهور الإنسان العاقل Homo sapiens ذي البنية الحديثة.

لقد ظُن لبضع سنوات أن علم البيولوجيا (الأحياء) قد يقدم تفسيرا دقيقا للتغير الحضاري. فقد كان هناك نمطان من البشر: الأول هو إنسان نياندرتال Neanderthal، الذي كان أقدم (كما كان يُظن) وأقوى من الثاني المسمى إنسان كرومانيون Cro-Magnon. وكان على الباحثين، لصياغة فرضية بيولوجية، أن يقيموا ترابطا بين الجسم ذي النمط القوي robust (القديم archaic) وبين حضارة الباليوليتي الأوسط، وترابطا آخر بين الجسم ذي النمط النحيل gracile (الحديث) وبين حضارة الباليوليتي الأعلى. ويبدو أن هذا التفسير يمكن تطبيقه في أوروبا حيث بدأت الأبحاث المتعلقة بعلم الباليوأنثروبولوجيا. فقد ترافقت هناك حضارة الموستيري Mousterian الأقدم غير المتطورة ـ بصورة عامة ـ مع النياندرتاليين الأقوياء، في حين ترافقت حضارة الأورينياسي Aurignacian الأحداث ـ بأدواتها المتجددة والمتغيرة باستمرار ـ مع أفراد إنسان كورمانيون من ذوي الأجسام الطويلة النحيلة، الذين ظهروا في سجل المستحاثات (الأحافير) منذ 30000 سنة. (تُنسب التسميتان موستيري وأورينياسي إلى موقعين في فرنسا حيث عثر أول مرة على أدوات حجرية صنعها الإنسان).

إن هذا الترابط بين البيولوجيا والحضارة يصعب تطبيقه في بلاد المشرق Levant. فقد وجد علماء المستحاثات الذين ينقّبون في مواقع هذه المنطقة مجموعات من المستحاثات تشتمل على عينات يبدو أنها أقدم من مثيلاتها التي في أوروبا. وقد ظهر أن بعض العينات تشبه إنسان نياندرتال وتشبه عينات أخرى إنسان كرومانيون. ومع ذلك يبدو أن كلتا المجموعتين من البشر لهما حضارة بدائية واحدة. فكيف يمكن إجراء توافق بين ما تمت مشاهدته في هذه المنطقة من مستحاثات وأدوات مصنعة artifacts وبين ما تمت ملاحظته في أوروبا؟

إن الجواب الحاسم يتطلب ترتيب مستحاثات الشرق الأوسط ترتيبا زمنيا. ولكن هذه العملية يتعذر تنفيذها؛ لأن العينات كانت قديمة لدرجة لا يمكن تأريخها بطريقة الكربون المشع التي لا يتجاوز مدى فعاليتها 40000 سنة. أما اللجوء إلى طريقة اليورانيوم ـ الثوريوم فيتطلب وجود مستحاثات مترافقة مع رواسب كربوناتية carbonatesediments وأما طريقة البوتاسيوم ـ الأرگون فهي أكثر ملاءمة لتحديد عمر أو تأريخ ما ينتج من البراكين لابة (حمم)lava وطَفّ (رماد) tuffs، وهي لا توجد إلا في طبقات أقدم بكثير. وقد ارتأى علماء الأنثروبولوجيا (النوع البشري)، في حالة غياب ترتيب زمني موثوق، أنه من المعقول الاحتفاظ بالتصور الأوروبي، أي الافتراض أن الأنماط النياندرتالية الشرق أوسطية القوية هي الأقدم وتمثل أسلاف الأنماط النحيلة.

دفن مزدوج من مغارة قفزة (في اليمين) يدل على شعور ديني قبل ما ينوف على 100000 سنة. فقد وجد الهيكل العظمي للطفل عند قدمي الهيكل العظمي لامرأة شابة، ربما تكون أمه. يظهر هذان الهيكلان بمظهر الإنسان الحديث ولكن حضارتهما تشابه حضارة الإنسان النياندرتالي الشرق أوسطي الأكثر قوة. أما في أوروبا ـ وبعد مرور 60000 سنة ـ فقد أقام الأفراد ذوو المظهر الحديث وكذلك النياندرتاليون حضارات مختلفة.

لقد شكّلنا، لاختبار هذه الفرضية فريقا متعدد الاختصاصات لوضع ترتيب زمني انطلاقا من مختلف الأدلة المتوفرة. وقد زعزعت النتائج التي حصلنا عليها التسلسل التطوري المعروف، وأثارت أسئلة أكثر من الحصول على أجوبة، وهذا ما قد يعبر عن وجود خلاف، ولكن بهذه الطريقة يتقدم العلم.

بدأنا عملنا بإقامة ترابط طبقي (استراتيگرافي) بين المستحاثات البشرية في مغارات الشرق الأوسط. ثم قمنا بالمشاركة مع <E. تشيرنوف> (من الجامعة العبرية بالقدس) بربط هذه المعلومات بمعطيات تتعلق بالأحوال المناخية القديمة وبمعطيات أخرى، وذلك لاستنتاج ما إذا كان الإنسان العاقل بمظهره الحديث قد عاش في إحدى هذه المغارات منذ نحو 80000 إلى 100000 سنة، أقدم بكثير من التاريخ الذي ظُن فيه بوجود مثل هؤلاء الناس في أي مكان آخر. وقد رُفضت هذه الفكرة في بداية الثمانينات ولكن أثبتتها فيما بعد طريقتان من طرائق القياس الإشعاعي تم تحسينهما، وهما: التألق الحراري thermoluminescense والتجاوب الإلكتروني السپينيelectron spin resonance.

لقد دحضتْ هذه الاكتشافات العلاقة السلالية التي افترض، منذ زمن طويل، أنها صحيحة. فالهياكل العظمية القوية لم تكن أسلاف الهياكل النحيلة. وأصبح من غير الممكن، في الوقت نفسه، ربط ظهور أفراد الإنسان ذي المظهر الحديث مع التغير الحضاري الذي حل في الباليوليتي الأعلى.

فعندما ظهرت الأفراد الأولى من الإنسان الحديث في سجل المستحاثات في بلاد المشرق كان نمط معيشتهم لا يتميز عن نمط معيشة الجماعات البشرية القديمة؛ فأدواتهم المصنعة تنتمي بوضوح إلى حضارة الموستيري.

أثارت مكتشفاتنا أيضا تساؤلا مهمًا آخر حول المكان الذي ظهر فيه النوع البشري. لقد برهنا على أن المستحاثات النحيلة هي قديمة جدا وأمكننا ربطها ببقايا البشر في مغارات “كلاسيس ريڤر ماوث” ومغارة “بوردر” في جنوب أفريقيا. وتبدو أيضا مستحاثات جنوب أفريقيا قديمة فعلا ولكنها تنتمي إلى الإنسان الحديث أكثر من انتمائها إلى الأفراد القديمة.

فهل يا ترى تنتمي هاتان المجموعتان إلى جماعة بشرية واحدة تفرقت فيما بعد؟ لقد أجاب بعض علماء الأنثروبولوجيا بالإيجاب واستنتجوا أن الإنسان الحديث قد ظهر في أفريقيا ثم بدأ يحل محل الجماعات الأقدم في بقاع أخرى من العالم [انظر:

“The Emergence of Modern Humans”  by Christopher B. Stringer

Scientific American, December 1990].

وفي الوقت نفسه تقريبا حين تم قبول الترتيب الزمني الجديد، توصل متخصصون في البيولوجيا الجزيئية ـ بشكل غير متوقع ـ إلى استنتاجات متماثلة فيما يتعلق بالموطن الأصلي لأفراد الإنسان الحديث. لم يعتمد هؤلاء العلماء على العظام المستحاثة وإنما على المستحاثة الحية للدنا living fossil of DNA، حيث تدل أشكاله الكثيرة المتنوعة على جزء من التاريخ التطوري. فقد استنتج بعض هؤلاء الباحثين، بعد مقارنتهم لعدد كبير من عينات مأخوذة من جماعات بشرية إقليمية تقطن في بقاع مختلفة من العالم، أن أفراد الإنسان الحديث قد نشأت في مناطق شبه صحراوية في أفريقيا منذ أكثر من 100000 سنة

[انظر: The Recent African Genesis of Humans by A. C. Wilson-R.L. Cann; Scientific American, April 1992].

ترشد شبكة ثلاثية الأبعاد (في الأعلى) في مغارة كيبارا علماء الآثار الذين يسجلون موقع كل عظم وكل أداة مصنعة، وأيضا يفحصونشرائح رقيقة للرواسب تحت المجهر. إن مثل هذه التقانة مكنت الباحثين من تحديد زمن هذه الأشياء وتمييز الفترات التي كان أفراد البشر يسكنون خلالها المغارة بشكل مستمر. ويبين مقطع عرضاني (في الصفحة المقابلة) الحفريات المستمرة التي يجريها المؤلفان وزملاؤهما في مدخل المغارة وفي الحجرة المسقوفة. إن بعض أقسام المغارة قد تُركت لعلماء آثار المستقبل وهو أسلوب اتبعه <M. ستكيليس> في الخمسينيات ولكن لم يتبنّه <F. نورڤيل ـ بيتر> في الثلاثينات.

ويعترض باحثون آخرون على مظاهر هذا التحليل الجيني genetic أو شجرة النسب ويدعمون تفسيرا آخر يدعى نمط تعدّد المناطق multiregional، ويعني أن الإنسان ذا المظهر الحديث ظهر في آن واحد تقريبا ولكن في مناطق كثيرة مختلفة، وأن عملية التهجين حافظت على وحدة النوع البشري

[انظر:

 ;The Multiregional Evolution of Humans,”  by A.G. thorne-M.H. Wolpoff”

Scientific American, april 1992].

بدأت دراسة أفراد البشر في بلاد المشرق سنة 1929 عندما بدأت <E .A. گارود> (عالمة الآثار في جامعة كامبردج) مشروعا نُفّذ خلال خمس سنوات للتنقيب في ثلاث مغارات تقع عند مصب وادي المغارة (وادي نخال هاميعاروت) وهي: سخول وتابون والواد [انظر الخريطة في الصفحة 31]. لقد وضعت گارود، أثناء عمليات التنقيب. أساس التسلسل الطبقي للبليستوسين الأعلى Upper Pleistocene في بلاد المشرق، وهو عصر من عصور ما قبل التاريخ. إن أكبر عمق وصل إليه الحفريات في تابون بلغ 23 مترا. ومن الطبقات التي صنّفتْها گارود من الأسفل إلى الأعلى حسب أدواتها الصوانية النموذجية إلى: الأشولي الأعلى (يضم الطبقتين G و F) والأشولي ـ اليبرودي Acheuleo-Yabrudian (يضم الطبقة E) والموستيري من الباليوليتي الأوسط (يضم الطبقات D و C وB، إضافة إلى ردميات المدخنة chimney).

كما اكتشفت گارود بقايا لامرأة بالغة صنفتْها حينذاك على أنها امرأة نياندرتالية وحدّدت تأريخها بنحو 60000 سنة تقريبا. ولكن هذه الباحثة لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت تنتمي إلى الطبقة B أو إلى الطبقة C، بيد أن الفك الذي وُجد تحتها مباشرة ينتمي دون شك إلى الطبقة C. ويبدو أن هذا الفك، وهو لشاب بالغ، أقرب إلى فك الإنسان النحيل (الحديث) من جماعة مغارة قفزة أكثر من قربه إلى النمط القوي (القديم) من النياندرتالين.

لقد عثر في مغارة سخول على مجموعة مدهشة من مواد هيكلية تنتمي إلى الباليوليتي الأوسط وتتضمن عدة مدافن ما زالت في حالة جيدة. ونعتقد أن وضعية هيكل المرأة العظمي تدل على دفن مقصود، وهو أقدم عملية دفن عثر عليها حتى الآن.

ونظرا لأن مثل هذا السلوك المعقد لا يمكن أن يكون إلا تعبيرا عن سلوك بشري فإن هذا الاكتشاف يزودنا بدليل غير مباشر على وجود هذا الأسلوب. وفضلا عن ذلك فإننا سنرى أن عادات النياندرتاليين الجنائزية ـ وكذلك أدواتهم الحجرية ـ هي أدنى في كل الأحوال من عادات وأدوات أفراد الإنسان النحيل الذين سبقوهم في المنطقة.

أُجريت أول دراسة لهذه المواد بإشراف <A. كيث> (من كلية الجراحة الملكية في لندن) و <D.T. ماكون> (الذي كان يدرّس مؤخرا في جامعة كاليفورنيا ببركلي). وقد توصلا، بعد معاملة كامل الهياكل في مغارتي سخول وتابون، إلى أنها تمثل شكلا متوسطا بين النياندرتاليين وأفراد الإنسان الحديث. لقد عدّ بعض علماء الأنثروبولوجيا هذه العينات أنها تمثل أفرادا هجينة محتملة في حين اعتبرها بعضهم الآخر تمثل جماعة بشرية تطورت محليا.

وفي الفترة نفسها تمت أيضا مكتشفات مدهشة في مغارة قفزة قرب الناصرة على بعد 35 كيلو مترا على خط مستقيم من جبل الكرمل. فقد أشرف. بين عامي 1933 و 1935م، <R. نوڤي> (الذي كان قنصل فرنسا في القدس وعضوا في معهد علم المتسحاثات البشرية في باريس) بالاشتراك مع <M. ستكيليس> (من الجامعة العبرية) على عمليات التنقيب في تلك المغارة. وقد اكتشفا، خارج الحجرة الرئيسية في المصطبة terrace، أمام المغارة وقرب مدخلها، عدة مستحاثات بشرية في طبقات من الحطام الصخري تبلغ ثخانتها أكثر من أربعة أمتار وتنتمي إلى الباليوليتي الأوسط.

هذا وعلى الرغم من أن أي وصف مفصّل لهذه المستحاثات لم ينشر فقد جازف <H. ڤالوا> (من معهد المستحاثات البشرية) بتصنيفها على أنها تنتمي إلى جماعة النياندرتاليين البدائيين أو إلى جماعة غير نموذجية من النياندرتاليين. وقد اقترح، في الخمسينات، <C. هويل> (من بيركلي) أن الهياكل القريبة في مظهرها من مظهر الإنسان الحديث بجماجمها المكورة ووجوهها المسطحة كانت ـ على الأرجح ـ لأسلاف إنسان كرومانيون الأوروبي، لذلك أطلق عليها كثير من علماء الأنثروبولوجيا اسم طلائع إنسان كرومانيوم Proto-Cro-Magnon.

وفي الخمسينات وبداية الستينات أعطت مواقع أخرى في الشرق الأوسط مستحاثات أخرى تنتمي إلى الباليوليتي الأعلى. فقد اكتشف <S.R. سوليكي> (في الخمسينات عندما كان في جامعة كولومبيا) مجموعتين من الهياكل في مغارة شانيدار في سفوح جبال زاگروس في العراق، وكانت كلها من النياندرتاليين وتبدي ما يدل على سلوك بشري. وتشتمل إحدى المجموعتين على هيكل لرجل فقد إحدى ذراعيه، وهذا ما يدل على العناية التي تلقاها ذلك الرجل عندما كان على قيد الحياة. أما المجموعة الأخرى من الهياكل فتبدي أدلة واضحة على الدفن المقصود، وهذا ما يشهد أيضا على سلوك بشري. وقد وجد <H. سوزوكي> (من جامعة طوكيو) في مغارة عمود بالقرب من بحيرة طبرية، دفنا مقصودا مماثلا لدى النياندرتاليين.

وهكذا، وبحلول السبعينات، أصبح مسلسل تطور المستحاثات البشرية التي تنتمي إلى البليستوسين الأعلى في الشرق الأدنى واضحا نسبيا. فالنياندرتاليون من غربي آسيا كانوا ممثَّلين بالبقايا الهيكلية التي عثر عليها في مغارات تابون وعمود وشانيدار. وهذه الجماعة تطورت فيما بعد، كما افترض، إلى طلائع إنسان كرومانيون المحلية التي عاشت في مغارتي سخول وقفزة.

ولتفسير المرحلة اللاحقة التي بدأت منذ نحو 40000 ستة تجابهت فكرتان: تفترض الفكرة الأولى أن جماعات الإنسان الحديث في بلاد المشرق انتقلت أو انتشرت في أوروبا وذلك بعد أن حلّوا محل النياندرتاليين المحليين أو نتيجة لعمليات التكاثر فيما بينهم. أما الفكرة الثانية فتفترض أن أفراد جماعة النياندرتاليين المحليين في أوراسيا قد تطوروا في الأمكنة نفسها التي كانوا يعيشون فيها إلى أشكال حديثة. وقد أطلق <w.w. هويلز> (من جامعة هارفارد) على هاتين الفكرتين (النظريتين): “سفينة نوح” و “مرحلة النياندرتال” وهما فكرتان ما زالتا رائجتين حتى اليوم مع تعديلات أخذت بالحسبان نتائج التأريخ الجديد التي توصلنا إليها باسم فرضية “الخروج من أفريقيا” وفرضية “تعدد المناطق”.

لقد أدرك، تدريجيا، علماء المستحاثات وباحثون آخرون في الستينات أن دراسة الطبقات الجيولوجية في المغارات كانت أكثر تعقيدا مما كان قد بدا لهم، لذلك فقد استخدمنا في دراسة طبقات مغارات جبل الكرمل كل تقانات التنقيب الحديثة، حيث تم تحديد موقع كل قطعة من المستحاثات وكل أداة مصنعة بالنسبة إلى شبكة ثلاثية الأبعاد [انظر الشكل في الصفحة 32]. وقام الجيولوجيون ومحللو الأشكال المجهرية (المِكْرَوِيّة)micromophological analysts بفحص الرواسب لأجل معرفة ما إذا تعرضت إلى أي تخريب من قبل الحيوانات أو من أفراد البشر خلال الفترات اللاحقة لعمليات الترسيب. وأجريت دراسات على حبوب اللقاحPOLLEN وعلى شواهد مجهرية أخرى، ثم تم ربط بعضها ببعض، وذلك لإعادة تصور الظروف المناخية التي كانت سائدة.

بدأت مثل هذه التحريات المنهجية من جديد في مغارة تابون حيث زودتنا ثخانة الرواسب بسجل ممتاز طويل الأمد عن التغير الحضاري. لقد أشرف على حفريات هذه المغارة <J.A. جليتك> (من جامعة أريزونا ) بين عامي 1967 و 1972، وحديثا تابع العمل <A. رونين> (من جامعة حيفا).

أما المغارة الثانية (مغارة قفزة) فقد أشرف أحدنا (ڤاندرميرش) على حفرياتها خلال الفترة الممتدة من عام 1965 حتى 1979، وشارك المؤلف الآخر للمقال في هذا المشروع خلال فصلي التنقيب الأخيرين.

كشفت التحريات في مغارة تابون النقاب عن الكثير من المعلومات الجيولوجية، كما عثر فيها على عدد كبير من الأدوات الحجرية في حالة جيدة، في حين لم يُعثر إلا على عدد قليل من مستحاثات القوارض. إن مصدر مثل هذه البقايا الأخيرة هو البراز المُتفسِّخ لبوم الصوامع barn owls، وهي طيور لا ترتاد المغارات عندما يقطنها أفراد البشر، لذلك يستخدم علماء المستحاثات بقايا القوارض لغايات تتعلق بالبيئة القديمة ولوضع الطبقات حسب ترتيبها الزمني.

لاحظ جلينك أثناء دراسته المفصَّلة للأدوات الحجرية أن حجم بقايا هذه الأدوات يتناقص عند الانتقال من الموستيري( الطبقتين C و D) إلى الأشولي ـ اليبرودي (الطبقة E) ثم إلى الأشولي الأعلى (الطبقة F). وقد بيّن أنه عندما يتم رسم قيم هذا الحجم بدلالة مقياس الزمن المقترح لمغارة تابون فإن المنحنى الناتج يبدي انحرافا (زاوية) يرتفع عنده المنحنى ارتفاعا مفاجئا. وهذا يعكس ـ حسب رأي جلينك ـ انتقالا تطوريا من النياندرتاليين إلى أفراد الإنسان الحديث.

النحيل والقوي: إن جمجمة الإنسان النحيل (في اليسار) التي عُثر عليها في مغارة قفزة ذات مظهر حديث وتتصف بقحف عال وقصير وبذقن متميز. أما جمجمة الإنسان القوي (في اليمين) التي عُثر عليها في مغارة تابون فتتصف بقسمات إنسان نياندرتال النموذجية المتمثلة ببروز المنطقة المتوسطة من الوجه و “نتوء” Bun من الخلف. إن لكلتا الجماعتين أدمغة كبيرة، على الأقل مثل أدمغة البشر المعاصرين.

لقد وضع <W. فاراند> (من جامعة ميتشيغان) جدولا زمنيا لمغارة تابون اعتمادا على دراسة الرواسب التي تراكمت فيها.

فقد فسر وجود الرمال الثخينة ـ التي تراكمت في أسفل التسلسل الطبقي، والتي تضمن الطبقات الثلاث E و Fو G ـ على أنها بقايا لكثبان رملية تقدمت إلى مدخل المغارة بتأثير طغيان البحر وارتفاع سويته نتيجة ذوبان القلنسوات الجليدية القطبية polar ice caps أثناء الفترة البينجليدية الأخيرة، أي منذ نحو 100000 سنة. كما فسر وجود تربة اللوس loess في الطبقة D كدليل على بداية حدوث فترة باردة منذ 75000 مضت وهي فترة الموستيري. أما راسب القسم الأعلى من التسلسل الطبقي الذي يشمل الطبقتين B و C وردميات المدخنة (المدخل العمودي للمغارة) فيبدو أنها تراكمت في الفترة اللاحقة الواقعة بين 55000 و 40000 سنة مضت، حين تمكنت الأمطار من الدخول عبر فوهة المدخنة مع ما حملته من التربة الحمراء التي تميز تربة منطقة البحر المتوسط.

ولكن تبين أن ما تم الوصل إليه من نتائج يتعارض مع تحليل الدليل الفوني faunal evidence (أي يتعارض مع كامل المستحاثات) التي عثر عليها في مغارتي تابون وقفزة. فقد وجد تشيونوف، الذي أجرى هذا التحليل، أن الطبقات الحاوية على هياكل أفراد البشر في مغارة قفزة تحتوي على عدة أنواع قديمة من القوارض وهي غير موجودة في الطبقة C في تابون. إن هذا الاختلاف في محتوى الطبقات من المستحاثات يدل ضمنا على أن المجموعتين من أفراد البشر قد عاشتا في زمنين مختلفين. وهذا التعليل جعلنا نعيد النظر في دراسة الطبقات الجيولوجية في المغارات وما تحوي هذه الطبقات من هياكل بشرية.

تضم مغارة قفزة، على الأقل ثلاثة مدافن لأفراد من البشر من ذوي المظهر الحديث وتدل مواقعها في الرواسب على أعمارها. وأحد هذه المدافن كان لرجل بالغ ركبتاه مثنيّتان جزئيا وجسمه ممدد على الجنب الأيمن في كُوّة طبيعية في جدار كلسي. أما المدفن الثاني فهو قبر مزدوج، وهو الوحيد الذي اكتشف في الباليوليتي الأوسط، ويضم هيكلا عظميا لامرأة عمرها يتراوح من 18 إلى 20 سنة ممدّدة على جنبها الأيمن ويداها فوق بطنها، ورجلاها نصف مثنيتين، وعند قدميها هيكل عظمي لطفل في سن السادسة تقريبا في وضعية عمودية على جسمها. ونظرا لأن الهيكلين كانا ممددين بشكل أفقي في حفرة مستطيلة الشكل وجدرانها مقطوعة في طبقات الموقع فإن ذلك قد يدل على أن الدفن المزدوج قد تم في قبر واحد.

أما المدفن الثالث فهو لصبي عمره نحو 13 سنة، عثر عليه في تجويف حُفر في الصخر اللين، وقد مُدِّد جسمه على ظهره، وجمجمته مستندة إلى جدار المدفن، ويداه متجهتان إلى الأعلى. وقد وُضع فوق اليدين قرن كبير للأيّل الأسمر بشكل مستعرض على الجزء الأعلى من الصدر. ويدل وجود هذا القرن على دفنه أيضا بشكل مقصود بعد أن تركته الضباع المفترسة. لا يمكن أن نستنتج من هذه الممارسات ومن دراسة أدوات هؤلاء البشر من الجماعات الأولى من الإنسان الحديث أنهم يختلفون اختلافا واضحا عن الأقوام القوية الذين أتوا فيما بعد إلى المنطقة.

إن غزارة بقايا القوارض في الطبقات السفلى تدل على أن أفراد البشر لم يقطنوا المغارة إلا بشكل متقطع فقط، وربما أثناء فصول محدّدة خلال هذه الفترة. ومهما يكن من أمر يبدو أن جولتهم السنوية للبحث عن الطعام وصلت شرقا إلى وادي الأردن وغربا إلى شاطئ البحر المتوسط، أي على بعد 40 كيلو مترا. ويبدو أن ما كان يحصلون عليه من البحر ظهر على شكل أصداف مثقبة للرخوي كليسيمريس Glycymeris وجدت في الطبقات السفلى. يمكن أن تستخدم ثقوب الأصداف لأي وظيفة فيما عدا استخدامها لتمرير خيط لعقد أو تميمة. إن مثل هذه الاستعمالات تنمّ عن وجود سلوك بشري.

وأخيرا وجدنا كومة من المغرة ocher الحمراء، محززة بخدوش فاتحة. وقد أظهر الفحص المجهري للأدوات الحجرية، الذي قام به <J.J. شب> (عندما كان في جامعة هارفارد)، وجود مغرة حمراء على الأطراف القاطعة لعدد من هذه الأدوات. وفي أزمنة لاحقة استخدمت المغرة الحمراء صباغًا ومادةً كتيمة بعد خلطها بالزيت.

لقد حاولنا أثناء فصل الحفريات الأخير من العام 1979 تعرف التغيرات المناخية القديمة. استخدمنا في البداية طبقات مغارة قفزة المحتوية على مستحاثات القوارض وذلك لمعايرة التسلسل المناخي القديم في مغارة تابون، ومن ثم طبقنا هذا التسلسل على طبقات قفزة الحاوية على مستحاثات البشر. وأخيرا أقمنا ترابطا بين هذا التسلسل والتسلسل المعتمد على النظائر المشعة التي في القُوارات cores المستخرجة من الحفر العميق في البحار. ويبدو أن هذه الطريقة من المقارنة تجعلنا نقترح أن البشر في مغارة قفزة قد عاشوا قبل نحو 80000 إلى 100000 سنة.

بقايا لموقد عثر عليها في وسط مغارة كيبارا في حين جمعت النفايات بالقرب من الجدار، وهذا ما يدل على سلوك بشري وهو النظافة.

إن الانتقادات الكثيرة التي تعرضنا لها دفعتنا إلى أن نحاول حل المشكلة بأسلوبين: فقد نطبّق طرائق تحديد التأريخ التي تطورت حديثا أو ننتخب موقعا حيث تسمح حالة حفظ المستحاثات فيه من تصوّر أكمل للأنماط السلوكية. وهذه الأنماط السلوكية تتضمن استخدام النار ومواقع تجميع النفايات في المغارة ونوع الأغذية النباتية التي تم جمعها ونوع الحيوانات التي تم اصطيادها أو أسرها أو جمعها. ونعتقد أنه بالحصول على مثل هذه الصورة الكاملة (عوضا عن الاعتماد فقط على الأدوات الحجرية) يمكننا أن نعرف ما إذا كانت طلائع إنسان كرومانيون ونياندرتاليّو الشرق الأوسط تمثل بالحقيقة جماعتين مختلفتين لنوع واحد أو نوعين مختلفين.

لقد كان اختيار مغارة كيبارا، التي تقع على الجرف الغربي لجبل الكرمل، اختيارا موفقا نظرا لسجلها الرسوبي الكامل. تقع كيبارا على ارتفاع 60 مترا تقريبا فوق سطح البحر ولم يتعرض مدخلها المعقود arched، الذي يواجه الشمال ـ الشمال الغربي، إلى تخريب خلال العهد الباليوليتي على الرغم من أن انهيارا صخريا لاحقا كون مصطبة صغيرة أمام المغارة. وقد شرعنا في الحفريات عام 1982.

إن معظم الطبقات، التي يرجع تأريخها إلى الباليوليتي الأعلى، قد أزيل خلال الثلاثينات أثناء الحفريات التي أشرف عليها <F. فرانسيس ـ بيتر>، وهو باحث مستقل تعاون فيما بعد مع المدرسة البريطانية لعلم الآثار في القدس. وفي عام 1951 تابع <M. ستكيليس> الحفريات، وخلال أكثر من أربع عشرة سنة اكتشف فريقه طبقات من الباليوليتي الأوسط ووجد فيها طفلا نياندرتاليا.

لقد درسنا هذه الطبقات دراسة مفصلة ولا سيما الطبقات التي تزامنت مع الفترات المتعاقبة من سكن البشر. وقد أظهرت الأدوات الحجرية وجود تشابه بينها وبين الأدوات التي عثر عليها في الطبقة B في مغارتي تابون وعمود، ولكن ليس من حيث الشكل (حيث بقيت دون تغيير خلال الموستيري) بل في طرائق التصنيع.

هيكل لرجل نياندرتالي، لافت للنظر، عثر عليه في كيبارا استؤصل منه الرأس بعد أن تفسخ اللحم ولكن أبقي على الفك السفلي وعلى العظم اللامي (أو عظم اللسان tongue bone) في مكانيهما. إن شكل العظم يوحي بأن أفراد البشر الأوليين تمكنوا من إصدار أصوات الإنسان الحديث.

والاكتشاف الأغرب، الذي تم سنة 1983، كان العثور على هيكل ذكر بالغ دفن في قبر حفر لهذه الغاية قبل نحو 60000 سنة، ولكن لم يعثر على جمجمة هذا البالغ ولا على ساقه أو قدمه اليمنى. أما القدم اليسرى فقد أتلفها تسرب المياه عبر الرواسب. ويبدو أن الجمجمة قد نزعت بشكل مُتعمَّد بعد أن تفسَّخ اللحم وربما بعد موت الرجل بعدة شهور، ولا يمكن أن يعلِّل ذلك أي تفسير آخر نظرا لبقاء العظام الأخرى في وضعيتها دون تغيير ولا سيما عظم الفك السفلي. وهل يمكن أن نتصور أي سبب غير السبب الديني لتفسير هذه الممارسة الجنائزية؟

ويكوّن هذا الفك أهم المكتشفات، فهو ـ بشكله ـ يشابه فك إنسان نياندرتال ولكنه يختلف عن أي فك آخر عثر عليه نظرا لاحتفاظه بالعظم اللامي hyoid (وهو عظم منفصل يتحكم في اللسان) لقد توصل <B. أرنسبورگ> (من جامعة تل أبيب) ومساعدوه ـ بدءا من شكل العظم ـ إلى أن جهاز التصويت لدى هذا الإنسان يشبه ما لدى الإنسان الحديث ويحتمل أنه كان قادرا على إصدار الأصوات الضرورية لكلام مقطَّع. واعتمادا على عظم آخر هو عظم الغفل inominate bone رأى <Y. راك> (من جامعة تل أبيب) أن حوض هذا الإنسان هو أقرب إلى حوض النياندرتاليين منه إلى حوض الإنسان الحديث.

إن الاستدلال على إمكانية الكلام ووجود تصرفات سلوكية بشرية أخرى يتطلب أكثر مما تقدمه العظام لوحدها من معلومات.

ويمكننا استخلاص أشياء مهمة من الموجودات التي تدل عليها وهي الأدوات الآثارية. إن بعض هذه الأدوات التي عثر عليها في الموستيري تفي تماما بهذا الغرض. إن غالبية العظام ومواقع النفايات مثلا وجدت بالقرب من جدار المغارة في حين كان وسط المغارة مغطى ببقايا المواقد. إن هذا الترتيب يدل على النظافة، أي يدل على أسلوب متميز وحديث من السلوك البشري.

إن الوجود الواضح لأفراد الإنسان بأشكال حديثة في بلاد المشرق منذ نحو 100000 سنة يقدم حقائق جديدة لتفسير وجود مستحاثات أخرى غربي آسيا. فقد يكون لأفراد الإنسان الحديث سلسلة نسب (سلالة)genelogy محلية واسعة الامتداد إلى حد ما. فبقايا الجمجمة التي وجدها تورنڤيل ـ بيتر في مغارة زوتّيّة بالقرب من مغارة عمود، مثلا، تثبت أن تأريخها يراوح بين 200000 و 250000 سنة مضت وقد يكون صاحب هذه الجمجمة أحد أفراد الجماعة التي انحدرت منها جماعة الإنسان النحيل (الحديث) في كل من سخول وقفزة.

ومع ذلك يبدو أن النياندرتاليين لم يكن لهم أسلاف محليون، والسجل الوحيد لأسلافهم طلائع النياندرتاليين موجود في أوروبا، حيث يرجع تأريخه إلى ما قبل 150000 سنة. وعندما يتعذر الحصول على معطيات من مستحاثات أخرى لا بد وأن نستنتج، بصورة نظرية، أن أفراد إنسان نياندرتال في كيبارا قد انحدرت من أصل أوروبي. فالجماعة الموجودة إما قد هاجرت من أوروبا إلى بلاد المشرق أثناء فترة جيل واحد، وإما ـ وهو الأرجح ـ قد انتشرت بشكل تدريجي أثناء عدة أجيال. وتدعى العملية الأخيرة بالانتشار الاستيطاني endemic diffusion، وهو انتشار لا بد أن يكون قد تضمن، إلى حد ما، تزاوجا متبادلا بين هذه الجماعة وبين الجماعات التي تعايشت معها على طول طريق انتشارهم.

ما الذي سبب مثل هذا الانتشار خارج أوروبا؟ لقد تكيف النياندرتاليون مع المناخ البارد كما تشهد على ذلك بنية أجسامهم القوية ولكنهم لم يتحملوا الظروف المناخية القطبية الشمالية التي حدثت على شكل موجات مفاجئة من البرد أثناء الفترة الممتدة بين 115000 و 65000 سنة مضت. وقد أجبرهم البرد الشديد على الرحيل نحو الجنوب. ولدعم هذا الافتراض نذكر التشابه بين النياندرتاليين في الشرق الأوسط وجمجمة قديمة عثر عليها في ساكو باستور بإيطاليا. ويفترض هذا التشابه أن الانتشار من أوروبا قد سلك مسارا محاذيا لحوض البحر المتوسط ربما مرورا عبر تركيا الحالية أو عبر بلاد البلقان.

مَنْ وجد النياندرتاليون عند وصولهم إلى الشرق الأوسط؟ للجواب عن هذا السؤال وُضعت فرضيات متعددة لا بد من اختبارها.

لقد ظن أن المناخ البارد هو الذي دفع الإنسان النحيل (الحديث) نحو أفريقيا كما دفع جماعة الإنسان القوي (القديم) نحو بلاد المشرق، وهذا ما أدى إلى عدم اختلاط الجماعتين إحداهما بالأخرى. أما لو بقي أحفاد الإنسان النحيل في أماكنهم في الشرق الأوسط لكانوا قد تعايشوا مع النياندرتاليين أو حتى تناسلوا معهم. إن بعض العلماء يعتبرون أن مثل هذا التهجين غير محتمل ويفضلون النظر إلى هاتين الجماعتين على أنهما تمثلان نوعين متميزين:

وعادة ما يحاول علماء الباليوأنثروبولجيا الاستدلال على السلوك البشري، عند ندرة المستحاثات، من اختلاف أنماط تصنيع الأدوات وجمع الغذاء وتحضيره ومن وجود المواقد أو فقدانها وأخيرا من الأدلة التي تقدمها النشاطات الفنية، إلا أن البقايا الآثارية المتعلقة بكل ما ذكر هي بعيدة أيضا من أن تكون حاسمة.

تكون الأدوات الحجرية المنحوتة والصخور الأصلية، التي قطعت منها، من أغزر المخلفات الآثارية في المواقع الباليوليتية. وقد صنف العالم الفرنسي الراحل <H.F. بورد> أدوات الباليوليتي الأوسط، كما فسر الاختلافات الملاحظة على مجموعاتها بوجود عدة قبائل بشرية في عصور ما قبل التاريخ. وقد عارض <R.L. بينفورد> الاستنتاج الذي توصل إليه بورد وبيّن أن أفراد البشر في الباليوليتي الأوسط كانوا يؤلفون ـ على الأرجح ـ جماعة واحدة، ولكنهم كانوا يستخدمون أدوات حجرية مختلفة لإنجاز مهام مختلفة.

أدى هذا النقاش إلى إجراء أبحاث مجهرية دامت عقدين من الزمن صُنعت خلالها أدوات واستخدمت لإنجاز أعمال مختلفة ثم قارن الباحثون بعد ذلك شكل التآكل الناتج مع شكله الملاحظ على الأدوات القديمة. ومع ذلك فقد أخفقت هذه الدراسة في الكشف عن الأهداف التي صنعت من أجلها أدوات الموستيري. وفي معظم الحالات لم يعثر على علاقة بين شكل الأداة والعمل الذي صُنعت من أجله. وعلى الرغم من وجود استثناءات من هذه القاعدة فمن الواضح أن المحكّات scrapers، وهي الأدوات التي كانت سائدة، قد أنجزت الكثير من المهام المختلفة.

إن أحد الاستدلالات السلوكية الذي يمكن استنباطه من دراسة بقايا الأدوات هو استنتاج أن هؤلاء البشر كانوا يخططون مقدما لأعمالهم. فقد بينت الدراسات أنهم كانوا يميزون الأحجار الجيدة من غيرها ويقطعون المسافات البعيدة للحصول عليها.

وكانوا لا يستغنون عن الأدوات الحجرية الجيدة إلا بعد استعمال طويل، بينما كانوا لا يترددون ـ في الكثير من الأحيان ـ في الاستغناء عن الأدوات الرديئة مباشرة على الرغم من الجهود التي بذلوها في العثور عليها وتصنيعها واستعمالها.

ونظرا لأن بلاد المشرق غنية ـ بصورة عامة ـ بصخر الصوان flint، لم تكن شعوب الباليوليتي الأوسط في هذه المنطقة تقطع سوى بضعة كيلو مترات للحصول على قطع صوانية عالية الجودة. وكانوا يصنعون منها أدواتهم في الموقع نفسه أحيانا، وغالبا ما كانوا يحملونها إلى مغاراتهم. وفي كلتا الحالتين كانوا ينجزون الشكل المرغوب، بمتابعة تشظية القطع الصوانية لجعلها حادة وقاطعة. وبعد استخدام الأدوات المصنعة كانوا يعيدون شحذها بين حين وآخر. إن هذه السلسلة الكاملة من العمليات تكون دليلا على تخطيط طويل الأمد وهذا من مزايا البشر.

إن الدلائل الواضحة على عمليات الدفن المقصود في مغارات قفزة وسخول وعمود وكيبارا، ووجود الأصداف البحرية مثقوبة في مغارتي سخول وقفزة، وكذلك وجود المغرة الحمراء المستخدمة في هاتين المغارتين وفي مغارة هايونيم، كلها تؤكد وجود سلوك بشري. كما أن العظم اللامي بمظهره الحديث في إنسان نياندرتال الذي عثر عليه في مغارة كيبارا يوحي بأن اللغة المنطوقة قد تطورت.

كما أنه كان لدى البشر في الباليوليتي الأوسط مقوِّمات التحديث modernity ولكن سرعة الابتكار كانت بطيئة جدا.

هذا ولا بد في آخر الأمر، لحل المسألة المتعلقة بالنشوء النوعي phylogenetic للبشر من دراسة الدنا المستخلص من عظام بشرية جيدة الحفظ. غير أن دراسة النشوء النوعي لا تفسر سبب التغير الحضاري الذي حدث في العهد الباليوليتي الأعلى. ولحل هذه المشكلة يتعين على الباحثين أن يستدلوا على التغيرات في سلوك البشر من اقتفاء الآثار القليلة الموجودة في السجل الصخري.

ولا بد للجيولوجيين والمتخصصين في علم الأشكال المجهرية والخبراء الآخرين أن يوحدوا جهودهم من أجل تمييز آثار النشاطات البشرية من الآثار التي تركتها الحيوانات والعوامل الطبيعية الأخرى. ولا بد بعد ذلك لعلماء الآثار من أن يصفوا أدوات مواقع سكن البالوليتي الأوسط والأعلى وأن يبحثوا في الفروق عن بعض العلامات للتغيرات التي قادت إلى توالي الابتكارات بسرعة. إن عالم الآثار لما قبل التاريخ، (شأنه في ذلك شأن المؤرخ الذي لا يستطيع تفسير الثورة الصناعية دون الرجوع إلى القرن الثامن عشر) لا يمكنه أن يعلل التقدم التقاني المفاجئ الذي حدث قبل 40000 سنة قبل أن يحل أولا لغز “الحياة في الموستيري”.


 المؤلفان

Bernard Vandermeersch – Ofer Bar – Yosef

يشرفان معا على مشروع التنقيب متعدد الاختصاصات في مغارات قفزة وكيبارا وهايونيم في فلسطين. بار ـ يوسف هو أستاذ علم الآثار لما قبل التاريخ في متحف پيبدي بجامعة هارفارد. لقد تدرب في جامعة القدس وأشرف على العديد من الحفريات في مواقع باليوليتية ونيوليتية. وتتركز اهتماماته حول أصل الإنسان الحديث وانتقاله إلى مرحلة الزراعة. أما فاندرميرش فهو أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة بوردو الأولى. لقد درّس سابقا عدة سنوات في جامعة بيير وماري كوري في باريس. تتركز أبحاثه حول بيولوجية البشر والتغير الحضاري أثناء البليستوسين الأعلى.


مراجع للاستزادة

PALEOANTHROPOLOGY. M. H. Wolpoff. Alfred A. Knopf, 1980.

THE SHANIDAR NEANDERTALS. E. Trinlcaus. Academic Press, 1983.

WESTERN ASIA. E. Trinkaus in The Origins of Modern Humans: A World Survey of the Fossil Evidence. Edited by F. H. Smith and F. Spencer. Alan R. Liss, 1984.

THERMOLUMWESCENCE DATING OF MOUSTERIAN ‘PROTO-CRO-MAGNON’ REMAINS FROM ISRAEL AND THE ORIGIN OF MODERN MAN. H. Valladas, J. L. Reyss, J. L. Joron, G. Valladas, O. Bar-Yosef and B. Vandermeersch in Nature, Vol. 331, No. 6157, pages 614-616; February 18, 1988.

ELECTRON SPIN RESONANCE DATING AND THE EVOLUTION OF MODERN HUMANS. R. Grim and C. B. Stringer in Archaeometry, Vol. 33, Part 2, pages 153-199; August 1991.

Scientific American, April 1993

Advertisements

أبو النجم بدر الجمالي

أبو النجم بدر الجمالي

(… ـ 487هـ/ … ـ 1094م)

، أمير الجيوش وأحد قادة الخلافة الفاطمية ووزرائها المشهورين.
كان بدر غلاماً أرمنياً مملوكاً لصاحب طرابلس الشام، جمال الدولة ابن عمَّار، ولذلك عُرف بالجمالي نسبة إليه. وتربَّى عنده وتقدَّم بسببه واعتنق الإسلام. وكان من الرجال المعدودين من ذوي الرأي والشهامة وقوة العزم، وما انفَكَّ منذ سُبِي يوطِّن نفسه على العِزِّ ويتقدَّم في الخدمة إلى أن ولاَّه الخليفة الفاطمي المستنصر (427-487هـ/1036-1094م) إمارة دمشق سنة 455هـ/1063م، ولكنه اضطر إلى مغادرتها مرغماً بعد عام واحد سنة 456هـ لثورة الجند به لصرامته، وعاد بدر ثانية حينما ولاَّه الخليفة سنة 458هـ دمشق والشام بأسرها مع الساحل. وبلغه وهو في دمشق مقتل ولده بعسقلان فخرج إليها سنة 460هـ/1068م. فاستغلَّ جند دمشق غيابه فثاروا مرَّة أخرى وخرَّبوا مع العامة قصر الإمارة، فتوجه بدر إلى عكا واستقرَّ فيها.
ولما تغلَّب القاضي عين الدولة بن أبي عقيل على صور عام 462هـ/1069م حاصر بدر صور برَّاً وبحراً مدة سنة وضيق على أهلها إلاَّ أنه أخفق في الاستيلاء عليها.
كانت مصر قد نكبت في هذه الأثناء (ما بين 446-454هـ) بالوباء والقحط، وكان وقعهما شديداً فيها فعمَّت الفوضى والمجاعة وعاد الوباء أشدَّ ما يكون بين سنتي 456-464هـ/1064-1071م مقترناً بالفتن والحروب، وامتدَّت يد السلاجقة إلى الشام حتى كادت تخرج من أيدي الفاطميين، فاستدعى المستنصر بالله بدر الجمالي إلى مصر عام 466هـ/1073م ليكون القائم بتدبير الدولة وإصلاح الأمور.
أبحر بدر في حرسه الخاص من الأرمن وفي جنده المخلصين ومعه عبد الله بن المستنصر من عكا قاصداً مصر، وفاجأ الأمراء في القاهرة الذين كانوا على جهل بقدومه، فتمكَّن من الإيقاع بهم وقتلهم جميعاً في ليلة واحدة وعاد الهدوء إلى العاصمة، ونُصِّب بدر أميراً للجيوش ولُقِّب بكافل قضاة المسلمين (قاضي القضاة). وهادي دعاة المؤمنين (داعي الدعاة). واستمر بتتبع المفسدين في كل جهة من جهات مصر حتى أفناهم عن آخرهم واستصفى أموالهم، فاستقامت الأحوال واستتبت الأمور وسكنت الفتن وفُرِض النظام والهدوء. وفي عام 468هـ/1075م عيَّنَ الخليفة بدراً وزيراً للسيف لا يتقدمه أحد وأوكلت إليه جوامع تدبير البلاد فصار الأمر كله له، وليس للخليفة المستنصر معه سوى الاسم إلى أن مات سنة 487هـ قبل الخليفة بأشهر.
التفت بدر بعد أن صار وزيراً إلى تقوية الدولة واستعادة هيبتها، وسعى في محاولات متكررة وحملات متعددة في سنوات 471هـ/1078م و478هـ/1085م و482هـ/1089م إلى إعادة سلطة الفاطميين على دمشق والشام، وكانت دمشق قد آلت إلى حكم السلاجقة عام 468هـ/1089م، وحاول القائد التركي أتسز بن أوق[ر] وهو أحد أمراء السلطان السلجوقي ملكشاه أن يستولي على مصر، فقصدها في جمع كبير سنة 469هـ وظهر أمام القاهرة، لكن الجيوش الفاطمية بقيادة بدر الجمالي ألحقت به هزيمة منكرة، ورُدَّ السلاجقة على أعقابهم عن مصر، ومع أن الفاطميين حاولوا سنة 471هـ/1078م استعادة دمشق إلاَّ أنَّهم أخفقوا. ولم يكن في حوزة الفاطميين عند وفاة بدر إلا معظم الساحل الشامي وبعض مدن جنوبي الشام.
كان بدر شديد الهيبة، وافر الحرمة، مخوف السطوة فاتكاً جبَّاراً قتل خلقاً كثيراً لبلوغ غاياته، ولكن المصادر وصفت بدراً إلى جانب ما سبق ذكره من صفات بأنه كان عاقلاً كثير الخير والحسنات كريماً يحترم العلم وأهله ويكرم الشعراء، وأجمعت كذلك على امتداح سيرته في الحكم وازدياد دخل مصر من الضرائب في أيَّامه ونهوضه بالزراعة بأن أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين حتى تحسنت أحوال الفلاَّحين واستغنوا في عهده، وعاد التجار إلى مصر بعد نزوحهم عنها أيام الشدَّة المستنصرية لاستتباب الأمن.
أولى بدر العمران الكثير من العناية والاهتمام، فأمر الناس من العسكر والأرمن وغيرهم أن يعمِّر كل بحسب قدرته ما شاء في القاهرة، وأن يستفيد في عمارته من أنقاض ما تخرَّب من الفسطاط والعسكر والقطائع. وأكثر الناس من عمران الدور واتسعت دائرة العمارة، فبنى الوزير الجمالي سوراً جديداً أوسع نطاقاً من الأول، واستفاد عند التنفيذ من خبرات التحصين التي اكتسبها من حروبه مع السلاجقة، وعَملت في السور أبواب متقنة منيعة أهمها الأبواب الثلاثة التي لا تزال قائمة إلى اليوم، وهي باب زويلة وباب الفتوح وباب النصر، وأولى بدر عنايته أيضاً لبناء المساجد ومن أهم المساجد التي بناها جامع سوق العطارين بثغر الاسكندرية، وآخر بعسقلان وبنيت لبدر الجمالي أيام وزارته «دار المظفَّر» التي غدت دار وزارة سكنها أمير الجيوش نفسه أيام وزارته وصارت بعد ابنه الأفضل، الذي حلَّ محلَّ أبيه في جميع مناصبه، سكناً لوزراء الدولة أرباب السيوف إلى أن زالت الدولة

العُنْصُرية

العُنْصُرية الاعتقاد بأن أعضاء جنس أو سلالة أو مجموعة من السلالات أعلى أو أدْنى درجة من أعضاء السّلالات الأخرى. ويسمى الناس الذين يعتقدون أو يمارسون ما يوحي بتفوق سلالة على أخرى عنصريين، فهم يدَّعون أن أعضاء سلالتهم أعلى شأنا في النواحي العقْلية والأخلاقية أو الثقافية من أفراد السّلالات الأخرى. ولأن العنصريين يفْترضون أنّهم أرفع مقامًا، لذلك فإنهم يعتقدون بأنهم يستحقّون حقوقاً وامتيازات خاصة.

والجماعات، كالأفراد، يخْتلف بعضها عن بعض. إلا أنه لايوجد دليل علمي يساند دعاوى التفوق. ويؤكد باحثو علم الاجتماع بأنه لاتوجد جماعتان لهما بيئتان متماثلتان في جميع النواحي، ومن هنا فإن كثيراً من الاختلافات التي توجد بين الجماعات ترجع بالدرجة الأولى إلى اختلاف البيئات المختلفة. وقد ناقش العُلماء طويلاً الأهمية النِّسبية للوراثة والبيئة في تحديد هذه الاختلافات، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن الوراثة والبيئة تتفاعلان بطرق معقدة متشابكة، انظر: الذكاء؛الأجناس البشرية.

وبالرغم من عدم وجود دليل علْمي يُساند الدّعاوى العنصرية، فإن العنصرية واسعة الانتشار وسبّبت الكثير من المشكلات الرئيسية مستخدمةً دعاوى التّفوق والنّقص العنصريين لتبرير التمييز العنصري والفصل الاجتماعي والنزعة الاستعمارية، وحتى الإبادة الجماعية (القتْل الجماعي) في بعض الأحيان.

والعنْصرية هي أحد أشْكال التحيُّز، لذلك فإننا نجد كثيراً من الناس يميلون إلى اعتبار مظهرهم وسلوكهم النموذج الطبيعي للمظهر والسلوك، فهو على ذلك النموذج المطلوب، وقد يرْتابون في الناس الذين يتصرفون بطريقة مُغايرة أو يخشونهم. وعندما تَكون الاختلافات واضحة، كتلك التي في لوْن البَشْرة أو العبادات الدينية، يصبح الارتياب كبيرًا جدًّا. وهكذا، يُمكن أن تؤدِّي مثل هذه المواقف والاتجاهات إلى الاعتقاد بأن الذين يتصرفون على نحو مغايِر هُم أدْنى منهم. ولكن كثيراً من الناس لايكلفون أنفسهم مشقة البحث في السّلالات الأخرى لمعرفة ما يُعْجبون به في ثقافتهم الخاصة. كما أنهم قد لا يدركون الخصائص المغايرة والمفضلة في الوقت نفسه، مثل السمات الخاصة بأعضاء هذه السلالات.

وفي البلْدان التي يشكِّل فيها البيض الأكثرية، توجه العنصرية بصفة عامة ضد جماعات الأقليات السّلالية أو العِرْقية. وتشتمل مثل هذه الجماعات على السُود والهنود الأمريكيين والأمريكيين المكسيكيين وسكان أستراليا الأصليين والآسيويين. وقد تعرّضت هذه الأقليات للتّعصب والتمييز في المجالات المختلفة مثل الإسكان والتّعليم والتّوظيف.

سيطرت أقَلّية بيضاء في جنوب إفريقيا على الحُكْم لسنوات طويلة، وفرضت قوانين عنصرية في مجالات الإسكان والتّعْليم والتوظيف كان لها تأثيرها على الغالبية العُظْمى من غير البيض. وهي السياسة المعروفة باسم سياسة التفرقة العنصرية (الأبارتيد).

 

العنصرية الفردية والعنصرية المنظمة. يميز علماء الاجتماع دائمًا بين العنصرية الفردية والعنصرية المنظمة. تشير العنصرية الفردية بصفة أساسية إلى المعتقدات التحيزية والتصرفات التمييزية التي يمارسها الأفراد البيض ضد السود وجماعات الأقليات الأخرى. والواقع أن هذه العنصرية الفردية تنبني أساساً على فرْضيات عنصرية تتعلق بادعاءات التفوق والدونية.

أما العنصرية المنظمة، فتشير إلى التمييز الذي تمارسه المجتمعات والمدارس والمؤسسات التجارية وغير ذلك من الجماعات والمُنظمات التي تحد الفرص أمام جماعات الأقلية. ومن الممكن ألا تكون العنصرية المنظمة قد بدأت بقصد ممارسة التمييز العنصري. لكنها، على أية حال، لها نتائجها وتأثيراتها الضارة. فعلى سبيل المثال، الشركة التي تشترط الحصول على الشهادة الجامعية، حتى للوظائف التي لاتحتاج إلى مؤهل جامعي في الولايات المتحدة، قد تضر بالسود لأن نسْبة السود الذين يحتمل أن يكونوا قد حصلوا على مثل هذه الدرجة أقل بكثير جدًا من البيض. وبهذا الشَّكْل، تقلِّل سياسة الشركة فرص العمل أمام السود على الرغم من أنها ربما لاتكون تعمدت فعْل هذا.

 

نبذة تاريخية. وجدت أشكال العنصرية منذ بدايات التاريخ. فقبل أكثر من ألفي عام، استعْبد الإغريق القدماء والرومان الشعوب التي اعتبروها أدنى منهم. وظل الصينيّون لمئات من السنين بعد رحلات ماركو بولو إلى الصين في القرن الثالث عشر الميلادي، ينظرون إلى الغربيين على أنهم بيض همج كثيفو الشعر.

وتمكن الأوروبيون في القرن الثامن عشروحتى أوائل القرْن العشرين الميلاديين من فرض سيطرتهم على أجزاء كبيرة من آسيا وإفريقيا. وبرّر هؤلاء المستعمرون سيطرتهم على أساس أن السلالات ذات البشرة السوداء والسمراء والصفراء لابد من تمدينهم بوساطة البيض المتفوقين. وهذه المهمة التثقيفية، كما ادعوا، هي التي أصبحت تسمى عبء الرجل الأبيض. وفي كل مكان من الإمبراطورية البريطانية، كان الزعم الزائف بتفوق البيض يتغلغل في مُعظم مجالات الحياة. ففي الهند المستعمرة على سبيل المثال، لم يكن هناك سوى قدر ضئيل جدًا من الاختلاط بين الوطنيين الهنود والموظفين البيض. كما نظر المستوطنون البيض في أستراليا، إلى السكان الأصليين على أنهم أدنى مرتبة. ومع أن معظم السياسات الاستعمارية كانت قد انتهت في أواسط القرن العشرين الميلادي، إلا أن آثارها على العالم مازالت باقية إلى اليوم.

وضع كثير من البِيض في الولايات المتحدة، منذ القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر الميلاديين، كثيراً من السّود تحت نير الاسترقاق الذي كان سبباً رئيسيًّا في قيام الحرْب الأهلية الأمريكية (1861 – 1865م). ومع أن تحْرير الرق تم خلال ستينيات القرن التاسع عشر الميلادي، فإن العزل الاجتماعي والتمييز العُنصري ظلا مستمرين ضد السود.

وقد سنت قوانين لمقاومة العنصرية والتأكيد على المساواة في الفرص في بعض المجتمعات المتعددة السلالات والجنسيات، منعت هذه القوانين التمييز على أساس اللّون والجنْس أوالقومية أو الأصل العرقي فيما يتعلق بمجالات توفير السّلع والخدمات والتوظيف والتعليم. كما منعت القوانين الجنائية التّحْريض على الكراهية العنصرية. أصدرت بريطانيا قوانين علاقات الأعراق في ستينيات القرن العشرين وذلك إثر قدوم أعداد من المهاجرين من جزر الكاريبي والهند والباكستان ثم بنغلادش خلال الخمسينيات والستّينيات. وفي هذا الصدد أسس قانون العلاقات العنصرية الصادر عام 1976م، لجنة مساواة الأعراق. وبدأت مجالس العلاقات داخل المجْتمع تعْمل على المستوى المحلي. كذلك أجازتْ حكومة الولايات المتحدة مجموعة من القوانين تستهدف إعطاء فرص متكافئة للزنوج وغيرهم من الجماعات التي تعيش في ظل ظروف غير مناسبة. وبالرغم من ذلك، ما زالت المشكلات العنصرية تمثل كارثة للولايات المتحدة الأمريكية.

وألغت جنوب إفريقيا سياسة الفصل العنصري في عام 1991م، وأقامت أول انتخابات رئاسية حرة في عام 1994م، فاز فيها نلسون مانديلا الذي أصبح أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا.

وتعتبر إبادة الجنس أعْظم الآثار المتطرفة المترتبة على الكراهية العُنْصُريّة. ولقد فعل ذلك الصرب حين أعلنت جمهورية البوسنة والهرسك استقلالها من جمهورية يوغوسلافيا السابقة فوجد أهالي البوسنة جميع أنواع الإبادة الجماعية والفردية بذريعة تطهير العرق، فقتل من جراء ذلك آلاف البوسنيين، وشرد كثيرون من وطنهم تحت سمع وبصر الاتحاد الأوروبي.

وقد مضى زمن طويل والفلسطينيون يرزحون تحت الغطرسة الصهيونية التي ترى أن جنسها هو الجنس المختار فقتلت وعذبت وصادرت وانتهكت الحرمات تحت سمع العالم وبصره. وتبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها التاريخي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري عام 1974م. وعملت الأمم المتحدة على تنظيم المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري. وقاطعت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل المؤتمر الأول (1978م)، والمؤتمر الثاني (1983م)، وانسحبتا من المؤتمر الثالث الذي عقد في مدينة ديربان بجنوب إفريقيا في سبتمبر 2001م. .

 

أنواع القانون الدولي وجرائم الحرب

القانون الدولي مجموعة القواعد والمبادئ العامة التي يتعين على الأمم مراعاتها في علاقاتها بعضها مع بعض. وتنشأ بعض القوانين الدولية نتيجة عُرْف يتكون بمرور السنين. ويرجع أصل بعضها الآخر إلى المبادئ القانونية العامة التي تقرها الأمم المتقدمة. كما توجد قوانين دولية أخرى يتم الاتفاق عليها في المعاهدات أو تنشئها الأحكام القضائية.

وقد بقي كثير من الأعراف التي تختص بالعلاقات الدولية لمئات السنين. من ذلك مثلاً، مادرج عليه قدماء الإغريق من حماية السفراء الأجانب من التعرض لسوء المعاملة، حتى في أوقات الحرب. وقد استمرت الأمم نحو ألفي سنة تمنح السفراء حماية مماثلة. وظلت المعاهدات أو العقود تبرم بين الدول لآلاف السنين. وكثير من تلك المعاهدات، كان يبرم لأغراض التجارة بين الدول، بينما بعضها الآخر يُبرم بغرض منح حقوق للمواطنين بشكل مُتبَادل، كمعاهدات تسليم المتهم الفار

أنواع القانون الدولي

تقسم قواعد القانون الدولي، عمومًا، إلى: قوانين السلم، وقوانين الحرب، وقوانين الحياد. ويعد السلم الحالة العادية للعلاقات بين الأمم.

 

قوانين السِّلْم. تحدد قوانين السلم حقوق الأمم وواجباتها بعضها تجاه بعض في زمن السلم. ولكل دولة الحق في البقاء، والمساواة القانونية، والاختصاص بإقليمها، وتملك الأموال، وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى. ويختص كثير من قوانين السّلم بموضوع الاعتراف بالدول أعضاء في الأسرة الدولية، والاعتراف بالحكومات الجديدة التي تنشأ في إطار أمم قديمة. ويتم الاعتراف بمعظم الحكومات على أساس القانون، بمعنى الاعتراف بها حكومات شرعية. ويجوز الاعتراف بحكومة ما، على أساس الواقع في ظل الأحوال المضطربة، بمعنى الاعتراف بها حكومة تسيطر فعليًا على البلاد، سواء استند ذلك إلى حق أو لم يستند. وتشمل القواعد الخاصة بالإقليم: حقوق الأجانب وواجباتهم، وحق المرور عبر المياه الإقليمية، وتسليم المتهمين الفارين والمجرمين.

قوانين الحرب. لايزال القانون التقليدي يعترف بالحرب. ويطلق على الدول المتقاتلة اسم المتحاربة. وتفرض قوانين الحرب قيودًا محددة على وسائل القتال. فعلى سبيل المثال، لايجوز قصف المدن غير المدافع عنها، وهي التي تسمى بالمدن المفتوحة. وعلى الغزاة ألا يستولوا على الممتلكات الخاصة دون تعويض. ولايجوز قتل الجنود المستسلمين أو الهجوم عليهم، وإنما يجب أن يعاملوا معاملة أسرى الحرب.

وجميع قوانين الحرب تتعرض للانتهاك بشكل متكرر. ففي زمن الحرب، تقاتل الأمم من أجل بقائها، وليس من الممكن، دائمًا، إلزامها بالتقيد بقواعد القانون. فكل أمة تعمل بكل طاقتها لتدمير عدوها، مستخدمة في ذلك ما تستطيع الحصول عليه من الأسلحة الفتاكة.

ومع ذلك، وحتى خلال الحرب، تُحترم كثير من القواعد الدولية. فخلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م) اتبعت كثيرٌ من الأمم المتحاربة القواعد الدولية الخاصة بمعاملة أسرى الحرب. فهناك ملايين من الأشخاص الذين كانوا أسرى حرب سابقين مازالوا أحياء إلى اليوم، لأن هذه القواعد كان يتم تطبيقها أكثر من انتهاكها.

 

قوانين الحياد. وفقًا للقانون الدولي، يُحظر على الدول المتحاربة تحريك قواتها عبر الأقاليم المحايدة. ولايجوز استخدام المياه الإقليمية والموانئ المحايدة في القتال البحري. ويتعين على السفن الحربية المقاتلة التي تدخل موانئ محايدة، أن تغادرها خلال أربع وعشرين ساعة وإلا جاز حجزها.

طالبت الأمم المحايدة، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، بكثير من الحقوق المتعلقة بسفنها في أعالي البحار. ولكن القوانين الخاصة بالمحايدين، شأنها في ذلك شأن القوانين الخاصة بالحرب، كثيرًا ما كانت تنتهك. فقد كانت الدول المحايدة تتعرض للغزو في كثير من الحروب، وتنتهك حقوق الحياد في أعالي البحار بصورة متكررة.

تنفيذ القانون الدولي

بعد أن تجيز السلطة التشريعية قانونًا لأمة أو دولة، تقوم الشرطة بتنفيذ القوانين. ويقدم الأشخاص الذين يخالفون هذه القوانين إلى القضاء لمحاكمتهم. غير أنه لا توجد سلطة تشريعية دولية تجيز القواعد التي يجب على جميع الأمم مراعاتها، كما لا توجد قوة شرطة دولية تجبر الدول على طاعة القانون الدولي. ونتيجة لذلك، يصعب في كثير من الأحيان، تنفيذ أحكام القانون الدولي.

 

رضاء الأمم. كثيرًا ما يصنّف القانون الدولي، بحسب عدد الدول التي أقرته، إلى ثلاث مجموعات من القوانين، هي: 1- القانون الدولي العالمي: ويشمل القواعد التي أقرتها جميع الأمم جزءًا من القانون الدولي. وتشمل هذه القواعد موضوعات مثل: قدسية المعاهدات، وسلامة السفراء الأجانب، واختصاص كل دولة بالمجال الجوي الذي يعلو إقليمها. 2ـ القانون الدولي العام: ويشمل القواعد التي أقرتها غالبية الدول، وعلى الأخص الدول القوية. ومن بين القوانين التي تدخل في هذا النوع، القاعدة التي تنص على أنه لكل دولة سيطرة على مياهها الإقليمية، وهي المسطح المائي الذي يمتد من شواطئها لمسافة 22كم باتجاه البحر. والتزمت كثير من الدول بهذه القاعدة، ولكن بعضها الآخر لم يلتزم بها. فالإكوادور وبيرو، مثلاً، طالبتا بمسافة 370كم حدًا لمياههما الإقليمية. 3ـ القانون الدولي المحدود: ويشمل الاتفاقيات التي تعقد بين دولتين، أو بين عدد قليل من الدول، كالاتفاقيات التجارية مثلاً.

الانتهاكات. انتهكت اليابان القانون الدولي في سنة 1941م بهجومها على ميناء بيرل هاربر دون إعلان سابق بالحرب. وخرقت ألمانيا القانون الدولي إبان الحرب العالمية الثانية، حينما قتلت حكومتها الملايين من الأوروبيين، وأجبرت عمالاً من دول أوروبية أخرى للعمل أرقاء في المصانع الحربية الألمانية. وانتهك الاتحاد السوفييتي (سابقًا) القانون الدولي برفضه إعادة كثير من أسرى الحرب نهائيًا إلى بلادهم بعد انقضاء فترة طويلة على نهاية الحرب العالمية الثانية. ورُفعت تقارير إلى الأمم المتحدة حول المعاملة الوحشية التي تلقاها كثيرون من أسرى الحرب التابعين للأمم المتحدة على أيدي الشيوعيين الصينيين والكوريين الشماليين خلال الحرب الكورية (1950-1953م)، والحرب الأهلية الباكستانية (1971م)، وحرب فيتنام (1957 – 1975م).

إن واقعة انتهاك القوانين لاتجرد هذه القوانين من صفتها كقوانين. ففي أحيان كثيرة تُنتهك قوانين المدن والدول والأمم، ولكن هذه القوانين تظل قوة فاعلة. فليس هناك دولة تنكر وجود القانون الدولي.

القضاء والتحكيم. أنشئت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي بهولندا سنة 1899م، باعتبار أن وسيلة التحكيم أفضل من وسيلة الحرب في تسوية المنازعات. وعمل أعضاء هذه المحكمة محكّمين وليسوا قضاة.

وأنشأت عصبة الأمم محكمة العدل الدولية الدائمة في سنة 1920م. واضطلعت الأمم المتحدة بأمر هذه المحكمة في سنة 1946م، وأطلقت عليها اسم محكمة العدل الدولية، وتصدر هذه المحكمة أحكامًا بشأن منازعات الحدود، وطائفة أخرى من مسائل القانون الدولي. ولايتطلب من الدول اللجوء إلى المحكمة، ولكن في حالة لجوئها إليها، يتعين عليها قبول قراراتها.

العقوبة. لاتوجد طريقة موحدة لتنفيذ القوانين الدولية. وتنص القوانين داخل الدول على الجزاءات التي تطبق على من يخالفها. غير أنه لا تملك دولة سلطة معاقبة الدول الأخرى، أو إجبارها على عرض مخالفاتها على محاكم التحكيم. فإذا رفض المعتدي اللجوء إلى التحكيم، فيجوز للدولة المتضررة أن تعتمد على نفسها في رد الاعتداء، الأمر الذي قد يعني، في بعض الحالات نشوب الحرب. ولكن، حين تكون الدولة المعتدية قوية والدولة المعتدى عليها ضعيفة، فإن مثل هذا الإجراء لايكون عمليًا. ولهذا، فإن معاهدات التحالف الدفاعي، كمعاهدة حلف شمال الأطلسي، توفر الحماية للدول الضعيفة في مثل هذه الحالات. وينص ميثاق الأمم المتحدة على جواز الدفاع الجماعي.

تُعد محاكمات الزعماء الألمان واليابانيين في نورمبرج وطوكيو في أعقاب الحرب العالمية الثانية، خطوة مهمة في مسار تطور القانون الدولي. فقد اتُهم بعض هؤلاء الزعماء، ليس فقط بخرق قوانين الحرب، وإنما كذلك بتسببهم في اندلاع الحرب نفسها. إن الفكرة القائلة بإمكان تنفيذ القوانين الدولية عن طريق معاقبة أولئك الذين يخالفون هذه القوانين، تمثل إضافة مهمة لنظرية القانون الدولي. ولقد أجرت لجنة الأمم المتحدة كثيرًا من الدراسات على القانون الدولي بقصد إيجاد وسائل متطورة في صياغة القانون الدولي و تنفيذه.

نبذة تاريخية

 

في الأيام الغابرة. كان القانون الدولي لآلاف السنين، يتكون فقط، من أعراف ومعاهدات مبرمة بين أمتين أو ثلاث أمم. وفي القرن السابع عشر، عبّر هوجو جروتيوس، (رجل دولة هولندي)، عن الفكرة التي تنادي بتقيّد جميع الأمم في تصرفاتها بقواعد دولية محددة. وبسبب هذه الفكرة، ولما قدمه من كتابات حول هذا الموضوع، كثيرًا ما أطلق على جروتيوس اسم أبي القانون الدولي.

خلال القرن التاسع عشر. عقدت مؤتمرات دولية لمحاولة وضع قواعد تتقيد بها الأمم في وقت الحرب. وانعقد أول مؤتمر مهم في جنيف سنة 1864م. وتمكن ذلك المؤتمر من إنشاءالصليب الأحمر الدولي، ووضع قواعد لمعاملة الجرحى معاملة إنسانية، ولحماية الذين يُعنى بهم من غير المقاتلين. وتعتبر معاهدة جنيف معاهدة مهمة، على الأقل من حيث إنها دلّت على إمكان تدوين تلك القواعد لكي تسير على هديها الأمم.

نتيجة للمؤتمرات الدولية التي انعقدت في لاهاي في 1899 و 1907م، جُمعت قوانين الحرب والسلم والحياد، وأدمجت في 14 معاهدة. واستوعبت تلك المعاهدات موضوعات مثل: حقوق المحايدين وواجباتهم في الحرب البرية والحرب البحرية، والتسوية السلمية للمنازعات الدولية. ووقعت 12دولة، فقط، على معاهدة جنيف الأولى. ولكن اجتمعت في مؤتمر السلام بلاهاي44 دولة سنة 1907م، وقّع معظمها على كثير من المعاهدات.

بعد الحرب العالمية الأولى. أمَّل كثير من الأشخاص في أن عصبة الأمم، التي أنشئت في سنة 1920م، قادرة على تنفيذ القانون الدولي، للحيلولة دون وقوع حرب عالمية ثانية. فوفقًا لعهد عصبة الأمم، لم يكن يُسمح للدول الأعضاء بدخول الحرب إلا بعد انقضاء مدة ثلاثة أشهر على قيام محكمة تحكيم أو مجلس العصبة بمحاولة لإنهاء النزاع. ولكن، بعد أن غزا اليابانيون منشوريا في سنة 1931م، لم يكن باستطاعة العصبة سوى إدانة ذلك الغزو باعتباره خرقًا للقانون الدولي. وبعد ذلك، انسحبت اليابان من العصبة، واستمرت في مهاجمتها للصين. وفي سنة 1935م، سارت إيطاليا على نهج اليابان، فغزت قواتها أثيوبيا.

وفي الفترة بين 1928 و 1934م، وقعت أكثر من 60 دولة على ميثاق كيلوج ـ برييان للسلام، الذي اتفقت فيه الدول الموقعة على عدم اللجوء إلى الحرب بغرض تحقيق غاياتها. غير أن الميثاق لم يفعل شيئًا لأسباب الحرب. وقاد فشل الميثاق إلى إيجاد قناعة لدى كثير من الناس بأنه ما من شيء يستطيع وقف الحروب، وأنه يمكن، فقط، تسخير القانون الدولي في محاولة لجعل الحرب أقل وحشية.

بعد الحرب العالمية الثانية. شُكلت الأمم المتحدة بوصفها منظمة تعمل على صيانة السلم. وأمل الكثيرون في أن تصبح الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الوقت المناسب، سلطة تشريعية عالمية بمقدورها سن القوانين الدولية. وكان في اعتقادهم أن الأمم المتحدة بإمكانها أن تستفيد من أخطاء عصبة الأمم، وأن توفَّق في ما أخفقت فيه العصبة. وكان من رأي معظم الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1945م، وجوب منح الأمم المتحدة سلطة تنفيذ قراراتها، بقوة السلاح إذا لزم الأمر. وقد منحمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سلطة تحديد ما إذا كانت هناك دول تهدد بأعمالها السلم العالمي، والتوصية عند ذلك بالتدبير الذي يتعين اتخاذه.

في سنة 1950م، أقامت الأمم المتحدة أول منظمة عالمية تستخدم القوة لوقف العدوان. فقد غزت قوات شيوعية من كوريا الشمالية جمهورية كوريا الجنوبية في يونيو سنة 1950م. ووافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على اتخاذ تدابير بوليسية، فأرسلت ست عشرة دولة من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة قوات مسلحة لمساندة كوريا الجنوبية. واضطلعت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بتقديم الجانب الأكبر من المقاتلين والإمدادات. وبعد أن تمكنت قوات الأمم المتحدة من صد الشيوعيين وإجبارهم على التراجع إلى كوريا الشمالية، تم التوقيع على إتفاق للهدنة في يوليو سنة 1953م.

واصلت الأمم المتحدة جهودها في حل النزاعات الناشبة في المناطق المضطربة، كالشرق الأدنى وجنوب شرقي آسيا، إلا أن دولاً كثيرة اتجهت إلى تفضيل التفاوض المباشر فيما بينها، بدلاً من إجراء المناقشات في الأمم المتحدة. ففي سنة 1969م، على سبيل المثال، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (سابقًا) محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية. وأفضت تلك المحادثات، في سنة 1972م، إلى إبرام اتفاقيات مهمة حدّت من الصواريخ النووية الدفاعية والهجومية لكل من الدولتين.

ساعدت مجهودات الأمم المتحدة، والمفاوضات المباشرة بين الدول في التقليل من خطر الحرب. غير أن الحكومات فشلت في إقامة نظام للقانون الدولي يحرِّم على الدول استخدام القوة في تحقيق غاياتها. فقد استخدمت دول كثيرة مثل هذه القوة. فمثلاً، بعث الاتحاد السوفييتي (سابقًا) بقوات إلى المجر في سنة 1956م، وإلى تشيكوسلوفاكيا (سابقًا) في سنة 1968م، لضمان بقاء الدولتين معًا في حظيرة الشيوعية. وإبان حرب فيتنام (1957 – 1975م)، قاتلت الولايات المتحدة في محاولة فاشلة لمنع الشيوعيين من السيطرة على فيتنام الجنوبية. وفي حرب الخليج الثانية (1991م)، تمكن تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة من طرد القوات العراقية من دولة الكويت، بعد اجتياح قوات النظام العراقي لتلك الدولة في سنة 1990م. واستندت العمليات العسكرية للتحالف إلى عدد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة

 

جرائم الحرب اصطلاح معناه خرق عسكري لأنظمة وقواعد الحرب، حيث يعني هذا التعريف منذ الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) أي جريمة أو فضيحة، أو اضطهادات ارتُكِبَتْ خلال الحرب.

ومنذ آلاف السنين، كانت هناك قواعد وأعراف كثيرة ومتنوعة تحكم حالة الحرب. ونشأت هذه الأعراف وتطورت من قيم ومبادئ الفروسية والدبلوماسية، إضافة إلى الرغبة في الحد من هول وتدمير الحروب، وقد تمت محاكمة المتهمين بالإخلال بهذه الأنظمة على مر السنين.

ومنذ القرن التاسع عشر، وقَّعت معظم الدول على معاهدات دولية للتقيُّد بقواعد الحرب. ومن هذه القواعد مايتعلق بمعاملة السجناء، ومنع استخدام الغازات والجراثيم، والمعاملة الإنسانية للمدنيين في المناطق المحتلة من قبل القوات الغازية.

الحرب العالمية الأولى. بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) اشترطت معاهدة فرساي على الألمان تسليم مايقرب من 900 شخص للمحاكمة كمجرمي حرب من قبل الحلفاء. وبدلاً من ذلك أقام الألمان محاكم خاصة بهم، وتمت محاكمة 13 شخصًا، بينما صدرت أحكام خفيفة ضد القليل منهم.

الحرب العالمية الثانية. أنشأ الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية عام 1943م هيئة لمجرمي الحرب تحت رعاية الأمم المتحدة والتي كان مقرها لندن. وقد قامت الهيئة بتجميع الأدلة ووضع قائمة بأسماء المجرمين. وبعد الحرب، كانت أهم محاكمة لمجرمي الحرب تلك التي كانت في نورمبرج بألمانيا، وفي طوكيو باليابان. وقد اتُّهِمَ المدَّعَى عليهم بالبدء بحروب التوسع ومخالفة قواعد الحرب. انظر:  محاكمات نورمبرج.

أقام الحلفاء محاكمات لمجرمي الحرب خلال الفترة (1945-1950م) فى أوروبا والشرق الأقصى. وقامت الدول المحتلة من قبل القوات الألمانية واليابانية بمحاكمة ضباط ومسؤولي الاحتلال. وقد قامت ألمانيا الغربية أيضًا بمحاكمة عدد من الألمان المتهمين بجرائم حرب خلال الحرب العالمية الثانية. وقد استمرت مثل تلك المحاكمات إلى الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي.

الحرب الكورية. اتهمت الولايات المتحدة كلاً من الصين وكوريا الشمالية بجرائم حرب، ضد قوات الأمم المتحدة وسكان كوريا الجنوبية المدنيين، وذلك خلال الحرب الكورية (1950-1953م). وقد عبرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة عن اهتمامها الجديّ بمثل هذه الاتهامات، إلا أن الحرب انتهت بدون أي محاكمات لمجرمي الحرب.

الحرب الفيتنامية. مع بداية عام 1965م، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإرسال قواتها إلى فيتنام لمساعدة فيتنام الجنوبية ضد مقاتلي الفيت كونج الشيوعيين وضد فيتنام الشمالية. وعندما ازدادت حدة القتال؛ اتهم كل من الأطراف المتصارعة الآخر بانتهاك قواعد الحرب، حيث قامت الولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية، باتهام فيتنام الشمالية بخرق معاهدة جنيف التي تدعو إلى المعاملة الإنسانية لسجناء الحرب والجنود المصابين، والمدنيين. انظر:  جنيف، معاهدات.

وفي عام 1969م، أُشِيَع بأن القوات الأمريكية قامت بمذبحة لمئات المدنيين في قرية ماي لي في مارس 1968م. ونتيجة لذلك قامت الحكومة الأمريكية بإنشاء محاكم عسكرية لمحاكمة عدد من الضباط والأفراد في جرائم حرب ارتكبوها. وقد أُدين الملازم وليم كالي الابن حيث وجد مذنبًا لارتكابه جريمة قتل وحكم عليه بالسجن.

الحروب العربية الإسرائيلية. مارست إسرائيل ومازالت منذ احتلالها فلسطين العربية عام 1948م جرائم حرب أثناء الحروب التي شنتها على الدول العربية والفلسطينيين بصفة خاصة. وقد قامت إسرائيل، وماتزال بتعذيب السجناء الفلسطينيين بشتى أنواع التعذيب والتنكيل. وطالبت بعض منظمات حقوق الإنسان في العالم بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن.

الحرب في البوسنة والهرسك. مارس الصرب في أوائل التسعينيات من القرن العشرين أفظع الجرائم التي عرفتها الإنسانية بحق المسلمين (أسرى الحرب والمدنيين) في البوسنة والهرسك. وقد شكلت الأمم المتحدة (مايو 1993م) لجنة لمحاكمة المسؤولين من الصرب عن تلك الجرائم والفظائع وبدأت المحاكمات في عام 1996م. وفي 14 يوليو 1997م، حكمت محكمة الأمم المتحدة المختصة بجرائم الحرب في البوسنة في لاهاي بمعاقبة دوسكوتا ديتشي بالسجن لمدة عشرين عامًا لارتكابه جرائم حرب وضلوعه في عمليات اضطهاد منتظمة في حق المدنيين المسلمين في شمالي البوسنة. ثم مثل أمام المحكمة في نفس الشهر مباركوفاسيفيتش الحاكم السابق لمدينة بربيدورا لمحاكمته بتهم مماثلة. وفي يوليو 2001م، سلمت الحكومة الصربية رئيس البلاد السابق سلوبودان ميلوشيفيتش للمحكمة بلاهاي لارتكابه جرائم حرب ضد سكان البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو إبان فترة حكمه.

الأمم المتحدة وجرائم الحرب. واجهت محاكم جرائم الحرب بعد الحرب العالمية الثانية انتقاد بعض العلماء والقادة السياسيين الذين اعتقدوا أن القانون الدولي لم ينص أصلاً على تلك المحاكمات. وقد أسست الأمم المتحدة في عام 1947م هيئة للقانون الدولي لوضع نظام للقوانين الدولية، منها تلك التي تختص بجرائم الحرب. وقد أعدت الهيئة مجموعة قوانين سميتمسودة وثيقة مخالفات ضد السلام والأمان الإنساني، إلا أن الأمم المتحدة لم تتبن مجموعة القوانين هذه بعد. وفي تسعينيات القرن العشرين بدأت الأمم المتحدة في محاكمة الذين اتهموا باقتراف جرائم الحرب في رواندا ودول يوغوسلافيا السابقة قبل تفككها في عام 1991م.

وفي عام 1998م، أجازت الأمم المتحدة اتفاقية إنشاء محكمة جرائم الحرب الدولية الدائمة للنظر في جرائم الحرب وغيرها. أصبحت الاتفاقية نافذة في عام 2002م بعد أن وقع عليها 139 بلداً و73 قاضياً ورجل قانون دولي.

ImageShack, free image hosting, free video hosting, image hosting, video hosting, photo image hosting site, video hosting site

محاكمات نورمبرج ثلاث عشرة محاكمة عُقدت لمقاضاة قادة ألمانيا لأعمالهم العدوانية أثناء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م). أجريت المحاكمات من عام 1945م إلى عام 1949م في نورمبرج، بألمانيا، حيث كان الحزب النازي ينظم اجتماعاته بقيادة أدولف هتلر الذي حكم ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية.

وفي المحاكمات، واجه القادة النازيون تُهَمًا بارتكاب أعمال وحشية، وجرائم حرب.

ومحاكمات نورمبرج، أولى محاكمات جرائم حرب يجريها المنتصرون في العصر الحديث. ولقد نظمتها الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي (سابقًا) وبريطانيا وفرنسا.

المحاكمات. وُجه الاتهام للقادة النازيين في ثلاثة أمور رئيسية: 1- الجرائم ضد السلام 2- جرائم الحرب 3- الجرائم ضد الإنسانية. وشملت الجرائم ضد السلام، شن الحرب، وقتل أسرى الحرب والمدنيين، والتدمير المفرط للأرض والمدن، أما الجرائم ضد الإنسانية فتشير إلى ثلاث مخالفات أساسية: 1- تهجير المدنيين واستخدامهم في أعمال السُخْرة 2- إجراء تجارب طبية لا إنسانية. 3- اضطهاد وقتل الناس لآرائهم السياسية أو بسبب العِرْق أو الديانة.

قامت الدول المنظمة للمحاكمات بعقد أول محاكمة تُدعى المحكمة العسكرية الدولية. واستمرت هذه المحاكمة من نوفمبر 1945م إلى أكتوبر 1946م. وكان لها ثمانية قضاة، اثنان من كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي (سابقًا). وتمت محاكمة عشرين شخصًا، منهم مستشارو الحزب النازي الكبار والدبلوماسيون، مثل، هيرمان جورينج، وألبرت سبير، ورودولف هس، وجواشيم فون ريبنتروب، ومارتن بورمان. ومن القادة العسكريين الذين تم اتهامهم الأدميرال كارل دونيتز، والكولونيل ألفرد جودل، أما هتلر واثنان من مساعديه الرئيسيين، وهما جوزيف جوبلز وهينريتش هيملر، فقد انتحروا، أو قتلوا برغبتهم قبل المحاكمات

أدان القضاة 19 من المتهمين. اثنا عشر منهم، بمن فيهم بورمان وجورينج، وفون ريبنتروب وجودل حُكم عليهم بالإعدام. وشُنق عشرة من هؤلاء في 16 أكتوبر 1946م. أما جورينج، فقد انتحر قبل ذلك بساعات. وبالنسبة لبورمان، فإن مكان وجوده لم يكن معروفًا في ذلك الوقت، وقد حوكم غيابيًا. أما هس، ودونيتز، وخمسة آخرون فقد حُكم عليهم بالسجن لفترات تتراوح بين عشر سنوات ومدى الحياة.

جرت اثنتا عشرة محاكمة أخرى في نورمبرج من عام 1946 إلى 1949م. وقد عقدت تلك المحاكمات بوساطة قضاة من الولايات المتحدة. وعقدت محاكمة شملت 185 متهمًا، من بينهم مسؤولو الحزب النازي، والقضاة وكبار رجال الأعمال، والأطباء. وقد أُرْسِل أكثر من نصفهم إلى السجن، وحُكم على بعضهم بالإعدام، ووجد أن بعضهم غير مذنب.

أكدت محاكمات نورمبرج، أن الجنود، والمواطنين عليهم واجب أخلاقي، وهو عدم إطاعة الأوامر أو القوانين غير الإنسانية

ImageShack, free image hosting, free video hosting, image hosting, video hosting, photo image hosting site, video hosting site

 

الإبادة الجماعية تعبير يُقصد به قيام جماعات منظّمة ـ عادةً ما تكون حكومات وليست أفرادًا ـ بإبادة طائفة أو جماعة ما.

وعلى مرّ التاريخ، كانت هناك مضايقات وأعمال وحشية يُمكن وصفُها بعمليات إبادة جماعية. ومن أمثلة ذلك مذابح دير ياسين وبئر السبع التي قامت بها عصابات الهاغانا الصهيونية بقيادة مناحيم بيجن ضد الشعب الفلسطيني عام 1947م. وكذلك ما مارسه الألمان في أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 -1945م)، فقتلوا عددا من أعدائهم، وما يفعله الصهاينة في إسرائيل بالفلسطينيين من خلال المذابح الجماعية و منها مذبحة الحرم الإبراهيمي التي وقعت إبان شهر رمضان عام 1414هـ (فبراير 1994م)، وما فعله الصِّرب بمسلمي البوسنة والهرسك في الحرب التي استمرت حتى عام 1995م.

صاغت الأمم المتحدة معاهدة في عام 1948م، اعتبرت الإبادة الجماعية لطائفة أو جماعة جريمة.


الفن والحضاره فى الاسلام

الفنون الإسلامية لها منزلة رفيعة بين المسلمين، لأنها وثيقة بهم على اختلاف أقطارهم وطبقاتهم الاجتماعية. وأهم ما يميز الفنون الإسلامية جمال الخط العربي، وحب المجتمع المسلم وتقديره له. فقد كان فن الكتابة الخطية أنبل الفنون جميعها؛ لأنه يستمد نُبله من نقل كلمات القرآن الكريم. وقد احتفظ رسم الخط العربي عبر القرون بأعلى المستويات الجمالية والفنية، وظل مطلبًا للمسلمين يمارسونه في كل المناطق والعصور الإسلامية. وتحتل العمارة مكانة رئيسية في الفنون الإسلامية لما كان لها من دور رئيسي في إنشاء المساجد. وترتبط العمارة بمجموعة من الفنون يطلق عليها فنون الزخرفة، تميزت بطابع إسلامي خاص مثل نحت الحجر والرسم على الخشب والفسيفساء ونقش الجدران.


الفنون الإسلامية لها مكانة رفيعة عبر كل فترات التاريخ الإسلامي استمدتها من نقل القرآن الكريم والاعتناء ببيوت الله. فمسجد الرسول ص في المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية (أعلى اليمين) مثال للمسجد ذي الصحن المكشوف، ويشتهر مسجد الشاه في أصفهان بإيران (إلى اليمين) بزخارفه الجميلة التي تزين واجهته. وتبرز النجفة المستديرة التي تتدلى من قبة مسجد الملك خالد بالرياض في السعودية (أعلى اليسار) والنجفة الضخمة التي تتدلى من أحد المساجد في جدة بالسعودية (إلى اليسار) فنون الزخرفة المميزة للبناء الداخلي للمساجد.

نماذج الفنون الإسلامية

لعمارة والزخرفة المعمارية. تحوي العمارة الإسلامية كثيرًا من الموضوعات السائدة التي يوجد فيها أكمل تعبير فني. وللعمارة الإسلامية وحدتها وتقاليدها التي تتجلى في عمارة المساجد. وتعد المساجد ذات أهمية خاصة من الناحية الفنية؛ لما تتضمنه من نماذج فنية متعددة تشمل الخطوط والزخرفة في واجهة السطوح من الداخل والمحاريب (أماكن القبلة)، والأثاث الخشبي مثل المنبر، والزجاجي مثل المصابيح والثريات. وتوجد نماذج متنوعة للمساجد منها المسجد ذو الصحن المكشوف، والمسجد ذو الأربعة إيوانات، والمسجد المقبب.

المسجد ذو الصحن المكشوف. من أمثلة هذا النموذج مسجد الرسول ³ في المدينة المنورة. فهو ساحة مربعة الشكل، محاطة بجدران، وفي الوسط صحن مكشوف، محاط بمنطقة لها سقف يرتكز على عمدان. ومن أمثلة هذا النموذج أيضًا الجامع الأموي بدمشق، وفيه أول مآذن شيدت في الإسلام، وجامع القيروان الكبير بتونس، ومئذنته على هيئة برج قاعدته مربعة الشكل، وجامع ابن طولون في مصر، وله مئذنتان حلزونيتان، وواجهته مزخرفة بنقوش هندسية ورسومات نباتية، وجامع قرطبة في أسبانيا الذي يعتبر أروع الجوامع ذات الصحن المكشوف، وبه أروقة ذات طابقين.

المسجد ذو الأربعة إيوانات من نماذجه المسجد الجامع الأصفهاني، الذي يعد أكبر مثل لهذا النموذج. ومسجد الشاه بأصفهان وهو قمة في الهندسة المعمارية، ويتميز إيوان القبلة فيه باتساع كبير، وفي مدخل المسجد مئذنتان طويلتان أقل ارتفاعًا من مآذن رواق الصلاة. ويشتهر هذا المسجد بزخارفه الجميلة في الداخل وعلى الواجهة.

المسجد المقبب من نماذجه مسجد علاء الدين قايقوباد، ويحتوي على ثلاث قباب فوق ثلاثة ممرات في رواق القبلة. ومسجد السليمية بأدرنه ويتميز بقبة كبيرة متسعة جدًا، وترتكز على ثماني أكتاف قريبة جدًا من الجدار، وله نوافذ كثيرة في الجدران.

 

 

 

الخط العربي وزخرفة المخطوطات. عُني المسلمون بفن الكتابة العربية؛ لأنها تعطي شكلاً مرئيًا لكلمات القرآن، كما يعتبر الخط العربي فنًّا يشارك فيه كل المسلمين. ويوجد أسلوبان رئيسيان للخط العربي: الخط الكوفي، وخط النسخ.

الخط الكوفي يتميز بالحروف المستقيمة ذات الزوايا الحادة. وقد سُمي الكوفي نسبة إلى مدينة الكوفة بالعراق، وظل مستعملاً في شتى الأغراض الكتابية، وفي كتابة القرآن الكريم مدة خمسة قرون. وأقدم الأمثلة المعروفة من هذا الخط من القرآن نسخة مُؤَرَّخةٌ في سنة 167هـ محفوظة في دار الكتب المصرية. وجرت العادة بزخرفة عناوين السور زخرفة بديعة، وحصر أسمائها داخل إطار مستطيل يتفرع منه شكل شجرة محوَّرة، وتحلية بعض الصفحات بالزخارف المتشابكة، مع أشكال الأوراق النباتية والمراوح النخلية. وقد انبثق عن الخط الكوفي عدة أنواع تستعمل أساساً في الزخرفة المعمارية، مثل الكوفي القائم الزوايا والمركب في وحدات مثل القرميد والكوفي الذي يأخذ شكل زينة الأزهار الذي نجده في فن الكتب، خاصة في عناوين الصفحات، وكذلك الكوفي المتشابك العمدان.

خط النسخ يتميز بأشكاله المتغيرة. وقد حل محل الخط الكوفي في كتابة القرآن تدريجيًا. وبلغ خط النسخ غاية نموه في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري. وتفرع من خط النسخ عدد من الخطوط مثل الخط المستدير وخط الطومار وهو نوع غليظ. وتوجد نسخة فريدة من القرآن جمعت بين خط النسخ وزخارف التوريق والخط الكوفي.

 

زخرفة تجليدات الكتب. عمل المجلدون المسلمون على زخرفة تجليدات القرآن الكريم بالتصميمات الهندسية والزهرية البديعة، ووصلوا إلى مستوى رفيع في فن زخرفة وطلاء تجليدات الكتب. ولم تقتصر الزخرفة على الغلاف الخارجي، ولكنها امتدت إلى باطن الغلاف. وظل الجلد المادة المثالية لتجليد الكتب. وقد استخدم بعد ذلك الورق المضغوط إضافة إلى الجلد، واستخدمت طرق مختلفة في زخرفة جلود الكتب، من ذلك أن يضغط على الجلد أو يختم بالذهب أو بدونه. واستخدمت الزخرفة بالقص واللصق من الجلد أو الورق المذهب على الأرضية الملونة في زخرفة جلدة الكتاب من الداخل.

النحت على الحجر والجص. يظهر فن النحت الإسلامي على الحجر والجص في زخارف القصور والمساجد القديمة، حيث تنحت الزخارف نحتا قليل البروز، وتتكون بصفة عامة من تفريعات متموجة، قوامها أنصاف المراوح في شكل عدة فصوص محززة أو محفورة وذات شكل دائري في الغالب. أما الفصوص السفلى منها فتكاد تكون حلزونية لشدة التوائها. كما تتكون الزخارف من تفريعات العنب ومخاريط الصنوبر وأشكال الزهريات داخل تقسيمات هندسية وجامات (آنية) سداسية الفصوص. ويتم عمل هذه الزخارف باتباع طريقة النحت المائل أو المشطوف، وفيه تنحت المكونات الزخرفية نحتًا مائلاً، وتتقابل حوافها مع بعضها في شكل زوايا منفرجة. ويتضمَّن النحت زخارف كتابية فوق أرضية رقيقة من الأرابيسك على شكل قاعدة مُرَيَّشَة. ومن أمثلة زخارف النحت على الحجر زخارف مسجد ابن طولون بالقاهرة.

الحفر على الخشب. يظهر فن الحفر الإسلامي على الخشب في منابر المساجد القديمة. فقد يتكون المنبر من حشوات مقسمة إلى مناطق مستطيلة تزينها الزخارف الهندسية المتشابكة أو النباتات المجردة أو تفريعات من ورق العنب. وقد تتكون الزخارف من فروع العنب تحمل أوراقا نباتية وأكواز صنوبر بدلا من عناقيد العنب. وقد ينتهي بعض أكواز الصنوبر بأشكال من أنصاف المراوح النخلية تغطيها أوراق نباتية. ومن أحسن أمثلة الخشب المحفور منبر جامع القيروان في تونس. وتستخدم طريقة الحفر المائل أو المشطوف، المستخدمة في النحت على الجص، في حفر الخشب أيضا.

زخرفة النسيج. تميز المسلمون بزخرفة النسيج وابتكروا أساليبهم الخاصة بهم. ومن هذه الأساليب طريقة التطريز أو أشغال الإبرة، حيث يكون العمل بالإبرة والخيط على سطح المادة. وتستخدم الخيوط الذهبية لعمل تطريزات مُذَهَّبة. وفي النسيج الإسلامي الجيد، لا يضاف النموذج إلى القماش بالإبرة بعد النسج، بل إنه يدمج في النسيج بوساطة النسّاج أثناء عملية النسج ذاتها. ومن نماذج زخرفة النسيج الشائعة نموذج القوس أو الأقواس الذي يستخدم غالبًا في سجادات الصلاة وعمل أغطية أرضية مزخرفة.

زخرفة النسيج. تميز المسلمون بزخرفة النسيج وابتكروا أساليبهم الخاصة بهم. ومن هذه الأساليب طريقة التطريز أو أشغال الإبرة، حيث يكون العمل بالإبرة والخيط على سطح المادة. وتستخدم الخيوط الذهبية لعمل تطريزات مُذَهَّبة. وفي النسيج الإسلامي الجيد، لا يضاف النموذج إلى القماش بالإبرة بعد النسج، بل إنه يدمج في النسيج بوساطة النسّاج أثناء عملية النسج ذاتها. ومن نماذج زخرفة النسيج الشائعة نموذج القوس أو الأقواس الذي يستخدم غالبًا في سجادات الصلاة وعمل أغطية أرضية مزخرفة.

 

ةو-4

 

 

التمثيل النسبى

انتخابات

صندوق الأقتراع

الانتخابات هي عملية صنع القرار، والتي يقوم بها الشعب باختيار فرد منهم لمنصب رسمى. هذه هي الطريقة المعتادة التي تتبعها الديمقراطية الحديثة لملء المقاعد في المجلس التشريعي، وأحيانا في السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، والحكم المحلي والإقليمي. كما تستخدمهذه العملية أيضا في كثير من الأماكن في القطاع الخاص ومنظمات الأعمال من النوادي والجمعيات الطوعية والشركات.

ان الاستخدام العالمى للانتخابات كوسيلة لاختيار ممثلين في الديمقراطيات الحديثة هي على النقيض من الممارسة الديمقراطية في النموذج الأصلي، أثينا القديمة حيث تعتبر الانتخابات أوليغاركي.حيث كانت تملأ فيه معظم المؤسسات والمكاتب السياسية باستخدام التخصيص، الذي تم اختيار شاغلي المناصب فيه عن طريق القرعة.

الإصلاح الانتخابي وهو يصف عملية إدخال النظم الانتخابية النزيهة أو تحسين فعالية النظم القائمة أو نزاهتها.

خصائص الانتخابات

مسألة من يحق له التصويت هي قضية محورية في الانتخابات. فليس جميع السكان لهم حق الانتخاب، فعلى سبيل المثال، هناك العديد من البلدان التي تحظر التصويت علي العاجز عقليا وجميع الهيئات القضائية تتطلب الحد الأدنى لسن التصويت.

لا يجوزالاقتراع عادة إلا لمواطني البلد. وأحيانا ما يتم وضع قيود أخرى. فعلى سبيل المثال، في الكويت، لا يسمح إلا للأشخاص الذين كانوا مواطنين منذ عام 1920 أو أحفادهم فقط بالتصويت. ومع ذلك، في الاتحاد الأوروبي، يمكن للمرء التصويت في الانتخابات البلدية إذا كان الشخص مواطنافي الاتحاد الأوروبي ويقيم في البلدية.

أهم مقوّمات العملية الانتخابية

تشمل أهم مقوِّمات العملية الانتخابية: الإطار التشريعي المنظِّم للانتخابات، ونوع النظام الانتخابي، وحقّ الاقتراع، وسجلّ الناخبين، والقواعد المنظِّمة للأحزاب والمرشَّحين والحملات والعمليات الانتخابية.[1]

المراجع

 

التمثيل النسبي نظام تمارسه الدول التي تنتهج الأشكال الديمقراطية الغربية لانتخاب أعضاء لمجلس تشريعي. والقصد منه أن ينال كل حزب سياسي نصيبًا من مقاعد الهيئة التشريعية يتناسب مع ما ناله من مجمل الأصوات التى أدلى بها في الانتخابات. وهو يتيح أيضًا فرصًا لمرشحي أحزاب الأقلية في الانتخابات للحصول على مقاعد في المجلس. للتمثيل النسبي ثلاث مزايا أساسية: 1- يتم اختيار ثلاثة أعضاء في الهيئة التشريعية أو أكثر من كل منطقة في الوقت نفسه. 2- تحسب أوراق الاقتراع بطريقة خاصة لإعطاء كل حزب سياسي نصيبه من التصويت. 3- وجود أكثرمن حزبين نشيطين. وهذه العوامل معمول بها في كل من نظام القائمة ونظام هير.

نظام القائمة. يقدم كل حزب سياسي قائمة بمرشحيه لعضوية الهيئة التشريعية، ويرمز الناخبون على ورقة الاقتراع إلى الحزب الذي يختارونه، وليس إلى أفراد المرشحين. فإذا كسب حزب 40%، ينال 40% من عدد مقاعد الهيئة التشريعية. وفي حملة لملء 100 مقعد يتم انتخاب الأربعين مرشحًا الأوائل في قائمة مرشحي الحزب. وإذا كسب حزب آخر 20% من الأصوات، يكسب المرشحون العشرون الأوائل في قائمة المرشحين مقاعد في الهيئة التشريعية. من بين الدول التي تستخدم هذا النظام هولندا وبلجيكا.

نظام هير كلارك. أو التصويت الواحد القابل للتحويل. وهو نظام أكثر تعقيدًا. يعطي الناخبون المرشحين المدرجين على ورقة الاقتراع أرقامًا حسب ترتيب اختيارهم لهم. وبعد تعداد العدد الكلي لأوراق الاقتراع، يضع المسؤولون عن الانتخابات ـ بطريقة رياضية ـ الحصة الانتخابية أو الحد الأدنى من الأصوات للفوز. فالمرشح الذي يحصل على الحصة التي تؤهله للخيارات الأولى يعلن فوزه. ثم توزع كل الاقتراعات التي حصل عليها هذا المرشح زيادة على الحصة، على المرشحين الذين اختارهم الناخبون في المرتبة الثانية، بعد استبعاد المرشح الذي حصل على أدنى عدد من الاقتراعات التي حصل عليها هذا المرشح على المرشحين المدرجين في المرتبة الثانية. وإذا كان مرشح الرتبة الثانية قد تم انتخابه، يحول الاقتراع إلى المرتبة الثالثة، وهكذا دواليك. تستمر هذه العملية حتى يحصل عدد كاف من المرشحين على الحصة الانتخابية لملء كل المقاعد. فكّر في هذا النظام المحامي الإنجليزي توماس هير عام 1859م وتعمل به جمهورية أيرلندا منذ 1920م.

مشكلات التمثيل النسبي

التمثيل النسبي يخلق ديمقراطيات فاشلة

لم تحقق معظم الديمقراطيات في العالم الثالث رخاء كبيرًا. ومن هذه الديمقراطيات ما يتسم بالفساد والفشل والفوضى والعجز عن السيطرة على الجريمة أو أداء أبسط وظائف المجتمع المدني.

ومع قيام واشنطن بوضع دستور للعراق وبالضغط على الحكام العرب من أجل إجراء الإصلاحات يصبح حريًا بنا أن نحلل الأسباب التي تجعل بعض الديمقراطيات تعمل بصورة أفضل من البعض الآخر.

إن قواعد التنمية الاقتصادية والحكم الفعال ثابتة ومعروفة تمامًا؛ إلا أن أسباب إحجام العديد من المجتمعات عن تنفيذها غير مفهومة. ويعزى الفشل في ذلك غالبًا إلى ثقافاتهم أو إلى الفساد، لكن البلاء العام يكمن في بناها السياسية، فكلها تقريبًا تقوم على التمثيل النسبي.

ولكي تدرك معنى التمثيل النسبي عليك أن تتخيل أن الكونجرس يتألف من أربعة أحزاب أحدها للديمقراطيين وآخر للجمهوريين وثالث لليمين القديم المحافظ والرابع للخضر، وأن كلاً من الأخيرين له خمسة بالمئة من مقاعده. تخيل أيضًا أن كل حزب يديره شيوخ أمضوا عقودًا طويلة في أماكنهم ومنهم مثلاً السيناتور ببرد وبوب دول.  لن يكون ثم فكر جديد، والخلافات السياسية المستحكمة ستحسمها الأصوات المتأرجحة – اليمين القديم والخضر.  وهذا النوع من نظم الحكم ابتليت به أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وبعدد أكبر من الأحزاب أيضًا.  وأي حزب يتمكن من تحقيق خمسة بالمئة من الأصوات على الأقل يصبح ممثلاً في الكونجرس.

ويزيد الأمر سوءًا بتقدم كل حزب للترشح على المستوى القومي حيث تحدد مرشحيه قوائم تسيطر عليها آليات كل حزب – وهى عادةً من رجال الحرس القديم من أصحاب المحسوبية والضغائن.  فيضع هؤلاء العجائز أسماءهم على قمة القائمة بينما يأتي الأصغر سنًا في ذيلها لو وافق رؤساؤهم على وجودهم أصلاً.  وإذا فاز الحزب بأربعين مقعدًا بالكونجرس يقع الاختيار على الأسماء الأربعين الأولى بالقائمة.  وهو نظام يحبذه الساسة القدامى، فهم لا يفقدون مقاعدهم إلا فيما ندر.  والإصلاحيون أيضًا – وهم يعتبرون مثيرين للمتاعب في الغالب – يمكن إقصاؤهم بمجرد استبعادهم من القوائم أو وضعهم في ذيلها.  ويتوطن الفساد ويحظى بالحماية حيث لا يتمكن الناخبون من استبعاد مرشح فرد.  وطالما فاز الحزب بخمسة بالمئة من الأصوات فإن عجائزه المتربعين على قمة القائمة ستكون لهم دائمًا مقاعد في الكونجرس ويحددون من يوضع أسماؤهم معهم بالقوائم.  وفى نظم الحكم النيابي يتلو ذلك تصويت الائتلاف الفائز لأحد أكبر زعمائهم سنًا ليتولى رئاسة الوزراء.

أما في النظامين الأمريكي والإنجليزي فيمثل كل عضو بالهيئة التشريعية منطقة جغرافية محددة، ويمكن التصويت له في الانتخابات التالية ويمكن لمرشحين جدد أن ينافسوا أحد أصحاب المناصب الرفيعة. وفى نظام التمثيل النسبي نجد أن من يمثلون الشعب كله أو قطاعات عريضة منه يمثلون الكل ولا يمثلون أحدًا. فيمكنهم أن يتحدثوا في عموميات ونادرًا ما يساءلون عن عدد معين من الأصوات أو عن سياسات بعينها أو دوائر انتخابية.

وتعد فنزويلا مثالاً واضحًا في هذا الصدد، وتعتبر نموذجًا للنظم في أمريكا اللاتينية. فمن سبعينيات القرن العشرين وحتى التسعينيات نجد أن كارلوس أندريس بيريس ورافائيل كالديرا فاز كل منهما برئاسة الجمهورية مرتين حيث لم يكن للناخبين أي اختيار آخر؛ فرفض أحدهما معناه فوز الآخر.  وفى غمار يأسهم للخلاص من رجل الدولة الفاسد غير الكفء ومن الأحزاب الجامدة القديمة صوتوا لصالح المنظر اليساري والرئيس الحالي هوجو شافيز. يصف فلاديمير شيلمينسكى المدير السابق للغرفة التجارية الفنزويلية الوضع في مقال بصحيفة وول ستريت جورنال بقوله:

ظل مستوى المعيشة في تدهور طوال عقود. ولم تكن العملية الديمقراطية تعمل إلا لمصلحة الساسة وأعوانهم.  والحزبان اللذان تداولا السلطة منذ 1958 – الديمقراطيون الاجتماعيون والمسيحيون الاجتماعيون لم يختلفا كثيرًا في ذلك، إذ آثر كلاهما النهج الاشتراكي والحرية السياسية.  كانت سياساتهما تتملق الفقراء ولكنها كانت تنتهي بالفشل دائمًا.  ولم يكن للملكية الخاصة والعقود الخاصة مكان في قوانينهما.  وكان ثلثا العمال المستعدون للعمل لا يجدون عملاً في الاقتصاد الرسمي“.

وتمثل حكومة إسرائيل نموذجًا آخر للتمثيل النسبي على المستوى القومي. فبإمكان أي حزب أن يفوز بمقاعد في الكنيست إذا فاز بما لا يزيد عن 1,5 بالمئة من أصوات الناخبين على المستوى القومي، أي بعدد 55000 صوت.  والنظام بها يعطى قوة كبيرة للأحزاب الدينية وهى أقلية محدودة لا تفوز بأكثر من 20 بالمئة من الأصوات.  وباعتبارها المعسكر المتأرجح الذي يمكن أن يتحالف مع حزب العمال أو مع الليكود لتشكيل حكومة فله سلطة سياسية كبيرة تصل إلى حد إعفائهم من الخدمة العسكرية، وكثير منهم لا يعملون ولا يدفعون ضرائب.

وقليل من الدول تعمل بها نظم التمثيل النسبي بشكل جيد، كسكاندانيفيا ومؤخرا سلوفاكيا مثلاً. إلا أن هذه الدول إما أنها متجانسة إثنيا وصغيرة للحد التي يمكّن الحكومة فيها من التفاعل محليا أو أنها حديثة العهد بالديمقراطية حيث لم يضمرالبرلمان فيها بعد ولم يصب بعد بالشلل الذي أصاب حكومات التمثيل النسبي الأقدم.  كما أنهما تتميزان بالتجانس الإثنى.  ويلاحظ في الوقت نفسه أن ديمقراطيات شرق آسيا الناجحة (والهند) لا تعتمد نظام التمثيل النسبي ولو أن بعضها يعتمد نظامًا مختلطًا حيث يتم انتخاب نسبة 10 إلى 20 بالمئة من أعضاء المجالس التشريعية بنظام التمثيل النسبي. فالبرلمان الروسي (الدوما) يتم انتخاب 50 بالمئة من أعضائه بنظام التمثيل النسبي، والمكسيك 40 بالمئة. وتعد شيلي من دول أمريكا اللاتينية القلائل التي لا تعتمد هذا النظام.

تحدثت روث ريتشارد سن وزير مالية نيوزيلندة السابقة ومهندسة حرية السوق والرخاء بتلك الدولة بأوائل التسعينيات في مؤتمر أقامه معهد كاتو العام الماضي بموسكو وقالت إن العديد من الدول التي “ابتليت بنظام التمثيل النسبي” تتسم بالسوء النوعي للسياسات وتواجه مصاعب جمة في إقرار إصلاحات ناجحة.  واستشهدت بأوروبا الغربية كمثال حيث ثبت عجزها -باستثناء بريطانيا- عن إصلاح قوانين العمل الجامدة واللوائح الطاردة للاستثمار بها.

وتناول هرنا ندو دى سوتو العالم الاقتصادي الفذ من بيرو أيضًا هذه المشكلة في كتابه بعنوان ’الطريق الآخر‘ حيث يرى أن الديمقراطية تنجح بصورة أفضل في الدول الأنجلوسكسونية لأنها لا تعتمد نظام التمثيل النسبي.

وعلى الرغم من دراية الولايات المتحدة بهذا الدرس العالمي في علم حقوق المواطنة نجدها تختار نظام التمثيل النسبي للتطبيق في التجربة العراقية في مرحلة التحول الديمقراطي.  فالنظام لا يحدد مناطق انتخابية بتمثيل إقليمي محدد كالكونجرس الأمريكي الذي يعطى سلطة متوازنة للولايات والدوائر الانتخابية الأصغر.  وهذا النظام ذو المجلسين المطبق في الولايات المتحدة كان سيساعد على حل مشكلة حماية أقليات كالأكراد والسنة والمسيحيين في دولة أغلبية سكانها من الشيعة. وكان القلق من منع الإرهابيين الناس من التصويت في المناطق السنية سيزول لو كانت هناك مناطق جغرافية محددة لكل منها نائب يمثلها في البرلمان.  حينئذ لم يكن ضعف نسبة التصويت سيصبح أمرًا ذا بال؛ لأن أهالي كل منطقة سيكون لهم من يمثلهم في كل الأحوال.

يقول المحلل الأوروبي فرانك جلوديك في رسالة إلى Central Europe Review بتاريخ مايو 2000:

إن التمثيل النسبي له خطره في أية دولة تعانى تقسيمات إثنية أو إيديولوجية أو دينية، فهو يدفع الناس للتصويت وفقًا لهذه القواعد المستقرة سلفًا بغض النظر عن مدى درايتهم بما إذا كانت بناءة وعن إيثارهم لغيرها.  حتى هامش الخمسة بالمئة من الأصوات اللازم لأي حزب لكي يحتل مقاعد بالبرلمان ليست عقبة أمام هذه الأنماط الانتخابية وتأثيرها السلبي.”

لم؟ لأنك حين تعتمد نظام التمثيل النسبي عليك أن تفترض أن ’الآخرين‘ سيصوتون بناءً على الخلفية الإثنية، ما يضعك في موضع المخاطرة.  والسبيل الوحيد لكي تحمى نفسك هو أن تفعل بالمثل .

إن نظام التمثيل النسبي لا يساعد على توحيد هذه الشعوب والأمم المتباينة العديدة بشكل فعال، فهو بطبيعته ميال للتطرف وعدم الاستقرار وعدم الاعتدال والفشل.  والناس تنسى أن الولايات المتحدة كانت منذ نشأتها بلد متعدد الأعراق والديانات.

إن الديمقراطيات الفاشلة مناخ جيد لعدم الاستقرار والبؤس في معظم بقاع العالم.  فهي تمثل خطرًا على المصالح الأمريكية والرخاء العالمي.  ومع أن هناك عوامل حضارية أخرى – كاتجاه الولاء الأسمى نحو الأسرة والقبيلة بدلاً من الأمة- تلعب دورًا حيويًا فإن جهود واشنطن لبناء حكومات معتدلة ناجحة في العراق والعالم العربي في حاجة لتشجيع النظم التي ثبت نجاحها فى دول أخرى

 

شريف و أمير مكة المكرّمة، ملك الحجاز

 

الحسين بن علي مؤسس الدولة الحجازية الهاشمية والحاكم قبل الأخير لمكة من الأشراف الهاشميين. أول من نادى من الحجاز باستقلال العرب كان أميراً اًو شريفاً لمكة إبان حكم الإمبراطورية العثمانية ولد في إسطنبول سنة 1270هـ ـ 1854م وذلك لأن والده نفي إليها وكان ملما باللغة التركية ولدية اجازات في المذهب الحنفي. عاد إلى مكة وعمره ثلاث سنوات.قاد الثورة العربية الكبرى التي حررت بلاد الحجاز وبلاد الشام والعراق من الدولة العثمانية بتحالف مع الإنجليز 1916 ولقب بملك العرب.

نسبه

الحسين بن علي محمد بن عبد المعين بن عون بن محسن بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبو نمي الثاني بن بركات بن محمد بن بركات بن الحسن بن عجلان بن رميثة بن محمد أبو نمي الأول بن الحسن بن علي الأكبر بن قتادة بن ادريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد الثائر بن موسى الثاني بن عبد الله الرضى بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن ابي طالب الحسني الهاشمي القرشي

تطورات في ولائه وحروبه

نشبت الحرب العالمية الأولى سنة 1332 هـ ـ 1914م، ونمت روح النقمة على العثمانيين في بلاد الشام والعراق والحجاز، وانتهز البريطانيون الفرصة، بعد أن علموا بالتفاف العرب حول الشريف الحسين بن علي وهم في حرب مع دولة آل عثمان والألمان، فاتصلوا بالشريف حسين من مصر، وعرضوا عليه خدماتهم (من خلال ما عرف بمراسلات حسين مكماهون)، فأعلن الثورة العربية الكبرى، وأطلق رصاصته الأولى بمكة في 9 شعبان 1334 هـ ـ 1916م، وحاصر من كان في بلاد الحجاز من العثمانيين، وأمده حلفاءه الإنجليز بالمال والسلاح، ونُعِت َ بالملك المنقذ، ووجه ابنه فيصلاً على رأس جيش كبير إلى سورية فدخلها بمساعدة غير مباشرة من الجيش البريطاني.

حروبه في الشام

بعث ابنه فيصل إلى سورية ليقيم فيها دولة عربية هاشمية حديثة ذلك الذي أثار سخط الفرنسيين ليضربوا سوريا بمعركة ميسلون سنة 1920م واحتلوها، فاستنجد بعض زعمائها بالحسين، فوجه عبد الله ليثأر لأخيه، أو ليجمع على حدود سورية قوة تكون نواة لجيش يقلق المحتل. واقترب منها عبد الله ونزل ببلدة عمَّان ودعاه البريطانيون إلى القدس فاتفقوا معه على أن تكون له إمارة شرقي الأردن، فأقام بعمَّان،. واستفحلت ثورة العراق على البريطانيين، فساعدوا فيصل على تولي العرش بغداد، فكان فيصل في شمال الجزيرة العربية وعبد الله في شمالها الغربي. وبادره ابن سعود راغباً في مصافاته، لكن ذلك لم يحدث. وزار عمَّان سنة 1922، وأعلن نفسه خليفة (الأمر الذي كان حوله نقاش) وعاد إلى مكة ملقباً بأمير المؤمنين.

قصته مع الإنجليز

بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الدوله الحجازية الهاشمية تراجعت الدولة البريطانية عن وعدها المقطوع للشريف الحسين بن علي بحرية الاراضي الإسلامية والقدس والعرب وضمهم اجمع تحت دولة واحده، وبدا الاختلاف خصوصا بعد إخراج الفرنسيون والبريطانيون لابنه من سوريا واحتلالهم لها وظهور مطامع اليهود في القدس بعدها طلب البريطانيون من الشريف الحسين بن علي التوقيع على وثيقة تنص على ان جزء من فلسطين ملك لليهود فرفض الحسين بن علي وقاموا بتهديده واجابهم بكلمته المشهوره “فلسطين حرة عربية ولااحد يستطيع ان يأخذها من اهلها امابالنسبة لخداماتكم فنحن سوف نستغني عنها واما البحر فسوف اسده بكنترتي “\

المؤامرة الإنجليزية

عندما شعر الإنجليز أن الشريف حسين هو رجلهم المنشود لفك عرى الخلافة أخذوا في التآمر لاستغلال شخصه وذلك على النحو الآتي : 1 ـ توثيق العلاقة مع الشريف حسين بتبادل الزيارات والمعونات السخية له. 2 ـ وعود إنجليزية خادعة للشريف حسين بجعله خليفة على دولة عربية مستقلة والعجيب أن انجلترا تستدل على وعودها الكاذبة بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم [الأئمة من قريش]. 3 ـ ترسيخ فكرة الخلافة في المراسلات المتبادلة بين الطرفين والتي عرفت [حسين ـ ماكاهون] و’ماكماهون’ هو المندوب الإنجليزي في مصر، وكانت هذه الرسائل كلها تملق وتزلف كاذب لخداع الشريف حسين واستغفاله، وفي وسط الكلام تدس كلامًا غامضًا لا يتضح فيه إلا سوء نية الإنجليز وهاكم مثلاً على تلك الرسائل الخادعة يوضح ما قلناه [بسم الله الرحمن الرحيم : إلى ساحة ذلك المقام الرفيع ذي الحسب الطاهر والنسب الفاخر قبلة الإسلام والمسلمين معدن الشرف وطيد المحتد سلالة مهبط الوحي المحمدي الشريف بن الشريف صاحب الدولة السيد الشريف حسين بن علي أمير مكة زاده الله رفعة وعلاءً.. آمين.. ثم يختم رسالته بقول : [إن ملكة بريطانيا العظمى ترب باسترداد الخلافة على يد عربي حميم من فرع تلك الدوحة النبوية المباركة] ثم يختم خطابه بالتاريخ الهجري، وهكذا نرى النفاق والمداهنة والخداع في هذا الخطاب الذي كان هو وأمثاله سببًا لوقوع الشريف حسين في تلك المكيدة، وكانت هذه الرسائل تصل من [ماكماهون] إلى حسين عن طريق رجل مصري اسمه [علي حسين روحي] وهو رجل يدين بالبهائية، وكان أبوه موظفًا في دار المندوب الإنجليزي، والإنجليز دائمًا شديد الثقة بأمثال هؤلاء من البهائيين والقأديانيين ويعتمدون عليهم في أعمالهم السرية ببلاد المسلمين ويعلق الدكتور محمد حسين على هذه الرسائل بأن بها ظاهرتين بارزتين: أولهما: أن إدراك الشريف حسين للمسألة العربية هو من وجهة نظر إسلامية خالصة، وثانيهما: إن الإنجليز يمالقونه ويداهنونه ويجارونه في مطامعه وأحلامه، ولكنهم لا يبذلون له وعودًا صريحة ولا يجيبونه إجابة واضحة ويكتفون بالإحاطة إلى رسائل شفوية يبلغها حامل الرسائل فيما لا يريدون أن يتقيدوا فيه بوعد مكتوب].

نفيه

اشتد التوتر بينه وبين ابن سعود، فأقبلت جموع ابن سعود وجيوش حلفائه من الإخوان بقيادة سلطان بن بجاد من نجد وتربة البقوم والخرمة إلى مدينة الطائف، وتفوقوا على جيش الحسين المرابط فيها بعد انضمام خالد بن منصور بن لؤي وتعاونه مع ابن سعود ،واحتلتها. وسرى الذعر إلى مكة، فاتصل بالقنصل البريطاني في جدة فأجابه هذا بأن حكومته قررت الحياد. واجتمع بجدة ببعض ذوي الرأي من أهلها ونصحوه بالتخلي عن العرش لأكبر أبنائه علي ففعل وذلك لكي يقوم بدعم ابنه من الخارج وهذا ما حصل فعلا فقد ذهب للعقبة وصار يرسل المال لأبنه لحرب ابن سعود، كما كان لسادن الكعبة عبد القادر الشيبي دور عظيم في تخذيل أهل مكة عن الشريف، واستمالتهم لابن سعود.

وانتقل من مكة إلى جدة سنة 1343 هـ ـ 1924م، فركب البحر إلى البترا آخر حدود الحجاز بمنطقة تدعى البريكة جنوب مدينة ينبع تبعد بحوالي 80 كلم, وكانت ولاية ابنه عبد الله. وأقام عدة أشهر ثم أخبره ابنه بأن البريطانيين يرون أن بقاءه في العقبة قد يعرضه لهجمات ابن سعود. بعدها وصلت إلى مينائها مدرَّعة بريطانية، ركبها وهو ساخط إلى جزيرة قبرص سنة 1925 م، وأقام فيها ست سنين، ثم إنه مرض فعادإلى عمّان بصحبة ولديه فيصل وعبد الله، وبقي في عمان حتى توفي ودفن في القدس.

وفاته

فمكث معتلاً ستة أشهر وأياماً، وتوفي سنة 1350 هـ ـ 1931م، فحمل إلى القدس ودفن فيها.

تسلسل الأسرة الهاشمية

قائمة الملوك

الحاكم الحياة الحكم
الحسين بن علي 18531931 19211931
عبد الله الأول بن الحسين 18821951 19311951
طلال بن عبد الله 19091972 19511952
الحسين بن طلال 19351999 19521999
عبد الله الثاني بن الحسين 1962 – مستمر 1999 – مستمر
قبلــه:
عبد المجيد الثاني
محاولة واهنة للإبقاء علىالخلافة الإسلامية
11 مارس 1924م3 أكتوبر 1924م
بعــده:

 


معرض الوسوم