Professeur docteur oussama chaalane

الحرية الدينية منصوص عليها في القرآن الكريم لقوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ يونس: 99 ونجدها أيضًا في قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ الكهف: 29 هذا فيما يتعلق بحرية الاعتقاد، أما التعامل مع أهل الأديان الأخرى فهو تعامل سمحٌ طيب كريم، يقول الرسول ³ ( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا ). سنن ابن ماجه في باب الديات. ويقول الله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ العنكبوت: 46 بل إن الله ليوصي خيرًا في مجال التعامل مع المشركين الذين هم ليسوا بأهل كتاب فيقول تعالى: ﴿وإنْ أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ التوبة: 6 فالدين الإسلامي نموذج ممتاز للحرية الدينية في علاقته بالأديان والمعتقدات الأخرى، فيما لا يضر بالمجتمع المسلم أو يسيء إلى أفراده

أما بالنسبة للمسلم فليس هنالك حرية دينية وإنما هي واجبات يلتزم بها المسلم من يوم قبوله الدخول في الدين، ومنها ما هو ملزم للفرد ومنها ما هو ملزم للجماعة. فلفظ الحرية الدينية إذن ـ من خلال التصور الإسلامي ـ يقصد به حياة الفرد ودينه قبل دخوله الإسلام. أما إذا دخل الإنسان الإسلام أو كان في الأصل مسلمًا، فقد وجب عليه التقيد بمسار التوجيهات والتعاليم والشرائع والمناهج الإسلامية التي حددها الشرع وفصَّلتها السنَّة، ومن هنا بنى بعض العلماء فهمهم للآية الكريمة ﴿ لا إكراه في الدين …﴾ البقرة: 256 على أن الإكراه هو قبل دخول الدين وليس بعد الدخول فيه وإقامة شعائره ونسكه، فمن دخل الدين الإسلامي فلا حرية له في الردة عنه.

إن حرية العقيدة مثل جميع الحقوق ليست مطلقة، فدرجة الحرية الدينية التي يتمتع بها الناس تختلف من بلد إلى آخر. وتمنع معظم الدول الممارسات الدينية التي تضر الناس أو التي يُعتقد أنها تهدد أو تُخرب المجتمع. فمعظم الحكومات مثلاً تمنع التضحية بالإنسان.

وقد كان الناس على مر التاريخ يُضطهدون بسبب معتقداتهم الدينية، ومن المحتمل أن إنكار حرية الدين ينبع من مصدرين رئيسيين أحدهما شخصي، والآخر سياسي. فالدين يمس أعمق المشاعر لدى كثير من الناس. وقد أدت الآراء الدينية القوية إلى عدم التسامح بين العقائد المختلفة. وترتبط بعض الحكومات بدين واحد وتَعُد الناس الذين يعتنقون أديانًا أخرى تهديدًا للسلطة السياسية. وقد تعتقد أن الدين خطر سياسي لأن الأديان تضع الولاء لله فوق طاعة الدولة.

في الغرب، سببت مسألة الأخلاق العديد من الصراعات بين الكنيسة والدولة. ويُعنى كل من الدين والحكومة بالأخلاق، فهما يعملان بانسجام إذا ما اتفقت الأهداف الأخلاقية التي تُقرها الدولة مع تلك التي تنادي بها الكنيسة، ولكن التنافر ينتج إذا تباينت آراؤهما عن الأخلاق. لذا تضاربت مصالح الكنيسة والدولة مما جعل الفصل بين الدين والدولة واجبًا، وبسبب هذا التضارب رفضت أوروبا الدين أصلاً، ونشأت بذور العلمانية الحديثة التي كان لها أثر واضح في كل تعاملاتهم. والمفروض أنه لا يرد مثل هذا الاختلاف في الإسلام، إذ إن مفهوم الأخلاق واحد راسخ في الكتاب والسنَّة الملزمين للمسلم حاكمًا ومحكومًا، كما أنه لايجوز فصل الدين عن الدولة في مفهوم الإسلام.

لم تكن الممارسات الدينية مسموحًا بها في المجتمعات الغربية بل كانت ممنوعة في بعض الدول التي يحكم فيها الطغاة. فقبل الثمانينيات من القرن العشرين، على سبيل المثال، قامت حكومات عدد من الدول الأوروبية الشيوعية باضطهاد المتدينين على مدى واسع، فالولاء الأكبر لدى الفرد في اعتقادهم يكون للشيوعية وليس لذات عليا. وبالرغم من أنهم لا يتظاهرون بتحريم الأديان كلية فإنهم يجعلون الأمر صعبًا على الناس في أن يمارسوا أي عقيدة. وفي أواخر الثمانينيات من القرن العشرين خفف القادة السوفييت معارضتهم للدين، فقد أَتَتْ الثورات الديمقراطية في شرق أوروبا بحكومات إصلاح بدلاً من الحكومات الشيوعية وسهلت هذه الحكومات الجديدة ممارسة الدين هناك خلال التسعينيات من القرن العشرين.

وفي بعض الدول التي لها دين رسمي، أو التي ينتمي الناس فيها لعقيدة واحدة، فإنه لا يكون للعقائد الأخرى أي حرية دينية. لكن كل الدول الإسلامية التي تتبع الإسلام وتعمل به وتحكمه في حياتها شريعة ومنهاجًا تتيح قدرًا من الحرية الدينية لا مثيل له في الديانات الأخرى. وكذلك فإن بعض الدول مثل بريطانيا والسويد، وفيهما دين رسمي تسمحان بحرية العبادة للجماعات الدينية الأخرى. وفي بعض الدول التي ليس لها دين رسمي قد يكون أعضاء الأقليات الدينية في حالة اقتصادية واجتماعية سيئة، فالأقليات الإسلامية في بعض بلاد العالم تلاقي حجرًا شديدًا على حريتها الدينية وتخضع لتقييد شديد على حق أفرادها في الوظائف والتعليم، وسلب لحقوق التملُّك وأموال الأوقاف. ويبدأ الحجر بمنعهم من استخدام الأسماء العربية وينتهي بنزع ملكياتهم، وقد يمتد إلى إزهاق الأرواح. والكاثوليك الرومانيون في أيرلندا الشمالية، حيث الغالبية العظمى فيها بروتستانت، يشكون من مثل هذه المعاملة غير العادلة.

نبذة تاريخية. سمحت شعوب قديمة كثيرة بحرية دينية واسعة المدى، وقد كانت هذه الشعوب تعبد آلهة كثيرة، وكانت تقبل المجموعات التي تعبد آلهة جديدة. أما أصحاب الديانات السماوية، فقد لاقوا صعوبات جمة وسط عبدة الأوثان، لأنهم يعبدون إلهًا واحدًا ويؤمنون بأن ولاءهم لله أسمى من ولائهم لأي حام أو دولة.

خلال العصور الوسطى الممتدة من القرن السادس الميلادي إلى القرن السادس عشر الميلادي، سيطرت الكنيسة الكاثوليكية على أوروبا، وسمحت بالقليل من الحرية الدينية. واضطهدت الكنيسة المسلمين، وكانت تعاقب الناس على أية مخالفة لتعاليمها. وفي عام 1415م، أحرق النصراني الديني البوهيمي جون هس بعد ربطه إلى عمود وذلك لتحديه سلطة البابا. وعلى العكس من ذلك، ففي أواخر القرن السادس عشر الميلادي سمح الإمبراطور الهندي المسلمأكبر للنصارى والهندوس أن يُمارسوا معتقداتهم علنًا.

وقد أسفرت حركة الإصلاح الديني النصرانية التي حدثت في أوائل القرن السادس عشر الميلادي عن ظهور البروتستانتية. ولكن الكنيسة الكاثوليكية والحكام الكاثوليك، اضطهدوا جماعات البروتستانت في أوروبا. وقد اضطهدت كثير من المذاهب البروتستانتية الكاثوليك، وكذلك مذاهب بروتستانتية أخرى. أما الناس الذين كانوا يريدون الحرية الدينية فقد هاجروا من أوروبا إلى الأرض الجديدة في أمريكا. وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أدى تنوع الديانات الذي نتج عن حركة الإصلاح إلى زيادة التسامح الديني بين الطوائف النصرانية. ويزعم اليهود أنه في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين قتل النازيون الألمان مجموعة منهم، وترتفع أصوات في الغرب في الوقت الحاضر مدعومة بالأسانيد التاريخية والأبحاث الأثرية داحضة هذا الزعم.

 

 

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: