Professeur docteur oussama chaalane

لقد تغيرت الحضارة المادية في غربي أوراسيا ما بين 40000 و 45000 سنة مضت أكثر مما تغيرت أثناء المليون سنة الماضية. إن هذا الازدهار في مجال الإبداع الفني والتقاني يدل، في نظر بعض الملاحظين في الوقت الحاضر، على ظهور أول حضارة بشرية مؤكدة تميزت باكتشافات متواصلة متنوعة.

وأثناء تلك الفترة القصيرة من الزمن التي بلغت 5000 سنة أو نحو ذلك تنوعت الأدوات الحجرية، التي ظلت على مر العصور محافظة على أشكالها الأساسية، تنوعا كثيرا من قرن إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى.

وبتعبير علمي أدق حدّد هذا التغير الحضاري الانتقال من العهد الباليوليتي الأوسط Middle paleolithicage إلى العهد الباليوليتي الأعلى. لماذا حدث هذا التغير؟ ولماذا حدث في هذه الفترة بالذات؟ سؤالان يشكلان اثنتين من أكثر المشكلات بروزا في الباليوأنثروبولوجيا (علم البشر القديم) paleoanthropology. إن الأجوبة عن هاتين المشكلتين قد تفسر الكثير من الغموض المتعلق بطبيعة وظهور الإنسان العاقل Homo sapiens ذي البنية الحديثة.

لقد ظُن لبضع سنوات أن علم البيولوجيا (الأحياء) قد يقدم تفسيرا دقيقا للتغير الحضاري. فقد كان هناك نمطان من البشر: الأول هو إنسان نياندرتال Neanderthal، الذي كان أقدم (كما كان يُظن) وأقوى من الثاني المسمى إنسان كرومانيون Cro-Magnon. وكان على الباحثين، لصياغة فرضية بيولوجية، أن يقيموا ترابطا بين الجسم ذي النمط القوي robust (القديم archaic) وبين حضارة الباليوليتي الأوسط، وترابطا آخر بين الجسم ذي النمط النحيل gracile (الحديث) وبين حضارة الباليوليتي الأعلى. ويبدو أن هذا التفسير يمكن تطبيقه في أوروبا حيث بدأت الأبحاث المتعلقة بعلم الباليوأنثروبولوجيا. فقد ترافقت هناك حضارة الموستيري Mousterian الأقدم غير المتطورة ـ بصورة عامة ـ مع النياندرتاليين الأقوياء، في حين ترافقت حضارة الأورينياسي Aurignacian الأحداث ـ بأدواتها المتجددة والمتغيرة باستمرار ـ مع أفراد إنسان كورمانيون من ذوي الأجسام الطويلة النحيلة، الذين ظهروا في سجل المستحاثات (الأحافير) منذ 30000 سنة. (تُنسب التسميتان موستيري وأورينياسي إلى موقعين في فرنسا حيث عثر أول مرة على أدوات حجرية صنعها الإنسان).

إن هذا الترابط بين البيولوجيا والحضارة يصعب تطبيقه في بلاد المشرق Levant. فقد وجد علماء المستحاثات الذين ينقّبون في مواقع هذه المنطقة مجموعات من المستحاثات تشتمل على عينات يبدو أنها أقدم من مثيلاتها التي في أوروبا. وقد ظهر أن بعض العينات تشبه إنسان نياندرتال وتشبه عينات أخرى إنسان كرومانيون. ومع ذلك يبدو أن كلتا المجموعتين من البشر لهما حضارة بدائية واحدة. فكيف يمكن إجراء توافق بين ما تمت مشاهدته في هذه المنطقة من مستحاثات وأدوات مصنعة artifacts وبين ما تمت ملاحظته في أوروبا؟

إن الجواب الحاسم يتطلب ترتيب مستحاثات الشرق الأوسط ترتيبا زمنيا. ولكن هذه العملية يتعذر تنفيذها؛ لأن العينات كانت قديمة لدرجة لا يمكن تأريخها بطريقة الكربون المشع التي لا يتجاوز مدى فعاليتها 40000 سنة. أما اللجوء إلى طريقة اليورانيوم ـ الثوريوم فيتطلب وجود مستحاثات مترافقة مع رواسب كربوناتية carbonatesediments وأما طريقة البوتاسيوم ـ الأرگون فهي أكثر ملاءمة لتحديد عمر أو تأريخ ما ينتج من البراكين لابة (حمم)lava وطَفّ (رماد) tuffs، وهي لا توجد إلا في طبقات أقدم بكثير. وقد ارتأى علماء الأنثروبولوجيا (النوع البشري)، في حالة غياب ترتيب زمني موثوق، أنه من المعقول الاحتفاظ بالتصور الأوروبي، أي الافتراض أن الأنماط النياندرتالية الشرق أوسطية القوية هي الأقدم وتمثل أسلاف الأنماط النحيلة.

دفن مزدوج من مغارة قفزة (في اليمين) يدل على شعور ديني قبل ما ينوف على 100000 سنة. فقد وجد الهيكل العظمي للطفل عند قدمي الهيكل العظمي لامرأة شابة، ربما تكون أمه. يظهر هذان الهيكلان بمظهر الإنسان الحديث ولكن حضارتهما تشابه حضارة الإنسان النياندرتالي الشرق أوسطي الأكثر قوة. أما في أوروبا ـ وبعد مرور 60000 سنة ـ فقد أقام الأفراد ذوو المظهر الحديث وكذلك النياندرتاليون حضارات مختلفة.

لقد شكّلنا، لاختبار هذه الفرضية فريقا متعدد الاختصاصات لوضع ترتيب زمني انطلاقا من مختلف الأدلة المتوفرة. وقد زعزعت النتائج التي حصلنا عليها التسلسل التطوري المعروف، وأثارت أسئلة أكثر من الحصول على أجوبة، وهذا ما قد يعبر عن وجود خلاف، ولكن بهذه الطريقة يتقدم العلم.

بدأنا عملنا بإقامة ترابط طبقي (استراتيگرافي) بين المستحاثات البشرية في مغارات الشرق الأوسط. ثم قمنا بالمشاركة مع <E. تشيرنوف> (من الجامعة العبرية بالقدس) بربط هذه المعلومات بمعطيات تتعلق بالأحوال المناخية القديمة وبمعطيات أخرى، وذلك لاستنتاج ما إذا كان الإنسان العاقل بمظهره الحديث قد عاش في إحدى هذه المغارات منذ نحو 80000 إلى 100000 سنة، أقدم بكثير من التاريخ الذي ظُن فيه بوجود مثل هؤلاء الناس في أي مكان آخر. وقد رُفضت هذه الفكرة في بداية الثمانينات ولكن أثبتتها فيما بعد طريقتان من طرائق القياس الإشعاعي تم تحسينهما، وهما: التألق الحراري thermoluminescense والتجاوب الإلكتروني السپينيelectron spin resonance.

لقد دحضتْ هذه الاكتشافات العلاقة السلالية التي افترض، منذ زمن طويل، أنها صحيحة. فالهياكل العظمية القوية لم تكن أسلاف الهياكل النحيلة. وأصبح من غير الممكن، في الوقت نفسه، ربط ظهور أفراد الإنسان ذي المظهر الحديث مع التغير الحضاري الذي حل في الباليوليتي الأعلى.

فعندما ظهرت الأفراد الأولى من الإنسان الحديث في سجل المستحاثات في بلاد المشرق كان نمط معيشتهم لا يتميز عن نمط معيشة الجماعات البشرية القديمة؛ فأدواتهم المصنعة تنتمي بوضوح إلى حضارة الموستيري.

أثارت مكتشفاتنا أيضا تساؤلا مهمًا آخر حول المكان الذي ظهر فيه النوع البشري. لقد برهنا على أن المستحاثات النحيلة هي قديمة جدا وأمكننا ربطها ببقايا البشر في مغارات “كلاسيس ريڤر ماوث” ومغارة “بوردر” في جنوب أفريقيا. وتبدو أيضا مستحاثات جنوب أفريقيا قديمة فعلا ولكنها تنتمي إلى الإنسان الحديث أكثر من انتمائها إلى الأفراد القديمة.

فهل يا ترى تنتمي هاتان المجموعتان إلى جماعة بشرية واحدة تفرقت فيما بعد؟ لقد أجاب بعض علماء الأنثروبولوجيا بالإيجاب واستنتجوا أن الإنسان الحديث قد ظهر في أفريقيا ثم بدأ يحل محل الجماعات الأقدم في بقاع أخرى من العالم [انظر:

“The Emergence of Modern Humans”  by Christopher B. Stringer

Scientific American, December 1990].

وفي الوقت نفسه تقريبا حين تم قبول الترتيب الزمني الجديد، توصل متخصصون في البيولوجيا الجزيئية ـ بشكل غير متوقع ـ إلى استنتاجات متماثلة فيما يتعلق بالموطن الأصلي لأفراد الإنسان الحديث. لم يعتمد هؤلاء العلماء على العظام المستحاثة وإنما على المستحاثة الحية للدنا living fossil of DNA، حيث تدل أشكاله الكثيرة المتنوعة على جزء من التاريخ التطوري. فقد استنتج بعض هؤلاء الباحثين، بعد مقارنتهم لعدد كبير من عينات مأخوذة من جماعات بشرية إقليمية تقطن في بقاع مختلفة من العالم، أن أفراد الإنسان الحديث قد نشأت في مناطق شبه صحراوية في أفريقيا منذ أكثر من 100000 سنة

[انظر: The Recent African Genesis of Humans by A. C. Wilson-R.L. Cann; Scientific American, April 1992].

ترشد شبكة ثلاثية الأبعاد (في الأعلى) في مغارة كيبارا علماء الآثار الذين يسجلون موقع كل عظم وكل أداة مصنعة، وأيضا يفحصونشرائح رقيقة للرواسب تحت المجهر. إن مثل هذه التقانة مكنت الباحثين من تحديد زمن هذه الأشياء وتمييز الفترات التي كان أفراد البشر يسكنون خلالها المغارة بشكل مستمر. ويبين مقطع عرضاني (في الصفحة المقابلة) الحفريات المستمرة التي يجريها المؤلفان وزملاؤهما في مدخل المغارة وفي الحجرة المسقوفة. إن بعض أقسام المغارة قد تُركت لعلماء آثار المستقبل وهو أسلوب اتبعه <M. ستكيليس> في الخمسينيات ولكن لم يتبنّه <F. نورڤيل ـ بيتر> في الثلاثينات.

ويعترض باحثون آخرون على مظاهر هذا التحليل الجيني genetic أو شجرة النسب ويدعمون تفسيرا آخر يدعى نمط تعدّد المناطق multiregional، ويعني أن الإنسان ذا المظهر الحديث ظهر في آن واحد تقريبا ولكن في مناطق كثيرة مختلفة، وأن عملية التهجين حافظت على وحدة النوع البشري

[انظر:

 ;The Multiregional Evolution of Humans,”  by A.G. thorne-M.H. Wolpoff”

Scientific American, april 1992].

بدأت دراسة أفراد البشر في بلاد المشرق سنة 1929 عندما بدأت <E .A. گارود> (عالمة الآثار في جامعة كامبردج) مشروعا نُفّذ خلال خمس سنوات للتنقيب في ثلاث مغارات تقع عند مصب وادي المغارة (وادي نخال هاميعاروت) وهي: سخول وتابون والواد [انظر الخريطة في الصفحة 31]. لقد وضعت گارود، أثناء عمليات التنقيب. أساس التسلسل الطبقي للبليستوسين الأعلى Upper Pleistocene في بلاد المشرق، وهو عصر من عصور ما قبل التاريخ. إن أكبر عمق وصل إليه الحفريات في تابون بلغ 23 مترا. ومن الطبقات التي صنّفتْها گارود من الأسفل إلى الأعلى حسب أدواتها الصوانية النموذجية إلى: الأشولي الأعلى (يضم الطبقتين G و F) والأشولي ـ اليبرودي Acheuleo-Yabrudian (يضم الطبقة E) والموستيري من الباليوليتي الأوسط (يضم الطبقات D و C وB، إضافة إلى ردميات المدخنة chimney).

كما اكتشفت گارود بقايا لامرأة بالغة صنفتْها حينذاك على أنها امرأة نياندرتالية وحدّدت تأريخها بنحو 60000 سنة تقريبا. ولكن هذه الباحثة لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت تنتمي إلى الطبقة B أو إلى الطبقة C، بيد أن الفك الذي وُجد تحتها مباشرة ينتمي دون شك إلى الطبقة C. ويبدو أن هذا الفك، وهو لشاب بالغ، أقرب إلى فك الإنسان النحيل (الحديث) من جماعة مغارة قفزة أكثر من قربه إلى النمط القوي (القديم) من النياندرتالين.

لقد عثر في مغارة سخول على مجموعة مدهشة من مواد هيكلية تنتمي إلى الباليوليتي الأوسط وتتضمن عدة مدافن ما زالت في حالة جيدة. ونعتقد أن وضعية هيكل المرأة العظمي تدل على دفن مقصود، وهو أقدم عملية دفن عثر عليها حتى الآن.

ونظرا لأن مثل هذا السلوك المعقد لا يمكن أن يكون إلا تعبيرا عن سلوك بشري فإن هذا الاكتشاف يزودنا بدليل غير مباشر على وجود هذا الأسلوب. وفضلا عن ذلك فإننا سنرى أن عادات النياندرتاليين الجنائزية ـ وكذلك أدواتهم الحجرية ـ هي أدنى في كل الأحوال من عادات وأدوات أفراد الإنسان النحيل الذين سبقوهم في المنطقة.

أُجريت أول دراسة لهذه المواد بإشراف <A. كيث> (من كلية الجراحة الملكية في لندن) و <D.T. ماكون> (الذي كان يدرّس مؤخرا في جامعة كاليفورنيا ببركلي). وقد توصلا، بعد معاملة كامل الهياكل في مغارتي سخول وتابون، إلى أنها تمثل شكلا متوسطا بين النياندرتاليين وأفراد الإنسان الحديث. لقد عدّ بعض علماء الأنثروبولوجيا هذه العينات أنها تمثل أفرادا هجينة محتملة في حين اعتبرها بعضهم الآخر تمثل جماعة بشرية تطورت محليا.

وفي الفترة نفسها تمت أيضا مكتشفات مدهشة في مغارة قفزة قرب الناصرة على بعد 35 كيلو مترا على خط مستقيم من جبل الكرمل. فقد أشرف. بين عامي 1933 و 1935م، <R. نوڤي> (الذي كان قنصل فرنسا في القدس وعضوا في معهد علم المتسحاثات البشرية في باريس) بالاشتراك مع <M. ستكيليس> (من الجامعة العبرية) على عمليات التنقيب في تلك المغارة. وقد اكتشفا، خارج الحجرة الرئيسية في المصطبة terrace، أمام المغارة وقرب مدخلها، عدة مستحاثات بشرية في طبقات من الحطام الصخري تبلغ ثخانتها أكثر من أربعة أمتار وتنتمي إلى الباليوليتي الأوسط.

هذا وعلى الرغم من أن أي وصف مفصّل لهذه المستحاثات لم ينشر فقد جازف <H. ڤالوا> (من معهد المستحاثات البشرية) بتصنيفها على أنها تنتمي إلى جماعة النياندرتاليين البدائيين أو إلى جماعة غير نموذجية من النياندرتاليين. وقد اقترح، في الخمسينات، <C. هويل> (من بيركلي) أن الهياكل القريبة في مظهرها من مظهر الإنسان الحديث بجماجمها المكورة ووجوهها المسطحة كانت ـ على الأرجح ـ لأسلاف إنسان كرومانيون الأوروبي، لذلك أطلق عليها كثير من علماء الأنثروبولوجيا اسم طلائع إنسان كرومانيوم Proto-Cro-Magnon.

وفي الخمسينات وبداية الستينات أعطت مواقع أخرى في الشرق الأوسط مستحاثات أخرى تنتمي إلى الباليوليتي الأعلى. فقد اكتشف <S.R. سوليكي> (في الخمسينات عندما كان في جامعة كولومبيا) مجموعتين من الهياكل في مغارة شانيدار في سفوح جبال زاگروس في العراق، وكانت كلها من النياندرتاليين وتبدي ما يدل على سلوك بشري. وتشتمل إحدى المجموعتين على هيكل لرجل فقد إحدى ذراعيه، وهذا ما يدل على العناية التي تلقاها ذلك الرجل عندما كان على قيد الحياة. أما المجموعة الأخرى من الهياكل فتبدي أدلة واضحة على الدفن المقصود، وهذا ما يشهد أيضا على سلوك بشري. وقد وجد <H. سوزوكي> (من جامعة طوكيو) في مغارة عمود بالقرب من بحيرة طبرية، دفنا مقصودا مماثلا لدى النياندرتاليين.

وهكذا، وبحلول السبعينات، أصبح مسلسل تطور المستحاثات البشرية التي تنتمي إلى البليستوسين الأعلى في الشرق الأدنى واضحا نسبيا. فالنياندرتاليون من غربي آسيا كانوا ممثَّلين بالبقايا الهيكلية التي عثر عليها في مغارات تابون وعمود وشانيدار. وهذه الجماعة تطورت فيما بعد، كما افترض، إلى طلائع إنسان كرومانيون المحلية التي عاشت في مغارتي سخول وقفزة.

ولتفسير المرحلة اللاحقة التي بدأت منذ نحو 40000 ستة تجابهت فكرتان: تفترض الفكرة الأولى أن جماعات الإنسان الحديث في بلاد المشرق انتقلت أو انتشرت في أوروبا وذلك بعد أن حلّوا محل النياندرتاليين المحليين أو نتيجة لعمليات التكاثر فيما بينهم. أما الفكرة الثانية فتفترض أن أفراد جماعة النياندرتاليين المحليين في أوراسيا قد تطوروا في الأمكنة نفسها التي كانوا يعيشون فيها إلى أشكال حديثة. وقد أطلق <w.w. هويلز> (من جامعة هارفارد) على هاتين الفكرتين (النظريتين): “سفينة نوح” و “مرحلة النياندرتال” وهما فكرتان ما زالتا رائجتين حتى اليوم مع تعديلات أخذت بالحسبان نتائج التأريخ الجديد التي توصلنا إليها باسم فرضية “الخروج من أفريقيا” وفرضية “تعدد المناطق”.

لقد أدرك، تدريجيا، علماء المستحاثات وباحثون آخرون في الستينات أن دراسة الطبقات الجيولوجية في المغارات كانت أكثر تعقيدا مما كان قد بدا لهم، لذلك فقد استخدمنا في دراسة طبقات مغارات جبل الكرمل كل تقانات التنقيب الحديثة، حيث تم تحديد موقع كل قطعة من المستحاثات وكل أداة مصنعة بالنسبة إلى شبكة ثلاثية الأبعاد [انظر الشكل في الصفحة 32]. وقام الجيولوجيون ومحللو الأشكال المجهرية (المِكْرَوِيّة)micromophological analysts بفحص الرواسب لأجل معرفة ما إذا تعرضت إلى أي تخريب من قبل الحيوانات أو من أفراد البشر خلال الفترات اللاحقة لعمليات الترسيب. وأجريت دراسات على حبوب اللقاحPOLLEN وعلى شواهد مجهرية أخرى، ثم تم ربط بعضها ببعض، وذلك لإعادة تصور الظروف المناخية التي كانت سائدة.

بدأت مثل هذه التحريات المنهجية من جديد في مغارة تابون حيث زودتنا ثخانة الرواسب بسجل ممتاز طويل الأمد عن التغير الحضاري. لقد أشرف على حفريات هذه المغارة <J.A. جليتك> (من جامعة أريزونا ) بين عامي 1967 و 1972، وحديثا تابع العمل <A. رونين> (من جامعة حيفا).

أما المغارة الثانية (مغارة قفزة) فقد أشرف أحدنا (ڤاندرميرش) على حفرياتها خلال الفترة الممتدة من عام 1965 حتى 1979، وشارك المؤلف الآخر للمقال في هذا المشروع خلال فصلي التنقيب الأخيرين.

كشفت التحريات في مغارة تابون النقاب عن الكثير من المعلومات الجيولوجية، كما عثر فيها على عدد كبير من الأدوات الحجرية في حالة جيدة، في حين لم يُعثر إلا على عدد قليل من مستحاثات القوارض. إن مصدر مثل هذه البقايا الأخيرة هو البراز المُتفسِّخ لبوم الصوامع barn owls، وهي طيور لا ترتاد المغارات عندما يقطنها أفراد البشر، لذلك يستخدم علماء المستحاثات بقايا القوارض لغايات تتعلق بالبيئة القديمة ولوضع الطبقات حسب ترتيبها الزمني.

لاحظ جلينك أثناء دراسته المفصَّلة للأدوات الحجرية أن حجم بقايا هذه الأدوات يتناقص عند الانتقال من الموستيري( الطبقتين C و D) إلى الأشولي ـ اليبرودي (الطبقة E) ثم إلى الأشولي الأعلى (الطبقة F). وقد بيّن أنه عندما يتم رسم قيم هذا الحجم بدلالة مقياس الزمن المقترح لمغارة تابون فإن المنحنى الناتج يبدي انحرافا (زاوية) يرتفع عنده المنحنى ارتفاعا مفاجئا. وهذا يعكس ـ حسب رأي جلينك ـ انتقالا تطوريا من النياندرتاليين إلى أفراد الإنسان الحديث.

النحيل والقوي: إن جمجمة الإنسان النحيل (في اليسار) التي عُثر عليها في مغارة قفزة ذات مظهر حديث وتتصف بقحف عال وقصير وبذقن متميز. أما جمجمة الإنسان القوي (في اليمين) التي عُثر عليها في مغارة تابون فتتصف بقسمات إنسان نياندرتال النموذجية المتمثلة ببروز المنطقة المتوسطة من الوجه و “نتوء” Bun من الخلف. إن لكلتا الجماعتين أدمغة كبيرة، على الأقل مثل أدمغة البشر المعاصرين.

لقد وضع <W. فاراند> (من جامعة ميتشيغان) جدولا زمنيا لمغارة تابون اعتمادا على دراسة الرواسب التي تراكمت فيها.

فقد فسر وجود الرمال الثخينة ـ التي تراكمت في أسفل التسلسل الطبقي، والتي تضمن الطبقات الثلاث E و Fو G ـ على أنها بقايا لكثبان رملية تقدمت إلى مدخل المغارة بتأثير طغيان البحر وارتفاع سويته نتيجة ذوبان القلنسوات الجليدية القطبية polar ice caps أثناء الفترة البينجليدية الأخيرة، أي منذ نحو 100000 سنة. كما فسر وجود تربة اللوس loess في الطبقة D كدليل على بداية حدوث فترة باردة منذ 75000 مضت وهي فترة الموستيري. أما راسب القسم الأعلى من التسلسل الطبقي الذي يشمل الطبقتين B و C وردميات المدخنة (المدخل العمودي للمغارة) فيبدو أنها تراكمت في الفترة اللاحقة الواقعة بين 55000 و 40000 سنة مضت، حين تمكنت الأمطار من الدخول عبر فوهة المدخنة مع ما حملته من التربة الحمراء التي تميز تربة منطقة البحر المتوسط.

ولكن تبين أن ما تم الوصل إليه من نتائج يتعارض مع تحليل الدليل الفوني faunal evidence (أي يتعارض مع كامل المستحاثات) التي عثر عليها في مغارتي تابون وقفزة. فقد وجد تشيونوف، الذي أجرى هذا التحليل، أن الطبقات الحاوية على هياكل أفراد البشر في مغارة قفزة تحتوي على عدة أنواع قديمة من القوارض وهي غير موجودة في الطبقة C في تابون. إن هذا الاختلاف في محتوى الطبقات من المستحاثات يدل ضمنا على أن المجموعتين من أفراد البشر قد عاشتا في زمنين مختلفين. وهذا التعليل جعلنا نعيد النظر في دراسة الطبقات الجيولوجية في المغارات وما تحوي هذه الطبقات من هياكل بشرية.

تضم مغارة قفزة، على الأقل ثلاثة مدافن لأفراد من البشر من ذوي المظهر الحديث وتدل مواقعها في الرواسب على أعمارها. وأحد هذه المدافن كان لرجل بالغ ركبتاه مثنيّتان جزئيا وجسمه ممدد على الجنب الأيمن في كُوّة طبيعية في جدار كلسي. أما المدفن الثاني فهو قبر مزدوج، وهو الوحيد الذي اكتشف في الباليوليتي الأوسط، ويضم هيكلا عظميا لامرأة عمرها يتراوح من 18 إلى 20 سنة ممدّدة على جنبها الأيمن ويداها فوق بطنها، ورجلاها نصف مثنيتين، وعند قدميها هيكل عظمي لطفل في سن السادسة تقريبا في وضعية عمودية على جسمها. ونظرا لأن الهيكلين كانا ممددين بشكل أفقي في حفرة مستطيلة الشكل وجدرانها مقطوعة في طبقات الموقع فإن ذلك قد يدل على أن الدفن المزدوج قد تم في قبر واحد.

أما المدفن الثالث فهو لصبي عمره نحو 13 سنة، عثر عليه في تجويف حُفر في الصخر اللين، وقد مُدِّد جسمه على ظهره، وجمجمته مستندة إلى جدار المدفن، ويداه متجهتان إلى الأعلى. وقد وُضع فوق اليدين قرن كبير للأيّل الأسمر بشكل مستعرض على الجزء الأعلى من الصدر. ويدل وجود هذا القرن على دفنه أيضا بشكل مقصود بعد أن تركته الضباع المفترسة. لا يمكن أن نستنتج من هذه الممارسات ومن دراسة أدوات هؤلاء البشر من الجماعات الأولى من الإنسان الحديث أنهم يختلفون اختلافا واضحا عن الأقوام القوية الذين أتوا فيما بعد إلى المنطقة.

إن غزارة بقايا القوارض في الطبقات السفلى تدل على أن أفراد البشر لم يقطنوا المغارة إلا بشكل متقطع فقط، وربما أثناء فصول محدّدة خلال هذه الفترة. ومهما يكن من أمر يبدو أن جولتهم السنوية للبحث عن الطعام وصلت شرقا إلى وادي الأردن وغربا إلى شاطئ البحر المتوسط، أي على بعد 40 كيلو مترا. ويبدو أن ما كان يحصلون عليه من البحر ظهر على شكل أصداف مثقبة للرخوي كليسيمريس Glycymeris وجدت في الطبقات السفلى. يمكن أن تستخدم ثقوب الأصداف لأي وظيفة فيما عدا استخدامها لتمرير خيط لعقد أو تميمة. إن مثل هذه الاستعمالات تنمّ عن وجود سلوك بشري.

وأخيرا وجدنا كومة من المغرة ocher الحمراء، محززة بخدوش فاتحة. وقد أظهر الفحص المجهري للأدوات الحجرية، الذي قام به <J.J. شب> (عندما كان في جامعة هارفارد)، وجود مغرة حمراء على الأطراف القاطعة لعدد من هذه الأدوات. وفي أزمنة لاحقة استخدمت المغرة الحمراء صباغًا ومادةً كتيمة بعد خلطها بالزيت.

لقد حاولنا أثناء فصل الحفريات الأخير من العام 1979 تعرف التغيرات المناخية القديمة. استخدمنا في البداية طبقات مغارة قفزة المحتوية على مستحاثات القوارض وذلك لمعايرة التسلسل المناخي القديم في مغارة تابون، ومن ثم طبقنا هذا التسلسل على طبقات قفزة الحاوية على مستحاثات البشر. وأخيرا أقمنا ترابطا بين هذا التسلسل والتسلسل المعتمد على النظائر المشعة التي في القُوارات cores المستخرجة من الحفر العميق في البحار. ويبدو أن هذه الطريقة من المقارنة تجعلنا نقترح أن البشر في مغارة قفزة قد عاشوا قبل نحو 80000 إلى 100000 سنة.

بقايا لموقد عثر عليها في وسط مغارة كيبارا في حين جمعت النفايات بالقرب من الجدار، وهذا ما يدل على سلوك بشري وهو النظافة.

إن الانتقادات الكثيرة التي تعرضنا لها دفعتنا إلى أن نحاول حل المشكلة بأسلوبين: فقد نطبّق طرائق تحديد التأريخ التي تطورت حديثا أو ننتخب موقعا حيث تسمح حالة حفظ المستحاثات فيه من تصوّر أكمل للأنماط السلوكية. وهذه الأنماط السلوكية تتضمن استخدام النار ومواقع تجميع النفايات في المغارة ونوع الأغذية النباتية التي تم جمعها ونوع الحيوانات التي تم اصطيادها أو أسرها أو جمعها. ونعتقد أنه بالحصول على مثل هذه الصورة الكاملة (عوضا عن الاعتماد فقط على الأدوات الحجرية) يمكننا أن نعرف ما إذا كانت طلائع إنسان كرومانيون ونياندرتاليّو الشرق الأوسط تمثل بالحقيقة جماعتين مختلفتين لنوع واحد أو نوعين مختلفين.

لقد كان اختيار مغارة كيبارا، التي تقع على الجرف الغربي لجبل الكرمل، اختيارا موفقا نظرا لسجلها الرسوبي الكامل. تقع كيبارا على ارتفاع 60 مترا تقريبا فوق سطح البحر ولم يتعرض مدخلها المعقود arched، الذي يواجه الشمال ـ الشمال الغربي، إلى تخريب خلال العهد الباليوليتي على الرغم من أن انهيارا صخريا لاحقا كون مصطبة صغيرة أمام المغارة. وقد شرعنا في الحفريات عام 1982.

إن معظم الطبقات، التي يرجع تأريخها إلى الباليوليتي الأعلى، قد أزيل خلال الثلاثينات أثناء الحفريات التي أشرف عليها <F. فرانسيس ـ بيتر>، وهو باحث مستقل تعاون فيما بعد مع المدرسة البريطانية لعلم الآثار في القدس. وفي عام 1951 تابع <M. ستكيليس> الحفريات، وخلال أكثر من أربع عشرة سنة اكتشف فريقه طبقات من الباليوليتي الأوسط ووجد فيها طفلا نياندرتاليا.

لقد درسنا هذه الطبقات دراسة مفصلة ولا سيما الطبقات التي تزامنت مع الفترات المتعاقبة من سكن البشر. وقد أظهرت الأدوات الحجرية وجود تشابه بينها وبين الأدوات التي عثر عليها في الطبقة B في مغارتي تابون وعمود، ولكن ليس من حيث الشكل (حيث بقيت دون تغيير خلال الموستيري) بل في طرائق التصنيع.

هيكل لرجل نياندرتالي، لافت للنظر، عثر عليه في كيبارا استؤصل منه الرأس بعد أن تفسخ اللحم ولكن أبقي على الفك السفلي وعلى العظم اللامي (أو عظم اللسان tongue bone) في مكانيهما. إن شكل العظم يوحي بأن أفراد البشر الأوليين تمكنوا من إصدار أصوات الإنسان الحديث.

والاكتشاف الأغرب، الذي تم سنة 1983، كان العثور على هيكل ذكر بالغ دفن في قبر حفر لهذه الغاية قبل نحو 60000 سنة، ولكن لم يعثر على جمجمة هذا البالغ ولا على ساقه أو قدمه اليمنى. أما القدم اليسرى فقد أتلفها تسرب المياه عبر الرواسب. ويبدو أن الجمجمة قد نزعت بشكل مُتعمَّد بعد أن تفسَّخ اللحم وربما بعد موت الرجل بعدة شهور، ولا يمكن أن يعلِّل ذلك أي تفسير آخر نظرا لبقاء العظام الأخرى في وضعيتها دون تغيير ولا سيما عظم الفك السفلي. وهل يمكن أن نتصور أي سبب غير السبب الديني لتفسير هذه الممارسة الجنائزية؟

ويكوّن هذا الفك أهم المكتشفات، فهو ـ بشكله ـ يشابه فك إنسان نياندرتال ولكنه يختلف عن أي فك آخر عثر عليه نظرا لاحتفاظه بالعظم اللامي hyoid (وهو عظم منفصل يتحكم في اللسان) لقد توصل <B. أرنسبورگ> (من جامعة تل أبيب) ومساعدوه ـ بدءا من شكل العظم ـ إلى أن جهاز التصويت لدى هذا الإنسان يشبه ما لدى الإنسان الحديث ويحتمل أنه كان قادرا على إصدار الأصوات الضرورية لكلام مقطَّع. واعتمادا على عظم آخر هو عظم الغفل inominate bone رأى <Y. راك> (من جامعة تل أبيب) أن حوض هذا الإنسان هو أقرب إلى حوض النياندرتاليين منه إلى حوض الإنسان الحديث.

إن الاستدلال على إمكانية الكلام ووجود تصرفات سلوكية بشرية أخرى يتطلب أكثر مما تقدمه العظام لوحدها من معلومات.

ويمكننا استخلاص أشياء مهمة من الموجودات التي تدل عليها وهي الأدوات الآثارية. إن بعض هذه الأدوات التي عثر عليها في الموستيري تفي تماما بهذا الغرض. إن غالبية العظام ومواقع النفايات مثلا وجدت بالقرب من جدار المغارة في حين كان وسط المغارة مغطى ببقايا المواقد. إن هذا الترتيب يدل على النظافة، أي يدل على أسلوب متميز وحديث من السلوك البشري.

إن الوجود الواضح لأفراد الإنسان بأشكال حديثة في بلاد المشرق منذ نحو 100000 سنة يقدم حقائق جديدة لتفسير وجود مستحاثات أخرى غربي آسيا. فقد يكون لأفراد الإنسان الحديث سلسلة نسب (سلالة)genelogy محلية واسعة الامتداد إلى حد ما. فبقايا الجمجمة التي وجدها تورنڤيل ـ بيتر في مغارة زوتّيّة بالقرب من مغارة عمود، مثلا، تثبت أن تأريخها يراوح بين 200000 و 250000 سنة مضت وقد يكون صاحب هذه الجمجمة أحد أفراد الجماعة التي انحدرت منها جماعة الإنسان النحيل (الحديث) في كل من سخول وقفزة.

ومع ذلك يبدو أن النياندرتاليين لم يكن لهم أسلاف محليون، والسجل الوحيد لأسلافهم طلائع النياندرتاليين موجود في أوروبا، حيث يرجع تأريخه إلى ما قبل 150000 سنة. وعندما يتعذر الحصول على معطيات من مستحاثات أخرى لا بد وأن نستنتج، بصورة نظرية، أن أفراد إنسان نياندرتال في كيبارا قد انحدرت من أصل أوروبي. فالجماعة الموجودة إما قد هاجرت من أوروبا إلى بلاد المشرق أثناء فترة جيل واحد، وإما ـ وهو الأرجح ـ قد انتشرت بشكل تدريجي أثناء عدة أجيال. وتدعى العملية الأخيرة بالانتشار الاستيطاني endemic diffusion، وهو انتشار لا بد أن يكون قد تضمن، إلى حد ما، تزاوجا متبادلا بين هذه الجماعة وبين الجماعات التي تعايشت معها على طول طريق انتشارهم.

ما الذي سبب مثل هذا الانتشار خارج أوروبا؟ لقد تكيف النياندرتاليون مع المناخ البارد كما تشهد على ذلك بنية أجسامهم القوية ولكنهم لم يتحملوا الظروف المناخية القطبية الشمالية التي حدثت على شكل موجات مفاجئة من البرد أثناء الفترة الممتدة بين 115000 و 65000 سنة مضت. وقد أجبرهم البرد الشديد على الرحيل نحو الجنوب. ولدعم هذا الافتراض نذكر التشابه بين النياندرتاليين في الشرق الأوسط وجمجمة قديمة عثر عليها في ساكو باستور بإيطاليا. ويفترض هذا التشابه أن الانتشار من أوروبا قد سلك مسارا محاذيا لحوض البحر المتوسط ربما مرورا عبر تركيا الحالية أو عبر بلاد البلقان.

مَنْ وجد النياندرتاليون عند وصولهم إلى الشرق الأوسط؟ للجواب عن هذا السؤال وُضعت فرضيات متعددة لا بد من اختبارها.

لقد ظن أن المناخ البارد هو الذي دفع الإنسان النحيل (الحديث) نحو أفريقيا كما دفع جماعة الإنسان القوي (القديم) نحو بلاد المشرق، وهذا ما أدى إلى عدم اختلاط الجماعتين إحداهما بالأخرى. أما لو بقي أحفاد الإنسان النحيل في أماكنهم في الشرق الأوسط لكانوا قد تعايشوا مع النياندرتاليين أو حتى تناسلوا معهم. إن بعض العلماء يعتبرون أن مثل هذا التهجين غير محتمل ويفضلون النظر إلى هاتين الجماعتين على أنهما تمثلان نوعين متميزين:

وعادة ما يحاول علماء الباليوأنثروبولجيا الاستدلال على السلوك البشري، عند ندرة المستحاثات، من اختلاف أنماط تصنيع الأدوات وجمع الغذاء وتحضيره ومن وجود المواقد أو فقدانها وأخيرا من الأدلة التي تقدمها النشاطات الفنية، إلا أن البقايا الآثارية المتعلقة بكل ما ذكر هي بعيدة أيضا من أن تكون حاسمة.

تكون الأدوات الحجرية المنحوتة والصخور الأصلية، التي قطعت منها، من أغزر المخلفات الآثارية في المواقع الباليوليتية. وقد صنف العالم الفرنسي الراحل <H.F. بورد> أدوات الباليوليتي الأوسط، كما فسر الاختلافات الملاحظة على مجموعاتها بوجود عدة قبائل بشرية في عصور ما قبل التاريخ. وقد عارض <R.L. بينفورد> الاستنتاج الذي توصل إليه بورد وبيّن أن أفراد البشر في الباليوليتي الأوسط كانوا يؤلفون ـ على الأرجح ـ جماعة واحدة، ولكنهم كانوا يستخدمون أدوات حجرية مختلفة لإنجاز مهام مختلفة.

أدى هذا النقاش إلى إجراء أبحاث مجهرية دامت عقدين من الزمن صُنعت خلالها أدوات واستخدمت لإنجاز أعمال مختلفة ثم قارن الباحثون بعد ذلك شكل التآكل الناتج مع شكله الملاحظ على الأدوات القديمة. ومع ذلك فقد أخفقت هذه الدراسة في الكشف عن الأهداف التي صنعت من أجلها أدوات الموستيري. وفي معظم الحالات لم يعثر على علاقة بين شكل الأداة والعمل الذي صُنعت من أجله. وعلى الرغم من وجود استثناءات من هذه القاعدة فمن الواضح أن المحكّات scrapers، وهي الأدوات التي كانت سائدة، قد أنجزت الكثير من المهام المختلفة.

إن أحد الاستدلالات السلوكية الذي يمكن استنباطه من دراسة بقايا الأدوات هو استنتاج أن هؤلاء البشر كانوا يخططون مقدما لأعمالهم. فقد بينت الدراسات أنهم كانوا يميزون الأحجار الجيدة من غيرها ويقطعون المسافات البعيدة للحصول عليها.

وكانوا لا يستغنون عن الأدوات الحجرية الجيدة إلا بعد استعمال طويل، بينما كانوا لا يترددون ـ في الكثير من الأحيان ـ في الاستغناء عن الأدوات الرديئة مباشرة على الرغم من الجهود التي بذلوها في العثور عليها وتصنيعها واستعمالها.

ونظرا لأن بلاد المشرق غنية ـ بصورة عامة ـ بصخر الصوان flint، لم تكن شعوب الباليوليتي الأوسط في هذه المنطقة تقطع سوى بضعة كيلو مترات للحصول على قطع صوانية عالية الجودة. وكانوا يصنعون منها أدواتهم في الموقع نفسه أحيانا، وغالبا ما كانوا يحملونها إلى مغاراتهم. وفي كلتا الحالتين كانوا ينجزون الشكل المرغوب، بمتابعة تشظية القطع الصوانية لجعلها حادة وقاطعة. وبعد استخدام الأدوات المصنعة كانوا يعيدون شحذها بين حين وآخر. إن هذه السلسلة الكاملة من العمليات تكون دليلا على تخطيط طويل الأمد وهذا من مزايا البشر.

إن الدلائل الواضحة على عمليات الدفن المقصود في مغارات قفزة وسخول وعمود وكيبارا، ووجود الأصداف البحرية مثقوبة في مغارتي سخول وقفزة، وكذلك وجود المغرة الحمراء المستخدمة في هاتين المغارتين وفي مغارة هايونيم، كلها تؤكد وجود سلوك بشري. كما أن العظم اللامي بمظهره الحديث في إنسان نياندرتال الذي عثر عليه في مغارة كيبارا يوحي بأن اللغة المنطوقة قد تطورت.

كما أنه كان لدى البشر في الباليوليتي الأوسط مقوِّمات التحديث modernity ولكن سرعة الابتكار كانت بطيئة جدا.

هذا ولا بد في آخر الأمر، لحل المسألة المتعلقة بالنشوء النوعي phylogenetic للبشر من دراسة الدنا المستخلص من عظام بشرية جيدة الحفظ. غير أن دراسة النشوء النوعي لا تفسر سبب التغير الحضاري الذي حدث في العهد الباليوليتي الأعلى. ولحل هذه المشكلة يتعين على الباحثين أن يستدلوا على التغيرات في سلوك البشر من اقتفاء الآثار القليلة الموجودة في السجل الصخري.

ولا بد للجيولوجيين والمتخصصين في علم الأشكال المجهرية والخبراء الآخرين أن يوحدوا جهودهم من أجل تمييز آثار النشاطات البشرية من الآثار التي تركتها الحيوانات والعوامل الطبيعية الأخرى. ولا بد بعد ذلك لعلماء الآثار من أن يصفوا أدوات مواقع سكن البالوليتي الأوسط والأعلى وأن يبحثوا في الفروق عن بعض العلامات للتغيرات التي قادت إلى توالي الابتكارات بسرعة. إن عالم الآثار لما قبل التاريخ، (شأنه في ذلك شأن المؤرخ الذي لا يستطيع تفسير الثورة الصناعية دون الرجوع إلى القرن الثامن عشر) لا يمكنه أن يعلل التقدم التقاني المفاجئ الذي حدث قبل 40000 سنة قبل أن يحل أولا لغز “الحياة في الموستيري”.


 المؤلفان

Bernard Vandermeersch – Ofer Bar – Yosef

يشرفان معا على مشروع التنقيب متعدد الاختصاصات في مغارات قفزة وكيبارا وهايونيم في فلسطين. بار ـ يوسف هو أستاذ علم الآثار لما قبل التاريخ في متحف پيبدي بجامعة هارفارد. لقد تدرب في جامعة القدس وأشرف على العديد من الحفريات في مواقع باليوليتية ونيوليتية. وتتركز اهتماماته حول أصل الإنسان الحديث وانتقاله إلى مرحلة الزراعة. أما فاندرميرش فهو أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة بوردو الأولى. لقد درّس سابقا عدة سنوات في جامعة بيير وماري كوري في باريس. تتركز أبحاثه حول بيولوجية البشر والتغير الحضاري أثناء البليستوسين الأعلى.


مراجع للاستزادة

PALEOANTHROPOLOGY. M. H. Wolpoff. Alfred A. Knopf, 1980.

THE SHANIDAR NEANDERTALS. E. Trinlcaus. Academic Press, 1983.

WESTERN ASIA. E. Trinkaus in The Origins of Modern Humans: A World Survey of the Fossil Evidence. Edited by F. H. Smith and F. Spencer. Alan R. Liss, 1984.

THERMOLUMWESCENCE DATING OF MOUSTERIAN ‘PROTO-CRO-MAGNON’ REMAINS FROM ISRAEL AND THE ORIGIN OF MODERN MAN. H. Valladas, J. L. Reyss, J. L. Joron, G. Valladas, O. Bar-Yosef and B. Vandermeersch in Nature, Vol. 331, No. 6157, pages 614-616; February 18, 1988.

ELECTRON SPIN RESONANCE DATING AND THE EVOLUTION OF MODERN HUMANS. R. Grim and C. B. Stringer in Archaeometry, Vol. 33, Part 2, pages 153-199; August 1991.

Scientific American, April 1993

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: