Professeur docteur oussama chaalane

Archive for مارس 5, 2010

أفلاطون : Πλάτων Plátōn

(عاش بين 427 ق.م – 347 ق.م) فيلسوف يوناني قديم, وأحد أعظم الفلاسفة الغربيين, حتى ان الفلسفة الغربية اعتبرت انها ماهي الا حواشي لأفلاطون.عرف من خلال مخطوطاته التي جمعت بين الفلسفة والشعر والفن.كانت كتاباته على شكل حوارات ورسائل وإبيغرامات (ابيغرام: قصيدة قصيرة محكمة منتهيه بحكمه وسخرية).

يعرف أرسطو الفلسفة بمصطلحات ، فيعرفها قائلا أنها علم الجوهر الكلي لكل ما هو واقعي . في حين يحدد أفلاطون الفلسفة بأنها عالم الأفكار قاصدا بالفكرة الأساس اللاشرطي للظاهرة .

بالرغم من هذا الإختلاف فإن كلا من المعلم و التلميذ يدرسان مواضيع الفلسفة من حيث علاقتها بالكلي ، فأرسطو يجد الكلي في الأشياء الواقعية الموجودة في حين يجد أفلاطون الكلي مستقلا بعيدا عن الأشياء المادية ، و علاقة الكلي بالظواهر و الأشياء المادية هي علاقة المثال ( المثل ) و التطبيق . الطريقة الفلسفية عند أرسطو كانت تعني الصعود من دراسة الظواهر الطبيعية وصولا إلى تحديد الكلي و تعريفه ، أما عند أفلاطون فكانت تبدأ من الأفكار و المثل لتنزل بعد ذلك إلى تمثلات الأفكار و تطبيقاتها على أرض الواقع.

أفلاطون هو أرسطوقليس، الملقَّب بأفلاطون بسبب ضخامة جسمه، وأشهر فلاسفة اليونان على الإطلاق. ولد في أثينا في عائلة أرسطوقراطية. أطلق عليه بعض شارحيه لقب “أفلاطون الإلهي”. يقال إنه في بداياته تتلمذ على السفسطائيين وعلى كراتيلِس، تلميذ هراقليطس، قبل أن يرتبط بمعلِّمه سقراط في العشرين من عمره. وقد تأثر أفلاطون كثيرًا فيما بعد بالحُكم الجائر الذي صدر بحقِّ سقراط وأدى إلى موته؛ الأمر الذي جعله يعي أن الدول محكومة بشكل سيئ، وأنه من أجل استتباب النظام والعدالة ينبغي أن تصبح الفلسفة أساسًا للسياسة. وهذا ما دفع فيلسوفنا للسفر إلى مصر، ثم إلى جنوب إيطاليا، التي كانت تُعتبَر آنذاك جزءًا من بلاد اليونان القديمة. وهناك التقى بـالفيثاغوريين. ثم انتقل من هناك إلى صقلية حيث قابل ديونيسوس، ملك سيراكوسا المستبد، على أمل أن يجعل من هذه المدينة دولة تحكمها الفلسفة. لكنها كانت تجربة فاشلة، سرعان ما دفعته إلى العودة إلى أثينا، حيث أسَّس، في حدائق أكاديموس، مدرسته التي باتت تُعرَف بـأكاديمية أفلاطون. لكن هذا لم يمنعه من معاودة الكرة مرات أخرى لتأسيس مدينته الفاضلة في سيراكوسا في ظلِّ حكم مليكها الجديد ديونيسوس الشاب، ففشل أيضًا في محاولاته؛ الأمر الذي أقنعه بالاستقرار نهائيًّا في أثينا، حيث أنهى حياته محاطًا بتلاميذه. فلسفته:

أوجد أفلاطون ما عُرِفَ من بعدُ بطريقة الحوار، التي كانت عبارة عن دراما فلسفية حقيقية، عبَّر من خلالها عن أفكاره عن طريق شخصية سقراط، الذي تمثَّله إلى حدِّ بات من الصعب جدًّا، من بعدُ، التمييز بين عقيدة التلميذ وعقيدة أستاذه الذي لم يخلِّف لنا أيَّ شيء مكتوب. هذا وقد ترك أفلاطون كتابةً ثمانية وعشرين حوارًا، تتألق فيها، بدءًا من الحوارات الأولى، أو “السقراطية”، وصولاً إلى الأخيرة، حيث شاخ ونضج، صورة سقراط التي تتخذ طابعًا مثاليًّا؛ كما تتضح من خلالها نظريته في المُثُل، ويتم فيها التطرق لمسائل عيانية هامة.

تميِّز الميتافيزياء الأفلاطونية بين عالمين: العالم الأول، أو العالم المحسوس، هو عالم التعددية، عالم الصيرورة والفساد. ويقع هذا العالم بين الوجود واللاوجود، ويُعتبَر منبعًا للأوهام (معنى استعارة الكهف) لأن حقيقته مستفادة من غيره، من حيث كونه لا يجد مبدأ وجوده إلا في العالم الحقيقي للـمُثُل المعقولة، التي هي نماذج مثالية تتمثل فيها الأشياء المحسوسة بصورة مشوَّهة. ذلك لأن الأشياء لا توجد إلاَّ عبر المحاكاة والمشاركة، ولأن كينونتها هي نتيجة ومحصلِّة لعملية يؤديها الفيض، كـصانع إلهي، أعطى شكلاً للمادة التي هي، في حدِّ ذاتها، أزلية وغير مخلوقة (تيميوس).

هذا ويتألف عالم المحسوسات من أفكار ميتافيزيائية (كالدائرة، والمثلث) ومن أفكار “غير افتراضية” (كالحذر، والعدالة، والجمال، إلخ)، تلك التي تشكِّل فيما بينها نظامًا متناغمًا، لأنه معماري البنيان ومتسلسل بسبب وعن طريق مبدأ المثال السامي الموحَّد الذي هو “منبع الكائن وجوهر المُثُل الأخرى”، أي مثال الخير.

لكن كيف يمكننا الاستغراق في عالم المُثُل والتوصل إلى المعرفة؟ في كتابه فيدروس، يشرح أفلاطون عملية سقوط النفس البشرية التي هَوَتْ إلى عالم المحسوسات – بعد أن عاشت في العالم العلوي – من خلال اتحادها مع الجسم. لكن هذه النفس، وعن طريق تلمُّسها لذلك المحسوس، تصبح قادرة على دخول أعماق ذاتها لتكتشف، كالذاكرة المنسية، الماهية الجلية التي سبق أن تأمَّلتها في حياتها الماضية: وهذه هي نظرية التذكُّر، التي يعبِّر عنها بشكل رئيسي في كتابه مينون، من خلال استجواب العبد الشاب وملاحظات سقراط الذي “توصل” لأن يجد في نفس ذلك العبد مبدأً هندسيًّا لم يتعلَّمه هذا الأخير في حياته.

إن فنَّ الحوار والجدل، أو لنقل الديالكتيكا، هو ما يسمح للنفس بأن تترفَّع عن عالم الأشياء المتعددة والمتحولة إلى العالم العياني للأفكار. لأنه عن طريق هذه الديالكتيكا المتصاعدة نحو الأصول، يتعرَّف الفكر إلى العلم انطلاقًا من الرأي الذي هو المعرفة العامية المتشكِّلة من الخيالات والاعتقادات وخلط الصحيح بالخطأ. هنا تصبح الرياضيات، ذلك العلم الفيثاغوري المتعلق بالأعداد والأشكال، مجرد دراسة تمهيدية. لأنه عندما نتعلَّم هذه الرياضيات “من أجل المعرفة، وليس من أجل العمليات التجارية” يصبح بوسعنا عن طريقها “تفتيح النفس […] للتأمل وللحقيقة”. لأن الدرجة العليا من المعرفة، التي تأتي نتيجة التصعيد الديالكتيكي، هي تلك المعرفة الكشفية التي نتعرَّف عن طريقها إلى الأشياء الجلية.

لذلك فإنه يجب على الإنسان – الذي ينتمي إلى عالمين – أن يتحرر من الجسم (المادة) ليعيش وفق متطلبات الروح ذات الطبيعة الخالدة، كما توحي بذلك نظرية التذكُّر وتحاول البرهنة عليه حجج فيدون. من أجل هذا يجب على الإنسان أن يعيش على أفضل وجه ممكن. فمعرفة الخير هي التي تمنعه من ارتكاب الشر. ولأنه “ليس أحد شريرًا بإرادته” فإن الفضيلة، التي تقود إلى السعادة الحقيقية، تتحقق، بشكل أساسي، عن طريق العدالة، التي هي التناغم النفسي الناجم عن خضوع الحساسية للقلب الخاضع لحكمة العقل. وبالتالي، فإن هدف الدولة يصبح، على الصعيد العام، حكم المدينة المبنية بحيث يتَّجه جميع مواطنيها نحو الفضيلة.

هذا وقد ألهمت مشاعية أفلاطون العديد من النظريات الاجتماعية والفلسفية، بدءًا من يوطوبيات توماس مور وكامبانيلا، وصولاً إلى تلك النظريات الاشتراكية الحديثة الخاضعة لتأثيره، إلى هذا الحدِّ أو ذاك. وبشكل عام فإن فكر أفلاطون قد أثَّر في العمق على مجمل الفكر الغربي، سواء في مجال علم اللاهوت (اليهودي والمسلم والمسيحي) أو في مجال الفلسفة العلمانية التي يشكِّل هذا الفكر نموذجها الأول.

مؤلَّفاته
المأدبة أو “في الحب”: يبيِّن هذا الحوار، الذي جرى تأليفه في العام 384 ق م، كيف أن ولوج الحقيقة يمكن أن يتم بطرق أخرى غير العقل، وليس فقط عن طريقه: لأن هناك أيضًا وظيفة للـقلب، تسمح بالانتقال من مفهوم الجمال الحسِّي إلى مفهوم الجمال الكامل للمثال الجلي.

والقصة هي قصة الشاعر أغاثون الذي أقام في منزله مأدبة للاحتفال بنجاح أول عمل مسرحي له. وفي هذه المأدبة طُلِبَ من كلِّ المدعوين، ومن بينهم سقراط، أن يلقوا كلمة تمجِّد إله الحب – وخاصة أريستوفانيس الذي طوَّر أسطورة الخنثى البدئية. ويقوم سقراط، انطلاقًا من تقريظ الجمال، بمحاولة لتحديد طبيعة الحب، متجنبًا الوقوع في شرك الجدال، متمسِّكًا فقط بالحقيقة. فيستعيد كلمات ديوتيما، كاهنة مانتيني، للتأكيد على أن الحب هو عبارة عن “شيطان” وسيط بين البشر وبين الآلهة؛ لأنه في آنٍ معًا كابن للفقر (أو الحاجة) – بسبب كونه رغبة لما ينقصه – وابن للثروة – بسبب كونه “شجاعًا، مصممًا، مضطرمًا، و… واسع الحيلة” – فإنه (أبا الحب) يحاول دائمًا امتلاك الخير والهناءة بمختلف الطرق، بدءًا من الفعل الجنسي الجسدي وصولاً إلى النشاط الروحي الأسمى. فـالديالكتيكا المترقِّية ترفعنا من حبِّ الجسد إلى حبِّ النفوس الجميلة، لتصل بنا أخيرًا إلى حبِّ العلم. لأنه، وبسبب كونه رغبةً في الخلود وتطلعًا إلى الجمال في ذاته، يقودنا الحبُّ الأرضي إلى الحبِّ السماوي. وهذا هو معنى ما سمِّيَ فيما بعد بـالحب الأفلاطوني، الذي هو الحب الحقيقي، كما يوصلنا إليه منطق المأدبة. إن أهمية هذا الحوار – الذي هو أحد أجمل الحوارات – لم تتدنَّ خلال تاريخ الفلسفة كلِّه: حيث نجد صداه، مثلاً، في العقيدة المسيحية للقديس أوغسطينوس، الذي كان يعتقد بأن “كلَّ فعل محبة هو، في النهاية، حب للإله”.

فيدون أو “في الروح”: يدور هذا الحوار في الحجرة التي كان سقراط ينتظر الموت فيها. لأن الحضور، وانطلاقًا مما كان يدَّعيه بأن الفيلسوف الحقيقي لا يخشى الموت، يدعو المعلِّم لكي يبرهن على خلود النفس. وهنا، يجري بسط أربع حجج أساسية:

الحجة الأولى، التي تستند إلى وجود المفارقات، تقول إنه، انطلاقًا من الصيرورة المستمرة للأشياء، ليس في وسعنا فهم شيء ما (النوم مثلاً) دون الاستناد إلى نقيضه (اليقظة ليس حصرًا). ولأن الموت يبيِّن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الآخرة، فإنه من المنطقي الاعتقاد بأن “الولادة من جديد” تعني الانتقال منه إلى الحياة. وبالتالي، إذا كانت النفس تولد من جديد، فإن هذا يعني أن التقمص حقيقة واقعة.

أما الحجة الثانية، فهي تستند إلى تلك الأفكار التي ندعوها بـالذكريات. لأن ما نواجهه في العالم الحسِّي إنما هو أشياء جميلة، لكنها ليست هي الجمال. لذلك ترانا نحاول تلمس هذا الأخير من خلال تلك الأشياء، التي، باستحضارها، تعيدنا حتمًا إلى لحظات من الحياة فوق الأرضية كانت روحنا فيها على تماس مباشر مع الطهارة.

وتقول الحجة الثالثة إنه يمكن شَمْلُ كلِّ ما في الوجود ضمن مقولتين اثنتين: المقولة الأولى تضم كلَّ ما هو مركَّب (وبالتالي ممكن التفكك) أي المادة؛ والمقولة الأخرى التي تشمل ما هو بسيط (أي لا يمكن تفكيكه)، كجزء مما هو مدرَك، أي الروح.

وعندما يلاحظ كيبيوس بأن سقراط، الذي برهن على إمكانية انتقال الروح من جسم إلى آخر، لم يبرهن على خلود هذه الأخيرة في حدِّ ذاتها، يجيبه سقراط من خلال عرض مسهب، يتطرق فيه إلى نظرية المُثُل، حيث يبيِّن في نهايته أن الروح لا تتوافق مع الموت لأنها من تلك العناصر التي ليس بوسعها تغيير طبيعتها.

وينتهي الحوار بعرض طويل لمفهومي العالم العلوي والمصير الذي يمكن أن تواجهه النفس: حيث ترتفع النفوس الأكمل نحو عالم علوي، بينما ترسب النفوس المذنبة في الأعماق السفلى. وتكون كلمات سقراط الأخيرة هي التي مفادها بأنه مدين في علمه لأسكليبيوس (إله الطب والشفاء) – من أجل تذكيرنا رمزيًّا بأنه يجب علينا شكر الإله الذي حرَّره من مرض الموت.

الجمهورية أو “في العدالة”: يشكل هذا الحوار، المجموع في عشر كتيبات تمت خلال عدة سنوات (ما بين أعوام 389 و369 ق م)، العمل الرئيسي لأفلاطون المتعلِّق بـالفلسفة السياسية.

يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة استنادًا إلى ما قاله عنها سيمونيدِس، أي “قول الحقيقة وإعطاء كلِّ شخص حقه”. هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم، بالتالي، أسوأ وأظلم. كذلك أيضًا يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن “العدل” هو ما ينفع الأقوى.

ونصل مع أفلاطون إلى التمعُّن في مفهوم الدولة العادلة – تلك التي تعني “الإنسان مكبَّرًا” – القائمة على مشاعية الأملاك والنساء، اللواتي لا يكون التزاوج معهن انطلاقًا من الرغبات الشخصية، إنما استنادًا لاعتبارات النسل – تلك المشاعية الخاضعة لمفهوم التقشف الصحي، أي المعادي للبذخ؛ تلك الدولة القائمة على التناغم والمستندة إلى فصل صارم بين طبقاتها الأساسية الثلاث التي هي: طبقة الفلاسفة أو القادة، وطبقة الجنود، وطبقة الصنَّاع – والتي هي على صورة التوازن القائم بين المكونات الثلاث للنفس الفردية. ونلاحظ هنا، من خلال العرض، أن الطبقة الدنيا (أو طبقة الصنَّاع) لا تخضع لمتطلَّبات الملكية الجماعية لأنها لن تفهمها انطلاقًا من مستوى إدراكها.

ويفترض سقراط أنه على رأس هذه الدولة يجب وضع أفضل البشر. من هنا تأتي ضرورة تأهيلهم الطويل للوصول إلى الفهم الفلسفي للخير الذي يعكس نور الحقيقة وينير النفس، كما تنير الشمس أشياء عالمنا (استعارة الكهف).

ذلك لأن الظلم يشوِّه، بشكل أو بآخر، كافة الأشكال الأخرى من الدول، التي يعدِّدها أفلاطون كما يلي: الدولة التيموقراطية (التي يسود فيها الظلم والعنف)، الدولة الأوليغارخية (حيث الطمع الدائم واشتهاء الثروات المادية)، الدولة الديموقراطية (حيث تنفلت الغرائز وتسود ديكتاتورية العوام)، وأخيرًا، دولة الاستبداد، حيث يكون الطاغية بنفسه عبدًا لغرائزه، وبالتالي غير عادل.

وأخيرًا فإن هذا المفهوم نسبي لأن العدالة لن تتحقق بالكامل، كما تصف ذلك أسطورة إرْ، إلا في حياة مستقبلية أخرى: حيث النفوس، وقد حازت على ما تستحقه من ثواب أو عقاب، تعود لتتجسد من جديد، ناسية ذكرى حياتها الماضية.

وجهات من حياته
1- المعلم

لقد تأثر أفلاطون نفسه بالمبادئ الكلبية. وشاهد ذلك أنه يصف في المقالة الثانية من الجمهورية(59) مدينة فاضلة تعيش عيشة فطرية شيوعية؛ ونستشف من هذا الوصف عطفه على هذه المدينة وحبه إياها. نعم إنه يكتفي بقبولها ولا يدعو إليها، ويصور دولة “في الدرجة الثانية بعدها”، ولكنه حين يعمد إلى تصوير ملوكه – الفلاسفة نستشف في هذه الصورة الحلم الكلبي، فنجد رجالاً لا أملاك لهم ولا زوجات، يستمسكون بالحياة البسيطة والفلسفة الراقية، قد استحوذوا على حصن أجمل خيال في تاريخ اليونان. وكانت الخطة التي رسمها أفلاطون لإيجاد أرستقراطية شيوعية محاولة باهرة من رجل محافظ ثري للتوفيق بين احتقاره للديمقراطية وبين مثالية زمانه المتطرفة.

وكان ينتمي إلى أسرة يرجع أصلها من ناحية أمه إلى صولون ومن ناحية أبيه إلى ملوك أثينة الأولين، بل لقد ذهب بعضهم إلى أنها ترجع من هذه الناحية إلى بسيدن إله البحروكانت أمه أخت خرميدس وابنه أخ أقريتياس، ومن أجل هذا يكاد كره الديمقراطية أن يكون متأصلاً في دمه. وقد سمى أرستقليس أي الأحسن الشهير- وبرع الشاب في جميع نواحي الحياة تقريباً، فنبغ في الموسيقى، والرياضيات، والبلاغة والشعر. وافتتنت النساء، والرجال بلا ريب، بجمال طلعته؛ وصارع في الألعاب البرزخية، ولقبوه من قبيل السخرية فلاطون أي العريض لامتلاء جسمه وقوة بنيته؛ وحارب في ثلاثة معارك، ونال جائزة في الشجاعةوكتب فكاهات شعرية، وغزلاً، ومأساة رباعية ؛ وبينما كان يتردد بين الشعر والسياسة لا يعرف أيهما يختار طريقاً له في الحياة، إذ افتتن وهو في سن العشرين بسقراط؛ وما من شك في أنه كان يعرف من قبل، لأن الفيلسوف الكبير كان صديقاً لخاله خرميدس؛ ولكنه لما بلغ هذه السن كان يستطيع أن يفهم تعاليم سقراط ويستمتع بمنظر الرجل الشيخ وهو يقذف بأفكاره في الهواء كالبهلوان، مرتكزاً على أسنة أسئلته. فما كان منه إلا أن أحرق قصائده، ونسي يوربديز والألعاب الرياضية، والنساء، وتبع المعلم الشيخ كأنه سحره أو نومه تنويماً مغناطيسياً. ولعله كان يكتب مذكرات في كل يوم، لأنه كان يشعر كما يشعر الفنان المرهف الحس بما لهذا الشيخ البطين المشوه المحبوب من شأن عظيم في مستقبل الأيام.

ولما بلغ أفلاطون الثالثة والعشرين من عمره شبت ثورة المحافظين في عام 404 بقيادة جماعة من أقربائه، وشهد أيام الإرهاب الألجركي العصيبة، وشجاعة سقراط في تحدي الثلاثين، وموت أقريتياس وخرميدس، وعودة الديمقراطية، ومحاكمة سقراط وموته. وبدا العالم كله يتصدع ويتهدم حول هذا الشاب الذي كان من قبل لا يتطرق الهم إلى قلبه، ففر من أثينة التي بدت في نظره كأنها مأوى الشياطين، ووجد بعض الراحة في ميغارا في بيت إقليدس، ثم في قورينا ولعله كان فيها مع أرستبوس. ويظهر أنه سافر منها إلى مصر حيث درس على الكهنة العلوم الرياضية والمعارف التاريخية الشعبيةونراه مرة أخرى في أثينة حوالي عام 395، وبعد عام من ذلك الوقت حارب دفاعاً عن كورنثة. وبدأ أسفاره مرة أخرى حوالي عام 387، ودرس فلسفة فيثاغورس مع أرخيتاس في تاراس ومع تيماس في لكري، ثم انتقل إلى صقلية ليشاهد بركان إتنا، وارتبط برباط الصداقة مع ديون طاغية سراقوصة، وقُدّم لدنيسوس الأول، وبِيعَ بَيْعَ الرقيق، ثم عاد سالماً إلى أثينة في عام 386. ولما رفض أنسريس الثلاثة آلاف درخمة التي جمعها أصدقائه ليفتدوه بها، ابتاع له هؤلاء الأصدقاء بهذا المال أيكة للتنزه في ضاحية من ضواحي المدينة وأطلقوا عليها اسماً مشتقاً من إلهها المحلي أكديموس ، وفيها أنشأ أفلاطون الجامعة التي قُدِر لها أن تكون فيما بعد مركز بلاد اليونان العقلي تسعمائة عام كاملة .

وكان المجمع العلمي (الأكاديمية) من الناحية الفنية إخوة دينية (ثاسيوس ) مخصصاً لعبادة ربات الشعر والفن، ولم يكن الطلاب يؤدون فيه أجوراً عن التعليم، ولكنهم كانوا في الغالب من أبناء الأسر الغنية، ولذلك كان يُنتظر من آبائهم أن يهبوا المعهد هبات قيمة। وفي ذلك يقول سويداس إن الأغنياء ” كانوا يوصون قبل وفاتهم لأعضاء المدرسة بما يكفل لهم أن يحيوا حياة الفلاسفة غير مضطرين إلى العمل لكسب أقواتهمويقال إن دنيسوس الثاني وهب المعهد ثمانين وزنة (000ر480 ريال أمريكي)- وفي هذا ما قد يفسر صبر الفيلسوف على هذا الملك। وكان الشعراء الفكهون في ذلك الوقت يهجون الطلاب بقولهم إنهم أشخاص متصنعون في أخلاقهم متطرفون في ملابسهم – ذوو قلانس رشيقة وعصي، وستر قصيرة أو أردية جامعيةألا ما أقدم تقاليد إيتن والأثواب الجامعية السوداء! وكانت النساء يُقبلن في المجمع مع الرجال، لأن أفلاطون بقي من هذه الناحية متطرفاً في أفكاره تطرفاً جعله من أقوى أنصار المرأة، وكانت أهم موضوعات الدرس هي العلوم الرياضية والفلسفة، وقد كُتِب على مدخل المجمع هذا التحذير: “لن يدخل هذا المكان إنسان بلا هندسة”؛ ولعل قدراً كبيراً من الحساب كان من شروط القبول في المجمع. وكان معظم ما حدث من التقدم في العلوم الرياضية في القرن الرابع على أيدي رجال ممن درسوا فيه. وكان منهاج الرياضة يشمل الحساب (نظرية العدد) والهندسة الراقية، والفلك، “والموسيقى” (ولعل هذه كانت تتضمن الأدب والتاريخ)، والقانون، والفلسفة؛ وكانت الفلسفة الأخلاقية والسياسية آخر الدراسات في هذا المنهاج، هذا إذا كان أفلاطون قد أخذ بالنصيحة التي ينطق بها سقراط في معرض الدفاع إلى حد ما عن أنيتوس وملاتوس:

سقراط: إنك تعرف أن ثمة مبادئ معينة في العدالة والخير تعلمناها في طفولتنا، ونشأنا تحت رعايتها الأبوية، نطيعها ونعظمها.

أجلوكون: هذا صحيح.

سقراط: وثمة أيضاً مبادئ مناقضة لها وعادات من أنواع السرور تتملق أرواحنا وتجذبها إليها، ولكنها لا أثر لها فيمن لديهم أي إحساس بالحق، ومن لا ينقطعون عن إجلال تعاليم آبائهم وطاعتها.

أجلوكون: حق.

سقراط: فإذا كان الإنسان في هذه الحال وسألته روحه السائلة ما هو الشيء الجميل الشريف؟ وأجاب بأن ذلك هو الذي يأمر به القانون، نقضت الحجج أقوال المشترع، فاضطر إلى الاعتراف بأن لا شيء فيه من الجمال أكثر مما فيه من القبح، أو فيه من العدالة والطيبة أكثر مما فيه من نقيضيهما، وإلى الاعتراف بأن هذا بعينه ينطبق على جميع آرائه التي خلع عليها الزمن جلالاً وتعظيماً، إذا حدث هذا فهل تظن أنه سيظل يعظم هذه التعاليم ويطيعها؟.

أجلوكون: هذا مستحيل.

سقراط: وإذا لم يعد يظنها كما كان يظنها من قبل شريفة وطبيعية، ثم عجز عن معرفة الحق، فهل يُنتظر منه أن يحيا حياة غير الحياة التي تتملق شهواته؟

أجلوكون: ذلك ما لا يُنتظر منه.

سقراط: وهل ينقلب بعدئذ من إنسان طائع للقوانين إلى إنسان خارج عليها؟.

أجلوكون: بلا ريب.

سقراط: وإذن فلا بد من الحذر الشديد في إدخال مواطنينا الذين لا يتجاوزون سن الثالثة والثلاثين في الجدل… إذ يجب ألا يسمح لهم بتذوق هذه اللذة العزيزة قبل الأوان؛ هذا شيء ينبغي تجنبه بنوع خاص، لأن الشبان، كما رأيت، إذا تذوقوا الجدل بدءوا من فورهم يجادلون حباً في الجدل، ولا ينفكون يعارضون غيرهم ويدحضون حججهم تقليداً منهم لمـن ينقضون حججهم هم؛ فهم في هذا أشبه بصغار الكلاب التي يسرها أن تشد أثواب كل من يقترب منها وتمزقها.

أجلوكون: نعم إن هذا هو الذي يسرها.

سقراط: وإذا ما غلبوا الكثيرين من الناس وغلبهم الكثيرون اندفعوا بسرعة وعنف إلى حال لا يؤمنون معها بأي شيء كانوا يؤمنون به من قبل، ومن… ثم تسوء سمعة الفلسفة عند سائر الناس. أجلوكون: هذا هو عين الحق.

سقراط: ولكن الرجل إذا بدأ يكبر، فإنه لا يرتكب هذا الضرب من الأعمال الجنونية؛ بل يحذو حذو الرجل المنطقي الذي يبحث عن الحقيقة، لا حذو الخصيم الذي يعارض لما يجده في المعارضة من لذة؛ وإن إجلال الناس لخلقه سيزيد من شرف هذا السعي بدل أنه ينقص منه).

وكان أفلاطون وأعوانه يعلمون الناس بالمحاضرات والحوار، وبعرض المسائل على الطلاب لحلها؛ وكان من هذه المسائل إيجاد: “الحركات المنتظمة المتساوية التي يمكن بالاستناد إليها تعليل حركة الكواكب؛ ولعل أودكسوس وهرقليدس قد وجدا في هذه البحوث ما يحفزهما إلى العمل. وكانت المحاضرات علمية، وكانت في بعض الأحيان مخيبة لآمال مَن جاءوها طلباً للكسب المادي، ولكن تلاميذ أرسطو ودمستين وليقورغ، وهيبريدس، وأكسانوقراطيس تأثروا بها أعمق التأثر ونشروا في كثير من الأحيان ما كتبوه عنها من مذكرات. وقال أنتفانس متفكهاً إن الكلمات التي كان ينطق بها أفلاطون أمام طلابه في شبابهم لم يفهموها إلا في شيخوختهم؛ كما كانت الألفاظ في إحدى المدن القائمة في أقصى الشمال تتجمد حين تخرج من أفواه المتكلمين ثم تُسمع في الصيف حينما تسيح).

2- الفنان

يقر أفلاطون نفسه أنه لم يكتب في حياته رسالة علمية، ويشير أرسطوطاليس إلى ما كان يلقى من العلوم في المجمع العلمي بقوله “تعاليم” أفلاطون “غير المكتوبةولسنا نعرف مدى اختلاف هذه التعاليم عما ورد في المحاورات ، وأكبر الظن أن هذه المحاورات كانت في بادئ الأمر وسيلة للترويح عن النفس، وأنها كانت تُلقى بطريقة فكهة إلى حد ماومن سخريات التاريخ أن المؤلفات الفلسفية التي تدرس في الجامعات الأوربية والأمريكية والتي تَلقى فيها أعظم التقدير والإجلال في هذه الأيام قد ألفت لتقرب الفلسفة من أذهان غير العلماء بربطها بإحدى الشخصيات المعروفة. ولم تكن محاورات أفلاطون أول ما كُتب من الحوار الفلسفي، فقد اتبع زينون الإليائي وكثيرون غيره هذه الطريقة ذاتها، ونشر تيمن الأثيني قاطع الجلود بطريقة الحوار أحاديث سقراط التي كانت تدور في حانته وكانت المحاورات كما أوردها أفلاطون قطعة أدبية لا تاريخية؛ وهو لا يدعي أنه ينقل لنا نصاً دقيقاً للأحاديث التي كانت تجري قبل أن يكتبها بثلاثين عاماً أو خمسين، بل ولا يدعي أنه يحرص على أن يكون ما فيها من إشارات منسقاً غير متناقض بعضه مع بعض. وذهل غورغياس كما ذهل سقراط حين سمعا الألفاظ التي أنطقهما بها الفيلسوف المسرحيوقد كتبت المحاورات مستقلة كل منها عن الأخرى، ولعلها كتبت في فترات متباعدة تباعداً طويلاً، وليس من حقنا أكثر من هذا أن نرتاع لما فيها من آراء متناقضة. وليس ثمة خطة موضوعة للتأليف بينها كلها وجعلها وحدة منسقة، اللهم إلا البحث المتواصل الذي يقوم به عقل ينمو ويتطور تطوراً واضحاً ملموساً عن الحقيقة التي لا يستطيع الحصول عليها أبداً . والمحاورات مركبة بمهارة وإن كانت لا ترقى إلى الدرجة الوسطى. وهي تصور الأفكار تصويراً مسرحياً، وترسم صورة منسقة لسقراط تدل على حب أفلاطون الشديد له؛ ولكنها قلما تدل على وحدة الأفكار أو تسلسلها، وكثيراً ما تنتقل من موضوع إلى موضوع وتسئم القارئ في كثير من أجزائها لأنه يورد الحديث بمعناه لا بلفظه – فيجعل رجلاً واحداً ينقل سائر أحاديث غيره من الناس. ويقول سقراط إن ذاكرته “غاية في الضعفولكنه مع ذلك يتلو على صديق له عن ظاهر قلب أربعاً وأربعين صفحة من نقاش جرى في أيام شبابه بينه وبين بروتاغوراس. ومما يضعف معظم المحاورات أنها يعوزها المتكلمون الأقوياء القادرون على أن يردوا على سقراط “بغير نعم” أو ما في معناها. ولكن هذه العيوب تختفي في تألق اللغة ووضوحها، وما في الموقف، والتعبير، والفكرة من فكاهة؛ والعالم الحي وما فيه من مختلف الشخصيات البشرية الحقيقية، وما تفتحه هذه المحاورات من نوافذ توصل إلى العقل العميق النبيل. وفي وسعنا أن نحكم على ما كان لهذه المحاورات من قيمة عظيمة عند الأقدمين، إذا ذكرنا أنها أكمل نتاج عقلي وصل إلينا من أي مؤلف يوناني؛ وإن شكلها ليضعها في تاريخ الأدب في منزلة لا تقل سمواً عن المنزلة التي يضعها فيها موضوعها في تاريخ الفكر.

وأقدم المحاورات من خير الأمثلة في جدل الشباب الخصيم الذي يندد به في الفقرة التي أوردناها من قبل، ولكن الصورة الساحرة التي تصور بها هذه المحاورات الشباب الأثيني تذهب بما فيها من عيوب من هذه الناحية. ومعرض الآراء هو خير ما كتب من نوعه في أدب العالم كله، وهو خير مقدمة لكتب أفلاطون؛ وإن ما فيه من تصوير مسرحي للمناظر (ونورد على سبيل المثال قول أجاثون لخدمه: “تصوروا أنكم أرباب المنزل وأنني أنا وأصحابي ضيوفكم، والصورة الحية التي رسمها لأرسطوفان “وقد تملكه الفواق من كثرة الأكل”، وقصته المرحة عن ألقبيادس الثمل الذي افتضح أمره بين الناس، وأهم من هذا كله براعته في التأليف بين الواقعية القاسية في صورة سقراط وبين فكرته السامية عن الحب، نقول إن هذه الصفات تجعل معرض الآراء آية أدبية رائعة في فن النثر. أما الفيدون فأقل من معرض الآراء قوة وأكثر منه جمالاً. فالنقاش الرئيسي فيه، مهما يبلغ من الضعف، نقاش أمين لا التواء فيه ولا مغالطة، يبيح لصاحب الرأي المخالف فرصة مكافئة لفرصة مناظره؛ ويتدفق تدفقاً أكثر سلاسة وسط مناظر يتغلب هدوؤها على ما فيها من مآسٍ، حتى أن موت سقراط نفسه ليشبه اختفاء النهر عن العين حين يلتف عند أحد المنحنيات. ويدور بعض ما يشتمل عليه فيدروس من حوار على شواطئ نهر حين يبرّد سقراط وتلميذه أقدامهما في ماء النهر. ولا حاجة إلى القول بأن أعظم المحاورات كلها على الإطلاق هي الجمهورية لأنها أكمل عرض لفلسفة أفلاطون، وهي في أولى أجزائها صراع مسرحي بين الأشخاص والآراء. والبارمنيدس أسوأ مثل للتلاعب المنطقي في الأدب كله، كما أنه أجرأ مثل في تاريخ الفلسفة للمفكر الذي يفند أحب العقائد إلى نفسه – نعني نظرية الأفكار – تفنيداً لا يقوى أحد على الرد عليه ودحض حججه. وفي المحاورات الأخيرة تضعف قدرة أفلاطون الفنية، فتضمحل شخصية سقراط، وتفقد الميتافيزقيا شعريتها، وتفقد السياسة “مُثُل الشباب العليا” حتى إذا ما وصلنا إلى القوانين، استسلم الرجل المتعب المنهوك القوى الذي ورث جميع ثقافة أثينة على اختلاف مناحيها إلى إغراء إسبارطة، وطلّق الحرية، والشعر والفن والفلسفة نفسها.

3- الميتافيزيقي
لم يتبع أفلاطون فيما خلفه من أفكار خطة منظمة، وإذا لخصنا نحن آراءه ووضعنا لها رؤوس موضوعات مختلفة كالمنطق، وما وراء الطبيعة، والأخلاق، وعلم الجمال، والسياسة، ليسهل علينا أن نتحدث عنها حديثاً منظماً، فإن من الواجب أن نذكر أن أفلاطون نفسه كان شاعراً مغرقاً في شاعريته إلى حد يمنعه أن يقيد أفكاره ويحدها بحدود. وإذ كان أفلاطون شاعراً فقد كان المنطق أكثر ما يعترض سبيله من الصعاب، فهو يجول هنا وهناك يبحث عن التعاريف ويضل السبيل في التشبيهات التي تعرضه لأشد الأخطار؛ “ثم دخلنا في تيه، ولما حسبنا أننا قد وصلنا إلى آخره، رأينا أنفسنا مرة أخرى في بدايته، وكان علينا أن نعود إلى البحث عن مخرج، ويختم حديثه هذا بقوله: “ولست واثقاً قط من أنه يوجد من بين العلوم علم كالمنطقولكنه مع هذا يخطو فيه الخطوة الأولى. فهو يفحص عن طبيعة اللغة ويقول إنها مشتقة من محاكاة الأصوات؛ ويبحث في التحليل والتركيب، والتشبيهات والمغالطات، ويقبل الاستقراء، ولكنه يفضل الاستدلال؛ ويضع في هذه المحاورات الشعبية نفسها مصطلحات فنية، كالجوهر، والطاقة، والفعل والانفعال، والتوليد، وهي المصطلحات التي استخدمتها الفلسفة فيما بعد. وهو يضع أسماء لخمس من المقولات العشر التي أذاعت شهرة أرسطوطاليس. وهو يرفض قول السوفسطائيين إن الحواس خير وسيلة لمعرفة الحقيقة وإن الفرد هو مقياس الأشياء جميعها؛ ويقول إنه لو صح هذا لكان ما يقوله أي إنسان عن العالم مساوياً في قيمته لما يقوله أي نائم، وأي مخبول، أو أي قرد).

ولسنا نستمد من فوضى الحواس إلا فيضاً من التغيرات الهرقليطية؛ ولو لم تكن لنا إلا إحساسات، لما كانت لدينا قط معلومات أو حقائق؛ ذلك أن المعلومات لا تأتي إلا عن طريق الأفكار، وعن طريق الصور المعممة، والأشكال التي تصوغ فوضى الإحساسات وتكون منها التفكير المنظمولو كنا لا ندك إلا الأشياء المفردة لكان التفكير مستحيلاً، ذلك أننا نتعلم التفكير بجمع الأشياء وتصنيفها حسب ما بينها من أوجه الشبه، ثم نعبر عن الصنف بأجمعه باسم عام له، فلفظ رجل يمكننا من أن نفكر في جميع الرجال، ولفظ منضدة يمكننا من التفكير في جميع المناضد ولفظ ضوء في جميع الأضواء التي سطعت في البر أو البحر. وليست هذه الآراء أشياء تدركها الحواس، ولكنها حقائق تعرف بالتفكير، لأنها تبقى، ولا تتغير، ولو انعدمت جميع الموجودات الحسية المقابلة لها. فالرجال يولدون ويموتون، ولكن “الرجل” يبقى. وليس كل مثلث بمفرده إلا مثلثاً ناقصاً، يفنى عاجلاً أو آجلاً، ومن أجل هذا فهو غير حقيقي نسبياً، ولكن “مثلث”- أي الشكل والقانون اللذين ينطبقان على جميع المثلثات- كامل سرمديوكل الأشكال الرياضية أفكار سرمدية وكاملة ، وكل ما تقوله الهندسة عن المثلثات، والدوائر، والمربعات، والمكعبات، والكرات، يبقى صحيحاً، ومن ثم فهو “حقيقي” ولو لم توجد هذه الأشكال في العالم المادي في الماضي أو في المستقبل. والمعاني المجردة هي الأخرى حقيقية بهذا المعنى؛ فالأعمال الفردية الفاضلة قصيرة الأجل ولكن الفضيلة تبقى حقيقية خالدة في التفكير وأداة للتفكير؛ وهذا أيضاً شأن الجمال، والكبر، والمشابهة وما إليهافالأعمال والأشياء الفردية أشياء وأعمال بالصورة التي نعرفها بها، لأنها تشترك في هذه الأشكال الكاملة أو الأفكار، وتحقق وجودها بدرجة قليلة أو كثيرة. وعالم العلم والفلسفة لا يتكون من أشياء مفردة، بل يتكون من ؛ والتاريخ المتميز عن السِّيَر هو قصة الإنسان، وليس علم الأحياء هو علم كائنات عضوية معينة بل هو علم الحياة نفسها، وليست العلوم الرياضية هي دراسة الأشياء المجسمة بل هي دراسة العدد، والعلاقة، والشكل، مستقلة عن الأشياء نفسها، ولكنها تصدق على جميع الأشياء. والفلسفة هي علم الأفكار.

وكل شيء في ميتافيزيقية أفلاطون يدور حول نظرية الأفكار. فالله المحرك الأول الذي لا يتحرك، أو روح العالم، يحرك كل شيء وينظمه حسب القوانين والأشكال الأزلية، وهي الأفكار التي لا تتبدل والتي تكون، على حد قول أصحاب الأفلاطونية الحديثة، الكلمة أو الحكمة الإلهية أو عقل الله. وأرقى الأفكار هو الخير، ويرى أفلاطون في بعض الأحيان أن هذا الخير هو الله نفسه، ولكنه في أكثر الأحيان هو أداة الخلق الهادية المرشدة، والشكل الأعلى الذي تنجذب إليه كل الأشياء. وإدراك هذا الخير، ورؤية هذا المثل الأعلى الذي يشكل عملية الخلق، هو أسمى غاية تبتغيها المعرفةوليست الحركة وعملية الخلق عمليتين آليتين، بل هما تحتاجان في العالم، كما نحتاج نحن، إلى روح أو مبدأ حيوي يكون هو قوتهما المنشئة المبدعة).

وليس شيء حقيقياً إلا الذي فيه قوةومن أجل هذا فإن المادة ليست حقيقة بل هي مجرد مبدأ من القصور الذاتي، وإمكانياته تنتظر أن يعطيها الله أو الروح شكلاً خاصاً وكياناً حسب فكرة من الأفكار. والروح هي القوة المتحركة بنفسها الموجودة في الإنسان، وهي جزء من الروح المتحركة بنفسها الموجودة في الأشياء جميعهاوهي قوة حيوية خالصة، مجردة من الجسم، وخالدة. وقد وجدت قبل الجسم، وجاءت معها من حلولها في أجسام سابقة بذكريات كثيرة إذ أيقظتها الحياة الجديدة حسبناها خطأ معلومات جديدة. ولنضرب لذلك مثلاً الحقائق الرياضية فهي بأجمعها حقائق فطرية بهذه الطريقة، وكل ما يفعله التعليم هو أنه يوقظ ذكريات الأشياء التي عرفتها الروح في حيواتها الكثيرة الماضيةوإذا مات الإنسان انتقل روحه أو مبدأ الحياة الذي فيه إلى كائنات عضوية أخرى أرقى منه أو أحط حسب ما استحقته في تجسداتها السابقة. وربما ذهبت الروح المذنبة إلى المطهر أو الجحيم، وذهبت الروح الفاضلة إلى جزائر المباركينفإذا ما تطهرت الروح في خلال الحيوات المختلفة من جميع آثامها، تحررت من التجسد وصعدت إلى الفردوس تتمتع فيه بالسعادة السرمدية .

4- العالم الأخلاقي

لقد كان أفلاطون يعرف أن كثيرين من قرائه سيكونون من المتشككين، ودليلنا على هذا أنه قضى بعض الوقت يحاول وضع قانون أخلاقي طبيعي يبعث في نفوس الناس الرغبة في الاستقامة والصلاح من غير أن يعتمدوا على السماوات والمطهر والجحيموإن المحاورات التي كتبها في حياته الوسطى لتتحول شيئاً فشيئاً من الميتافيزيقا إلى الأخلاق والسياسة “إن أعظم أنواع الحكمة وأجملها هي الحكمة المتصلة بتنظيم الدول

والمشكلة الرئيسية في علم الأخلاق تدور حول النزاع الظاهر بين ملاذ الفرد وبين الخير الاجتماعي. ويعرض أفلاطون هذه المشكلة عرضاً واضحاً ويورد على لسان كلياس من الحجج التي تبرر الأنانية ما لا يقل عن أقوى الحجج التي أوردها أي داعية لمخالفة القواعد الخلقية في عصر من العصوروهو يعترف بأن كثيراً من اللذائذ لا عيب فيه ولا إثم، وأن الإنسان في حاجة إلى الذكاء للتمييز بين اللذات الطيبة واللذات الضارة، وأن من الواجب أن تربى في الطفل عادة الاعتدال وإدراك “الأواسط الذهبية للأمور” خشية أن يأتي الذكاء متأخراً بعد فوات الوقت

وتتكون النفس أو أصل الحياة من ثلاث درجات أو أجزاء- الشهوة، والإدارة، والفكر، ولكل جزء من هذه الأجزاء فضيلته الخاصة- الاعتدال والشجاعة، والحكمة؛ ويجب أن تضيف إليها التقوى والعدالة- وأداء واجب الإنسان نحو والديه وآلهته. ويمكن تعريف العدالة بأنها هي تعاون الأجزاء في الكل، أو العناصر في الأخلاق، أو الأهلين في الدولة، بحيث يقوم كل جزء بواجبه اللائق به على الوجه الأكمل(وليس الخير هو الفعل وحده أو اللذة وحدها، بل هو امتزاجهما بنسب ومقادير تنتج منها حياة الفعلوالخير الأسمى كائن في العلم الخالص بالأشكال والقوانين السرمدية، و”أسمى خير” من الناحية الأخلاقية “… هو ما في النفس من قدرة أو موهبة، إذا كان ثمة شيء من هذا النوع تستطيع به أن تعرف الحقيقة، وأن تفعل كل الأشياء من أجل الحقيقة؛ ومن يحب الحقيقة لا يهمه أن يجزي الإساءة بالإساءة، بل يفضل أن يتحمل على أن يرتكب هو الظلم، و”يضرب في الأرض براً وبحراً يبحث عن الناس الذين لا يجد الفساد سبيلاً إليهم، والذين لا تُقَوَّم صحبتهم بالمال أياً كان… والذين يهبون أنفسهم للفلسفة بحق يمتنعون عن الشهوات الجسمية، وإذا ما عرضت عليهم الفلسفة أن تطهرهم من الشر وتحررهم منه، أحسوا بأن من واجبهم ألا يقاوموا تأثيرها فيهم؛ ومن أجل ذلك يميلون نحوها، ويسيرون خلفها للهدف الذي

وكان أفلاطون قد حرق قصائده وفقد عقائده الدينية، ولكنه ظل مع ذلك شاعراً وعابداً؛ يغمر فكرته عن الخير إحساس قوي بالجمال وتقوى ممتزجة بالزهد والتقشف؛ توحدت فيه الفلسفة والدين وامتزجت فيه الأخلاق بحاسة الجمال. ولما تقدمت به السن عجز عن أن يرى الجمال منفصلاً عن الخير والحقيقة. وكان في دولته المثالية يفرض الرقابة على جميع الفن والشعر اللذين قد ترى الحكومة أن فيهما نزعة مغايرة للأخلاق الفاضلة أو الوطنية، وهو يمنع فيها جميع الخطب وجميع المسرحيات المضادة للدين؛ وحتى شعر هومر نفسه- الذي يصور الدين المغاير للأخلاق تصويراً مغرياً- يجب أن يضحى به. وكان يجيز في هذه الدولة المثالية أساليب الموسيقى الدُّورية والفريجية؛ ولكنه يشترط ألا تضر بها آلات معقدة التركيب أو يعزفها فنانون يُحدثون “أصواتاً وحشية” في أثناء عرضهم الفنيأو يُدخلون فيها بدعاً متطرفة.

“يجب الابتعاد عن إضافة أي نوع جديد لأنواع الموسيقى، لأن هذا يعرض الدولة كلها للخطر؛ وسبب ذلك أن الأنماط الموسيقية إذا اضطربت أثرت حتماً في أهم الأنظمة السياسية… ذلك أن النمط الجديد يتأصل في الدولة تدريجاً، ويتطرق شيئاً فشيئاً إلى أخلاق الناس وعاداتهم، ومن هذه الأخلاق والعادات يهاجم الشرائع والدساتير، ويظهر في هذا الهجوم منتهى السفالة، وينتهي الأمر بقلب كل شيء في الدولة رأساً على عقبوالجمال كالفضيلة إنما يكون في اللياقة، والتناسب، والنظام. والعمل الفني يجب أن يكون مخلوقاً حياً، ذا رأس، وجذع، وأطراف، توحدها وتبعث فيها الحياة، فكرة واحدةويظن هذا المتزمت المتحمس أن الجمال الحق هو جمال العقل لا جمال الجسم، وأن الأشكال الهندسية ذات جمال سرمدي مطلق، وأن القوانين التي تقوم عليها السماوات تفوق النجوم في جمالهاوالحب هو طلب الجمال ويتألف من ثلاث مراحل أولاها حب الجسم والثانية حب الروح والثالثة حب الحقيقة. وحب الجسم بين الرجل والمرأة مشروع لا إثم فيه لأنه وسيلة للتناسل الذي هو نوع من أنواع الخلودولكنه مع ذلك صورة بدائية من الحب غير جديرة بالفيلسوف. والحب الجسمي بين الرجل والرجل أو بين المرأة والمرأة مناف للطبيعة ويجب قمعه لأنه يعطل التناسلوقمعه مستطاع بالسمو به إلى المرحلة الثانية أي المرحلة الروحية من مراحل الحب: ففي هذه المرحلة يحب الرجل الكبير السن الشاب لأن وسامته رمز للجمال الطاهر السرمدي، والشاب يحب الشيخ لأن حكمته تيسر له سبيل الفهم والشرف. ولكن أسمى أنواع الحب هو “حب الاستحواذ على الخير الأبدي” وهو الحب الذي يسعى وراء الجمال المطلق للأفكار أو الأشكال الكاملة السرمديةوهذا النوع لا العاطفة غير الجسمية بين الرجل والمرأة هو “الحب الأفلاطوني”، وهو النقطة التي يتحدث عندها أفلاطون الشاعر مع أفلاطون الفيلسوف في الرغبة القوية في الفهم، وتكاد هذه الرغبة أن تكون شغفاً صوفياً بما في القانون وما في بناء العالم وحياته وغايته من نور النعيم الباهر. “لأن أديمنتس، الذي لا يتحول عقله عن الوجود الحق لا يجد لديه وقتاً يطل فيه على شئون الناس، أو يمتلئ فيه قلبه حسداً وغُلاً من النزاع معهم؛ ذلك أن عينه تتجه على الدوام نحو المبادئ الثابتة التي لا تتبدل، وهي التي لا يؤذي بعضها بعضاً، بل يراها كلها تتحرك في نظام حسب قوانين العقل؛ فهو يحذو حذو هذه المبادئ، وعلى مثالها يشكل حياته قدر المستطاع).

5- الطوباوي

ولكنه مع هذا يهتم بشئون الناس، وتتمثل أمام ناظريه رؤيا اجتماعية أيضاً، ويحلم بوجود مجتمع خالٍ من الفساد والفقر والظلم والحروب. وقد روعته ما كان يسود أثينة من انقسامات حزبية مريرة “وشقاق، وعداء، وحقد، وريبة، لا تكاد تخبو نارها حتى تعود إلى الاشتعال”(وكان يحتقر ألجركية المال كما يحتقرها جميع النبلاء أبناء الأسر الشريفة ذات المجد التليد، ويقول عن رجالها إنهم “رجال الأعمال…الذين لا تطاوعهم نفوسهم إلى رؤية من قضوا عليهم بجشعهم، ويدفعون سمومهم – أي مالهم – في جسم كل من لا يحْذَرهم، ثم يستردون ما أخذوه منهم أضعافاً مضاعفة: وتلك هي الطريقة التي يملأون بها الدولة بالكسالى والمعدمين”ثم تنشأ الديمقراطية، بعد أن يتغلب الفقراء على معارضيهم، فيقتلون بعضهم، وينفون من البلاد البعض الآخر، ثم يمنحون الباقي أقساطاً متساوية من الحرية والسلطةويتضح آخر الأمر أن الديمقراطيين لا يقلون فساداً عن الحكام الأثرياء: فهم يستخدمون القوة التي تؤول إليهم لكثرة عددهم ليوزعوا الأموال العامة على الفقراء، ومناصب الدولة عليهم أنفسهم؛ وهم يتملقون العامة ويداهنونهم حتى تنقلب الحرية فوضى، وتنحط المعايير بعد أن تؤول السلطة العليا إلى أراذل الناس، وتغلظ الطباع بسبب انتشار الوقاحة والسباب؛ وكما أن السعي الجنوني وراء المال يقضي على الحكم الألجركي، كذلك يقضي على الديمقراطية التطرف في الحرية. سقراط: ففي هذه الدولة تسود الفوضى، وتتخذ سبيلها إلى البيوت الأفراد، وتنهي الأمر بانتقال عدواها إلى الحيوانات…فيتعود الأب النزول إلى مستوى أبنائه…ويتعود الابن أن يضع نفسه في مستوى أبيه، فلا يخشى أبويه، ولا يستحي منهما..ويخاف الأستاذ طلابه ويتملقهم، ويحتقر الطلاب أساتذتهم ومعلميهم..ويصبح الكبار والصغار سواسية، فيضع الشاب نفسه في مستوى الشيخ، ولا يستنكف أن يعارضه بالقول والفعل، ولا يتحرج الشيوخ من تقليد الشبان. ومن واجبي ألا أنسى حرية الجنسين الذكور والإناث ومساواة كليهما بالآخر في علاقتهما بعضهما ببعض…والحق أن الخيل والحمير، لن تعدم وقتئذ سبيلاً للسير مع الناس جنباً إلى جنب، والاستمتاع بكل ما لأحرار الناس من حقوق وكرامات… وقصارى القول أن الأشياء جميعها توشك أن تنفجر لكثرة ما أتخمت بالحرية…

أديمنتس: ولكن ما هي الخطوة التالية؟…

سقراط: إن ازدياد أي شيء فوق حده كثيراً ما يؤدي إلى انقلاب في الاتجاه المضاد له… ولهذا يبدو أن الإفراط في الحرية، سواء كان ذلك من ناحية الأفراد أو من ناحية الدول، لن يؤدي إلا إلى الاستعباد…ونرى أن أشد أنواع الحكومات استبداداً تنشأ من أشد أنواع الحرية تطرفاً.

وإذا ما صارت الحرية تحللاً من كل القيود، فقد اقتربت الدكتاتورية. ذلك أن الأغنياء يخشون وقتئذ أن تجردهم الديمقراطية من مالهم فيأتمرون بها ليقضوا عليهاوقد يغتصب السلطة أحد الأفراد المغامرين، ويعد الفقراء بكل ما يرغبون فيه، ويحيط نفسه بجيش خاص به، ويقتل أولاً أعداءه ثم يتبعهم بأصدقائه “حتى يطهر الدولة” من هؤلاء وأولئك، ويقيم حكومة دكتاتوريةوفي هذا الصراع العنيف بين الآراء المتطرفة يكون الفيلسوف الذي ينادي بالاعتدال والتفاهم أشبه “برجل وقع بين الوحوش”؛ فإذا كان حكيماً “احتمى بجدار حتى تمر العاصفة والريح )

ومن العلماء من يلجئون في هذه الأزمات إلى الماضي، ويشتغلون بكتابة التاريخ، أما أفلاطون فيلجأ إلى المستقبل، ويضع نظام المدينة الفاضلة، ويرى أن أول ما يجب عمله هو “البحث عن ملك صالح يسمح بأن نجري التجارب على شعبه، وواجبنا الثاني هو أن نبعد من هذه المدينة جميع الكبار فلا نستبقي منهم إلا من لا غنى عنهم لحفظ النظام وتعليم الشبان، وذلك لأن أساليب الكبار تفسد الشباب وتطبعهم بطابع الماضي. ثم نعد للشباب رجالاً كانوا أو نساء منهجاً تعليمياً يمتد إلى عشرين عاماً، ويشمل تعليم الأساطير” وهو لا يقصد بها أساطير الدين القديم الفاسدة، بل أساطير جديدة تعود النفس طاعة الآباء والدولة . فإذا قضوا في التعليم هذه المدة وضعت لهم اختبارات جسمية وعقلية وأخلاقية. فأما الذين يخفقون في هذه الاختبارات فيصبحون هم رجال الاقتصاد في الدولة- رجال الأعمال، والصناع، والزراع؛ ويسمح لهؤلاء بأن تكون لهم أملاك خاصة، وأن يكونوا على درجات مختلفة في الثراء (داخل حدود معينة) حسب كفاياتهم، على أنه لا يسمح بوجود العبيد. أما من يجتازون هذا الاختبار الأول فيتلقون منهاجاً آخر من التعليم والتدريب يمتد إلى عشرة أعوام أخرى. ثم يختبرون من جديد بعد الأعوام الثلاثين؛ فأما الساقطون فيصبحون جنوداً، لا يسمح لهم بأملاك خاصة ولا يشتغلون بالأعمال التجارية والمالية، بل يعيشون في شيوعية عسكرية. وأما الذين يجتازون الاختبار الثاني فيبدأون في ذلك الوقت (لا قبله) دراسة “الفلسفة الإلهيةمدة خمس سنين. وتشمل الدراسة جميع فروع هذه الفلسفة من رياضيات إلى منطق إلى سياسة وقانون. فإذا أتموا هذه الدراسة النظرية خمسة وثلاثين عاماً، ألقوه في الحياة العملية ليكسبوا قوتهم ويشقوا طريقهم. وبعد خمسين عاماً يصبح الباقون منهم على قيد الحياة الطبقة المهيمنة على المدينة أو حكامها من غير حاجة إلى انتخاب.

ويمنح هؤلاء السلطة كلها، ولكنهم لا تكون لهم أملاك. ولن تكون للمدينة قوانين، بل تعرض كل القضايا والمنازعات على الملوك – الفلاسفة ليفصلوا فيها بحكمتهم التي لم تفسدها السوابق. ولن يكون لهؤلاء الملوك – الفلاسفة ملك ولا مال، ولا أسر، ولا زوجات يختصمون بهن على الدوام، وذلك لكيلا يسيئون استخدام سلطتهم. ويتولى الشعب التصرف في أموال المدينة كما يتولى الجند السلطة العسكرية. وليست الشيوعية عند أفلاطون نوعاً من الديمقراطية، بل هي أرستقراطية، يعجز عن بلوغها عامة الشعب، ولا يتحملها إلا الجنود والفلاسفة. أما الزواج فيجب أن ينظمه الحراس لجميع الطبقات تنظيماً دقيقاً يهدف إلى غرض مقدس هو تحسين النسل. “فيجب أن يجتمع أفضل الجنسين بعضهما ببعض أكثر ما يستطيعون، وأن يجتمع المنحطون من الرجال بالمنحطات من النساء، ثم يربى أبناء الأولين ولا يربى أبناء الآخرين، لأن هذه هي السبيل الوحيدة للاحتفاظ بالشعب في حالة صالحةوعلى الدولة أن تتولى تربية الأطفال جميعهم وتقدم لهم فرصاً للتعليم متكافئة. ويجب ألا تكون الطبقات وراثية، وأن يكون للبنات من الفرص مثل ما للأولاد، وألا تمنع النساء من تولي مناصب الدولة لأنهن نساء. ويعتقد أفلاطون أنه بهذا المزيج من الفردية والشيوعية، وبالعمل على تحسين النسل، ومساواة المرأة بالرجل في الحقوق، يستطيع أن يوجد مجتمعاً يسر الفيلسوف أن يعيش فيه. ويختم بحثه بالعبارة الآتية: “وإلى أن يكون الفلاسفة ملوكاً، أو أن يتشبع ملوك هذا العالم وأمراؤه بروح الفلسفة وقوتها…لن تنجو المدن ولن ينجو الجنس البشري من الشر).

6- المشترع

وظن أنه وجد في دنيسوس الثاني الأمير المطلوب. وكان يشعر كما يشعر فلتير أن الملكية المطلقة تمتاز عن الديمقراطية بأن المصلح في الحالة الأولى لا يحتاج إلى إقناع أكثر من رجل واحدوفي ذلك يقول إنك إذا أردت أن تنشئ دولة صالحة فما “عليك إلى أن تضع على رأسها حاكماً بأمره، شاباً معتدلاً، سريع التعلم، قوي الذاكرة شجاعاً، كريم الطبع…حسن الحظ؛ ويكون حسن حظه في أنه معاصر لمشترع عظيم، وأن الظروف الموفقة تجمع أحدهما إلى الآخرلكن اجتماعه بدنيسوس كان كما سبق القول من أسوأ الظروف.

وكان أفلاطون في آخر سني حياته لا يزال يتوق إلى أن يكون مشترعاً، ولذلك عرض على الناس دولة تلي الدولتين السابقتين في الحسن. وهو يتحدث عن هذه الدولة الثالثة في كتاب القوانين، وهذا أقدم المراجع الأوربية المعروفة في التشريع، وهو إلى هذا دراسة نافعة في عهد الشيخوخة اليوناني الذي أعقب عهد الشباب الإبداعي. وفيه يقول أفلاطون إن الدولة الجديدة ينبغي أن تكون في داخل الأرض، بعيدة عن البحر حتى لا تفسد الآراء الأجنبية إيمانها، والتجارة الأجنبية أمنها، والترف الأجنبي بساطتها وانطواءها على نفسهاويجب أن يقتصر عدد مواطنيها الأحرار على العدد السهل الانقسام وهو 5040 يضاف إليهم أفراد أسرهم. ويختار المواطنون من بينهم 360 حارساً يقسمون إلى جماعات تتألف كل واحدة منها من ثلاثين شخصاً يتولون تصريف أعمال الدولة شهراً واحداَ، ويختار الحراس الثلاثمائة والستون مجلساً ليلياً مؤلفاً من ستة وعشرين عضواً يجتمع في الليل ويشرع لكل شئون المدينة الحيويةويجب على هؤلاء الأعضاء أن يقسموا الأرض بين أسر المواطنين أقساماً متساوية على ألا يسمح لهؤلاء الملاك بتقسيمها بعدئذ ولا بالنزول عنها لغيرهم. وعلى الحراس “أن يتخذوا ما يجب اتخاذه من الاحتياطات حتى لا يضر المطر بالأرض بدل أن ينفعها…وأن يمنعوا المطر عنها بالجسور والخنادق، ويجعلوا قنوات” الري “توصل الكثير من الماء لجميع الأراضي حتى الأراضي الجافةويجب ألا تزيد التجارة عن الحد الأدنى حتى لا ينشأ من هذا عدم المساواة الاقتصادية. ويجب ألا يحتفظ الناس بشيء من الذهب أو الفضة، وألا يتعاملوا بالربا، وألا يُشَجع أي إنسان على أن يعيش باستثمار أمواله، بل يُشَجع على أن يعيش بالاشتغال بزرع الأرض بجد ونشاط. ويجب على كل من يحصل من ريع الأرض على أربعة أمثال قيمته أن يرد الباقي إلى الدولة. وقد قُيد حق التوريث والوصية بأشد القيودوجعل للنساء فرصاً تعليمية وسياسية متكافئة مع الرجالوفرض على الرجال أن يتزوجوا بين الثلاثين والخامسة والثلاثين، وإلا ألزموا بدفع غرامات سنوية باهضة،وعليهم ألا يلدوا أطفالاً إلا في خلال عشر سنين. ومن الواجب تنظيم الشراب وغيره من وسائل اللهو للمحافظة على أخلاق الشعب

وللوصول إلى هذا كله في هدوء وسلام يجب أن تشرف الدولة إشرافاً تاماً على شئون التعليم، والنشر، وغيرها من وسائل تكوين الرأي العام، وأخلاق الأفراد، ويجب أن يكون أكبر موظف في الدولة هو وزير المعارف ويجب أن تحل السلطة محل الحرية في شئون التعليم، وذلك لأن ذكاء الأطفال أقل من أن يجيز لنا أن نتركهم يختطون لنفسهم حياتهم. ويجب ألا تفرض الرقابة على الآداب، والعلوم والفنون، فلا يجوز أن يُعبر عن آراء يرى أعضاء المجلس أنها ضارة بالآداب العامة أو الخلق القويم. وإذ كانت طاعة الوالدين والقوانين لا بد أن تستند إلى قوة أعلى من قوة البشر وتأييدها فإن الدولة هي التي تقرر أي الآلهة تُعبد وكيف تُعبد ومتى تُعبد. وكل من يتردد في الخضوع لهذا الدين الرسمي يسجن، فإن أصر على عدم الخضوع له وجب أن يقتل).

وليست الحياة الطويلة نعمة لصاحبها على الدوام. ولقد كان من الخير لأفلاطون أن يموت قبل أن يوجه هذه التهمة لسقراط، وأن يمهد هذا التمهيد لجميع محاكم التفتيش المستقبلة. ولعل دفاعه عن نفسه هو أنه يحب العدالة أكثر من حبه للحقيقة، وأن هدفه هو أن يمحو الفقر والحرب، وأنه لا يستطيع أن يمحوهما إلا بسيطرة الدولة على الأفراد سيطرة تامة، وأن هذه السيطرة لا تكون إلا بواحدة من اثنتين القوة أو الدين. وكان يظن أن ما أصاب الأثينيين من انحلال أيوني في الأخلاق والسياسة لا علاج له إلا بالقوانين الإسبارطية المشتقة من النظام الدوري. والنزعة السارية في تفكير أفلاطون كله هي خوفه من أن يساء استخدام الحرية، وأن يفهم الناس الفلسفة على أنها الرقيب على شئون الناس والمنظمة للفنون. ويعرض أفلاطون في كتاب القوانين تسليم أثينة المحتضرة التي استوفت حياتها لإسبارطة التي قضت نحبها من أيام ليقورغ. وإذا لم يكن في وسع أشهر فلاسفة أثينة أن يقول أكثر مما قال دفاعاً عن الحرية، فمعنى هذا أن بلاد اليونان كانت على أتم استعداد لأن يتولى أمورها ملك. وإذا ما ألقينا نظرة شاملة على جميع هذه الآراء اعترتنا الدهشة إذ نرى أن أفلاطون قد جاء في هذا الوقت القديم بكل ما جاء به في العصور الوسطى الفلسفة والدين والأنظمة المسيحية، وبالشيء الكثير مما جاءت به الفاشية في العصر الحديث. لقد صارت نظرية الأفكار هي “واقعية” المدرسين – واقعية “العموميات” الموضوعية، ولم يكن أفلاطون مسيحياً قبل وجود المسيحية – على حد قول نتشة -فحسب، بل كان فوق ذلك متزمتاً مسيحياً قبل وجود عصر التزمت المسيحي. فهو يرتاب في الطبيعة البشرية ويراها شراً، ويعتقد أنها هي الخطيئة الأولى التي لوثت النفس. وهو يعمد إلى تلك الوحدة القائمة بين الجسم والروح والتي كانت هي الفكرة الرئيسية في القرنين السادس والخامس، فيقسمها إلى جسم خبيث وروح قديسة وهو يستمد من فيثاغورس والأورفية اعتقاد الشرق في تناسخ الأرواح، والكرما ، والخطيئة والتطهير، و”الانطلاق”؛ ويضرب في كتبه الأخيرة على نغمة أخروية شبيه بنغمة أوغسطين أي نغمة الرجل الذي تاب وأناب وعاد إلى الدين الصحيح، ولولا هذا النثر الذي بلغ غاية الكمال لشك الإنسان في أن أفلاطون من اليونان.

وقد بقي أفلاطون أحب المفكرين اليونان إلى الناس لأنه يتصف بعيوبهم الجذابة المحبوبة. وكان مثل دانتي مرهف الحس إلى حد يستطيع معه أنه يرى الجمال الكامل السرمدي وراء الأشكال الدنيوية غير الكاملة. وكان زاهداً لأنه كان مضطراً في كل لحظة إلى أن يكبح جماح مزاجه القوي العنيفوكان شاعراً يسيطر عليه الخيال ويسير وراء كل فكرة شاذة غريبة، وتستحوذ عليه مآسي الأفكار ومباهجها، يهيجه التحمس الذهني المنبعث من الحياة العقلية الحرة التي كانت تستمتع بها أثينة. ولكن كان من سوء حظه أنه رجل منطق وشاعر معاً، وأنه كان أقوى مجادل في العصر القديم، فقد كان أدق في جدله من زينون الإليائي ومن أرسطو، وأنه كان يشغف بالفلسفة أكثر من شغفه بأية امرأة أو أي رجل، وأنه انتهى في آخر الأمر بمثل ما انتهى إليه البحاث الأكبر في رواية دستيوفسكي، وهو قمع كل تفكير حر، واعتقاده بأن الفلسفة يجب أن يُقضى عليها لكي يعيش الإنسان ولو أن مدينته الفاضلة تحققت فعلاً لكان هو أول ضحاياها.

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

Advertisements

أفلاطون : Πλάτων Plátōn

(عاش بين 427 ق.م – 347 ق.م) فيلسوف يوناني قديم, وأحد أعظم الفلاسفة الغربيين, حتى ان الفلسفة الغربية اعتبرت انها ماهي الا حواشي لأفلاطون.عرف من خلال مخطوطاته التي جمعت بين الفلسفة والشعر والفن.كانت كتاباته على شكل حوارات ورسائل وإبيغرامات (ابيغرام: قصيدة قصيرة محكمة منتهيه بحكمه وسخرية).

يعرف أرسطو الفلسفة بمصطلحات ، فيعرفها قائلا أنها علم الجوهر الكلي لكل ما هو واقعي . في حين يحدد أفلاطون الفلسفة بأنها عالم الأفكار قاصدا بالفكرة الأساس اللاشرطي للظاهرة .

بالرغم من هذا الإختلاف فإن كلا من المعلم و التلميذ يدرسان مواضيع الفلسفة من حيث علاقتها بالكلي ، فأرسطو يجد الكلي في الأشياء الواقعية الموجودة في حين يجد أفلاطون الكلي مستقلا بعيدا عن الأشياء المادية ، و علاقة الكلي بالظواهر و الأشياء المادية هي علاقة المثال ( المثل ) و التطبيق . الطريقة الفلسفية عند أرسطو كانت تعني الصعود من دراسة الظواهر الطبيعية وصولا إلى تحديد الكلي و تعريفه ، أما عند أفلاطون فكانت تبدأ من الأفكار و المثل لتنزل بعد ذلك إلى تمثلات الأفكار و تطبيقاتها على أرض الواقع.

أفلاطون هو أرسطوقليس، الملقَّب بأفلاطون بسبب ضخامة جسمه، وأشهر فلاسفة اليونان على الإطلاق. ولد في أثينا في عائلة أرسطوقراطية. أطلق عليه بعض شارحيه لقب “أفلاطون الإلهي”. يقال إنه في بداياته تتلمذ على السفسطائيين وعلى كراتيلِس، تلميذ هراقليطس، قبل أن يرتبط بمعلِّمه سقراط في العشرين من عمره. وقد تأثر أفلاطون كثيرًا فيما بعد بالحُكم الجائر الذي صدر بحقِّ سقراط وأدى إلى موته؛ الأمر الذي جعله يعي أن الدول محكومة بشكل سيئ، وأنه من أجل استتباب النظام والعدالة ينبغي أن تصبح الفلسفة أساسًا للسياسة. وهذا ما دفع فيلسوفنا للسفر إلى مصر، ثم إلى جنوب إيطاليا، التي كانت تُعتبَر آنذاك جزءًا من بلاد اليونان القديمة. وهناك التقى بـالفيثاغوريين. ثم انتقل من هناك إلى صقلية حيث قابل ديونيسوس، ملك سيراكوسا المستبد، على أمل أن يجعل من هذه المدينة دولة تحكمها الفلسفة. لكنها كانت تجربة فاشلة، سرعان ما دفعته إلى العودة إلى أثينا، حيث أسَّس، في حدائق أكاديموس، مدرسته التي باتت تُعرَف بـأكاديمية أفلاطون. لكن هذا لم يمنعه من معاودة الكرة مرات أخرى لتأسيس مدينته الفاضلة في سيراكوسا في ظلِّ حكم مليكها الجديد ديونيسوس الشاب، ففشل أيضًا في محاولاته؛ الأمر الذي أقنعه بالاستقرار نهائيًّا في أثينا، حيث أنهى حياته محاطًا بتلاميذه. فلسفته:

أوجد أفلاطون ما عُرِفَ من بعدُ بطريقة الحوار، التي كانت عبارة عن دراما فلسفية حقيقية، عبَّر من خلالها عن أفكاره عن طريق شخصية سقراط، الذي تمثَّله إلى حدِّ بات من الصعب جدًّا، من بعدُ، التمييز بين عقيدة التلميذ وعقيدة أستاذه الذي لم يخلِّف لنا أيَّ شيء مكتوب. هذا وقد ترك أفلاطون كتابةً ثمانية وعشرين حوارًا، تتألق فيها، بدءًا من الحوارات الأولى، أو “السقراطية”، وصولاً إلى الأخيرة، حيث شاخ ونضج، صورة سقراط التي تتخذ طابعًا مثاليًّا؛ كما تتضح من خلالها نظريته في المُثُل، ويتم فيها التطرق لمسائل عيانية هامة.

تميِّز الميتافيزياء الأفلاطونية بين عالمين: العالم الأول، أو العالم المحسوس، هو عالم التعددية، عالم الصيرورة والفساد. ويقع هذا العالم بين الوجود واللاوجود، ويُعتبَر منبعًا للأوهام (معنى استعارة الكهف) لأن حقيقته مستفادة من غيره، من حيث كونه لا يجد مبدأ وجوده إلا في العالم الحقيقي للـمُثُل المعقولة، التي هي نماذج مثالية تتمثل فيها الأشياء المحسوسة بصورة مشوَّهة. ذلك لأن الأشياء لا توجد إلاَّ عبر المحاكاة والمشاركة، ولأن كينونتها هي نتيجة ومحصلِّة لعملية يؤديها الفيض، كـصانع إلهي، أعطى شكلاً للمادة التي هي، في حدِّ ذاتها، أزلية وغير مخلوقة (تيميوس).

هذا ويتألف عالم المحسوسات من أفكار ميتافيزيائية (كالدائرة، والمثلث) ومن أفكار “غير افتراضية” (كالحذر، والعدالة، والجمال، إلخ)، تلك التي تشكِّل فيما بينها نظامًا متناغمًا، لأنه معماري البنيان ومتسلسل بسبب وعن طريق مبدأ المثال السامي الموحَّد الذي هو “منبع الكائن وجوهر المُثُل الأخرى”، أي مثال الخير.

لكن كيف يمكننا الاستغراق في عالم المُثُل والتوصل إلى المعرفة؟ في كتابه فيدروس، يشرح أفلاطون عملية سقوط النفس البشرية التي هَوَتْ إلى عالم المحسوسات – بعد أن عاشت في العالم العلوي – من خلال اتحادها مع الجسم. لكن هذه النفس، وعن طريق تلمُّسها لذلك المحسوس، تصبح قادرة على دخول أعماق ذاتها لتكتشف، كالذاكرة المنسية، الماهية الجلية التي سبق أن تأمَّلتها في حياتها الماضية: وهذه هي نظرية التذكُّر، التي يعبِّر عنها بشكل رئيسي في كتابه مينون، من خلال استجواب العبد الشاب وملاحظات سقراط الذي “توصل” لأن يجد في نفس ذلك العبد مبدأً هندسيًّا لم يتعلَّمه هذا الأخير في حياته.

إن فنَّ الحوار والجدل، أو لنقل الديالكتيكا، هو ما يسمح للنفس بأن تترفَّع عن عالم الأشياء المتعددة والمتحولة إلى العالم العياني للأفكار. لأنه عن طريق هذه الديالكتيكا المتصاعدة نحو الأصول، يتعرَّف الفكر إلى العلم انطلاقًا من الرأي ا
لذي هو المعرفة العامية المتشكِّلة من الخيالات والاعتقادات وخلط الصحيح بالخطأ. هنا تصبح الرياضيات، ذلك العلم الفيثاغوري المتعلق بالأعداد والأشكال، مجرد دراسة تمهيدية. لأنه عندما نتعلَّم هذه الرياضيات “من أجل المعرفة، وليس من أجل العمليات التجارية” يصبح بوسعنا عن طريقها “تفتيح النفس […] للتأمل وللحقيقة”. لأن الدرجة العليا من المعرفة، التي تأتي نتيجة التصعيد الديالكتيكي، هي تلك المعرفة الكشفية التي نتعرَّف عن طريقها إلى الأشياء الجلية.

لذلك فإنه يجب على الإنسان – الذي ينتمي إلى عالمين – أن يتحرر من الجسم (المادة) ليعيش وفق متطلبات الروح ذات الطبيعة الخالدة، كما توحي بذلك نظرية التذكُّر وتحاول البرهنة عليه حجج فيدون. من أجل هذا يجب على الإنسان أن يعيش على أفضل وجه ممكن. فمعرفة الخير هي التي تمنعه من ارتكاب الشر. ولأنه “ليس أحد شريرًا بإرادته” فإن الفضيلة، التي تقود إلى السعادة الحقيقية، تتحقق، بشكل أساسي، عن طريق العدالة، التي هي التناغم النفسي الناجم عن خضوع الحساسية للقلب الخاضع لحكمة العقل. وبالتالي، فإن هدف الدولة يصبح، على الصعيد العام، حكم المدينة المبنية بحيث يتَّجه جميع مواطنيها نحو الفضيلة.

هذا وقد ألهمت مشاعية أفلاطون العديد من النظريات الاجتماعية والفلسفية، بدءًا من يوطوبيات توماس مور وكامبانيلا، وصولاً إلى تلك النظريات الاشتراكية الحديثة الخاضعة لتأثيره، إلى هذا الحدِّ أو ذاك. وبشكل عام فإن فكر أفلاطون قد أثَّر في العمق على مجمل الفكر الغربي، سواء في مجال علم اللاهوت (اليهودي والمسلم والمسيحي) أو في مجال الفلسفة العلمانية التي يشكِّل هذا الفكر نموذجها الأول.

مؤلَّفاته
المأدبة أو “في الحب”: يبيِّن هذا الحوار، الذي جرى تأليفه في العام 384 ق م، كيف أن ولوج الحقيقة يمكن أن يتم بطرق أخرى غير العقل، وليس فقط عن طريقه: لأن هناك أيضًا وظيفة للـقلب، تسمح بالانتقال من مفهوم الجمال الحسِّي إلى مفهوم الجمال الكامل للمثال الجلي.

والقصة هي قصة الشاعر أغاثون الذي أقام في منزله مأدبة للاحتفال بنجاح أول عمل مسرحي له. وفي هذه المأدبة طُلِبَ من كلِّ المدعوين، ومن بينهم سقراط، أن يلقوا كلمة تمجِّد إله الحب – وخاصة أريستوفانيس الذي طوَّر أسطورة الخنثى البدئية. ويقوم سقراط، انطلاقًا من تقريظ الجمال، بمحاولة لتحديد طبيعة الحب، متجنبًا الوقوع في شرك الجدال، متمسِّكًا فقط بالحقيقة. فيستعيد كلمات ديوتيما، كاهنة مانتيني، للتأكيد على أن الحب هو عبارة عن “شيطان” وسيط بين البشر وبين الآلهة؛ لأنه في آنٍ معًا كابن للفقر (أو الحاجة) – بسبب كونه رغبة لما ينقصه – وابن للثروة – بسبب كونه “شجاعًا، مصممًا، مضطرمًا، و… واسع الحيلة” – فإنه (أبا الحب) يحاول دائمًا امتلاك الخير والهناءة بمختلف الطرق، بدءًا من الفعل الجنسي الجسدي وصولاً إلى النشاط الروحي الأسمى. فـالديالكتيكا المترقِّية ترفعنا من حبِّ الجسد إلى حبِّ النفوس الجميلة، لتصل بنا أخيرًا إلى حبِّ العلم. لأنه، وبسبب كونه رغبةً في الخلود وتطلعًا إلى الجمال في ذاته، يقودنا الحبُّ الأرضي إلى الحبِّ السماوي. وهذا هو معنى ما سمِّيَ فيما بعد بـالحب الأفلاطوني، الذي هو الحب الحقيقي، كما يوصلنا إليه منطق المأدبة. إن أهمية هذا الحوار – الذي هو أحد أجمل الحوارات – لم تتدنَّ خلال تاريخ الفلسفة كلِّه: حيث نجد صداه، مثلاً، في العقيدة المسيحية للقديس أوغسطينوس، الذي كان يعتقد بأن “كلَّ فعل محبة هو، في النهاية، حب للإله”.

فيدون أو “في الروح”: يدور هذا الحوار في الحجرة التي كان سقراط ينتظر الموت فيها. لأن الحضور، وانطلاقًا مما كان يدَّعيه بأن الفيلسوف الحقيقي لا يخشى الموت، يدعو المعلِّم لكي يبرهن على خلود النفس. وهنا، يجري بسط أربع حجج أساسية:

الحجة الأولى، التي تستند إلى وجود المفارقات، تقول إنه، انطلاقًا من الصيرورة المستمرة للأشياء، ليس في وسعنا فهم شيء ما (النوم مثلاً) دون الاستناد إلى نقيضه (اليقظة ليس حصرًا). ولأن الموت يبيِّن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الآخرة، فإنه من المنطقي الاعتقاد بأن “الولادة من جديد” تعني الانتقال منه إلى الحياة. وبالتالي، إذا كانت النفس تولد من جديد، فإن هذا يعني أن التقمص حقيقة واقعة.

أما الحجة الثانية، فهي تستند إلى تلك الأفكار التي ندعوها بـالذكريات. لأن ما نواجهه في العالم الحسِّي إنما هو أشياء جميلة، لكنها ليست هي الجمال. لذلك ترانا نحاول تلمس هذا الأخير من خلال تلك الأشياء، التي، باستحضارها، تعيدنا حتمًا إلى لحظات من الحياة فوق الأرضية كانت روحنا فيها على تماس مباشر مع الطهارة.

وتقول الحجة الثالثة إنه يمكن شَمْلُ كلِّ ما في الوجود ضمن مقولتين اثنتين: المقولة الأولى تضم كلَّ ما هو مركَّب (وبالتالي ممكن التفكك) أي المادة؛ والمقولة الأخرى التي تشمل ما هو بسيط (أي لا يمكن تفكيكه)، كجزء مما هو مدرَك، أي الروح.

وعندما يلاحظ كيبيوس بأن سقراط، الذي برهن على إمكانية انتقال الروح من جسم إلى آخر، لم يبرهن على خلود هذه الأخيرة في حدِّ ذاتها، يجيبه سقراط من خلال عرض مسهب، يتطرق فيه إلى نظرية المُثُل، حيث يبيِّن في نهايته أن الروح لا تتوافق مع الموت لأنها من تلك العناصر التي ليس بوسعها تغيير طبيعتها.

وينتهي الحوار بعرض طويل لمفهومي العالم العلوي والمصير الذي يمكن أن تواجهه النفس: حيث ترتفع النفوس الأكمل نحو عالم علوي، بينما ترسب النفوس
المذنبة في الأعماق السفلى. وتكون كلمات سقراط الأخيرة هي التي مفادها بأنه مدين في علمه لأسكليبيوس (إله الطب والشفاء) – من أجل تذكيرنا رمزيًّا بأنه يجب علينا شكر الإله الذي حرَّره من مرض الموت.

الجمهورية أو “في العدالة”: يشكل هذا الحوار، المجموع في عشر كتيبات تمت خلال عدة سنوات (ما بين أعوام 389 و369 ق م)، العمل الرئيسي لأفلاطون المتعلِّق بـالفلسفة السياسية.

يبدأ سقراط بمحاولة تعريف العدالة استنادًا إلى ما قاله عنها سيمونيدِس، أي “قول الحقيقة وإعطاء كلِّ شخص حقه”. هذا التعريف مشكوك في ملاءمته، لأنه يجعلنا نلحق الضرر بأعدائنا، مما يعني جعلهم، بالتالي، أسوأ وأظلم. كذلك أيضًا يستبعد تعريف السفسطائي ثراسيماخوس الذي قال بأن “العدل” هو ما ينفع الأقوى.

ونصل مع أفلاطون إلى التمعُّن في مفهوم الدولة العادلة – تلك التي تعني “الإنسان مكبَّرًا” – القائمة على مشاعية الأملاك والنساء، اللواتي لا يكون التزاوج معهن انطلاقًا من الرغبات الشخصية، إنما استنادًا لاعتبارات النسل – تلك المشاعية الخاضعة لمفهوم التقشف الصحي، أي المعادي للبذخ؛ تلك الدولة القائمة على التناغم والمستندة إلى فصل صارم بين طبقاتها الأساسية الثلاث التي هي: طبقة الفلاسفة أو القادة، وطبقة الجنود، وطبقة الصنَّاع – والتي هي على صورة التوازن القائم بين المكونات الثلاث للنفس الفردية. ونلاحظ هنا، من خلال العرض، أن الطبقة الدنيا (أو طبقة الصنَّاع) لا تخضع لمتطلَّبات الملكية الجماعية لأنها لن تفهمها انطلاقًا من مستوى إدراكها.

ويفترض سقراط أنه على رأس هذه الدولة يجب وضع أفضل البشر. من هنا تأتي ضرورة تأهيلهم الطويل للوصول إلى الفهم الفلسفي للخير الذي يعكس نور الحقيقة وينير النفس، كما تنير الشمس أشياء عالمنا (استعارة الكهف).

ذلك لأن الظلم يشوِّه، بشكل أو بآخر، كافة الأشكال الأخرى من الدول، التي يعدِّدها أفلاطون كما يلي: الدولة التيموقراطية (التي يسود فيها الظلم والعنف)، الدولة الأوليغارخية (حيث الطمع الدائم واشتهاء الثروات المادية)، الدولة الديموقراطية (حيث تنفلت الغرائز وتسود ديكتاتورية العوام)، وأخيرًا، دولة الاستبداد، حيث يكون الطاغية بنفسه عبدًا لغرائزه، وبالتالي غير عادل.

وأخيرًا فإن هذا المفهوم نسبي لأن العدالة لن تتحقق بالكامل، كما تصف ذلك أسطورة إرْ، إلا في حياة مستقبلية أخرى: حيث النفوس، وقد حازت على ما تستحقه من ثواب أو عقاب، تعود لتتجسد من جديد، ناسية ذكرى حياتها الماضية.

وجهات من حياته
1- المعلم

لقد تأثر أفلاطون نفسه بالمبادئ الكلبية. وشاهد ذلك أنه يصف في المقالة الثانية من الجمهورية(59) مدينة فاضلة تعيش عيشة فطرية شيوعية؛ ونستشف من هذا الوصف عطفه على هذه المدينة وحبه إياها. نعم إنه يكتفي بقبولها ولا يدعو إليها، ويصور دولة “في الدرجة الثانية بعدها”، ولكنه حين يعمد إلى تصوير ملوكه – الفلاسفة نستشف في هذه الصورة الحلم الكلبي، فنجد رجالاً لا أملاك لهم ولا زوجات، يستمسكون بالحياة البسيطة والفلسفة الراقية، قد استحوذوا على حصن أجمل خيال في تاريخ اليونان. وكانت الخطة التي رسمها أفلاطون لإيجاد أرستقراطية شيوعية محاولة باهرة من رجل محافظ ثري للتوفيق بين احتقاره للديمقراطية وبين مثالية زمانه المتطرفة.

وكان ينتمي إلى أسرة يرجع أصلها من ناحية أمه إلى صولون ومن ناحية أبيه إلى ملوك أثينة الأولين، بل لقد ذهب بعضهم إلى أنها ترجع من هذه الناحية إلى بسيدن إله البحروكانت أمه أخت خرميدس وابنه أخ أقريتياس، ومن أجل هذا يكاد كره الديمقراطية أن يكون متأصلاً في دمه. وقد سمى أرستقليس أي الأحسن الشهير- وبرع الشاب في جميع نواحي الحياة تقريباً، فنبغ في الموسيقى، والرياضيات، والبلاغة والشعر. وافتتنت النساء، والرجال بلا ريب، بجمال طلعته؛ وصارع في الألعاب البرزخية، ولقبوه من قبيل السخرية فلاطون أي العريض لامتلاء جسمه وقوة بنيته؛ وحارب في ثلاثة معارك، ونال جائزة في الشجاعةوكتب فكاهات شعرية، وغزلاً، ومأساة رباعية ؛ وبينما كان يتردد بين الشعر والسياسة لا يعرف أيهما يختار طريقاً له في الحياة، إذ افتتن وهو في سن العشرين بسقراط؛ وما من شك في أنه كان يعرف من قبل، لأن الفيلسوف الكبير كان صديقاً لخاله خرميدس؛ ولكنه لما بلغ هذه السن كان يستطيع أن يفهم تعاليم سقراط ويستمتع بمنظر الرجل الشيخ وهو يقذف بأفكاره في الهواء كالبهلوان، مرتكزاً على أسنة أسئلته. فما كان منه إلا أن أحرق قصائده، ونسي يوربديز والألعاب الرياضية، والنساء، وتبع المعلم الشيخ كأنه سحره أو نومه تنويماً مغناطيسياً. ولعله كان يكتب مذكرات في كل يوم، لأنه كان يشعر كما يشعر الفنان المرهف الحس بما لهذا الشيخ البطين المشوه المحبوب من شأن عظيم في مستقبل الأيام.

ولما بلغ أفلاطون الثالثة والعشرين من عمره شبت ثورة المحافظين في عام 404 بقيادة جماعة من أقربائه، وشهد أيام الإرهاب الألجركي العصيبة، وشجاعة سقراط في تحدي الثلاثين، وموت أقريتياس وخرميدس، وعودة الديمقراطية، ومحاكمة سقراط وموته. وبدا العالم كله يتصدع ويتهدم حول هذا الشاب الذي كان من قبل لا يتطرق الهم إلى قلبه، ففر من أثينة التي بدت في نظره كأنها مأوى الشياطين، ووجد بعض الراحة في ميغارا في بيت إقليدس، ثم في قورينا ولعله كان فيها مع أرستبوس. ويظهر أنه سافر منها إلى مصر حيث درس على الكهنة العلوم الرياضية والمعارف التاريخية الشعبيةونراه مرة أخرى ف
أثينة حوالي عام 395، وبعد عام من ذلك الوقت حارب دفاعاً عن كورنثة. وبدأ أسفاره مرة أخرى حوالي عام 387، ودرس فلسفة فيثاغورس مع أرخيتاس في تاراس ومع تيماس في لكري، ثم انتقل إلى صقلية ليشاهد بركان إتنا، وارتبط برباط الصداقة مع ديون طاغية سراقوصة، وقُدّم لدنيسوس الأول، وبِيعَ بَيْعَ الرقيق، ثم عاد سالماً إلى أثينة في عام 386. ولما رفض أنسريس الثلاثة آلاف درخمة التي جمعها أصدقائه ليفتدوه بها، ابتاع له هؤلاء الأصدقاء بهذا المال أيكة للتنزه في ضاحية من ضواحي المدينة وأطلقوا عليها اسماً مشتقاً من إلهها المحلي أكديموس ، وفيها أنشأ أفلاطون الجامعة التي قُدِر لها أن تكون فيما بعد مركز بلاد اليونان العقلي تسعمائة عام كاملة .

وكان المجمع العلمي (الأكاديمية) من الناحية الفنية إخوة دينية (ثاسيوس ) مخصصاً لعبادة ربات الشعر والفن، ولم يكن الطلاب يؤدون فيه أجوراً عن التعليم، ولكنهم كانوا في الغالب من أبناء الأسر الغنية، ولذلك كان يُنتظر من آبائهم أن يهبوا المعهد هبات قيمة। وفي ذلك يقول سويداس إن الأغنياء ” كانوا يوصون قبل وفاتهم لأعضاء المدرسة بما يكفل لهم أن يحيوا حياة الفلاسفة غير مضطرين إلى العمل لكسب أقواتهمويقال إن دنيسوس الثاني وهب المعهد ثمانين وزنة (000ر480 ريال أمريكي)- وفي هذا ما قد يفسر صبر الفيلسوف على هذا الملك। وكان الشعراء الفكهون في ذلك الوقت يهجون الطلاب بقولهم إنهم أشخاص متصنعون في أخلاقهم متطرفون في ملابسهم – ذوو قلانس رشيقة وعصي، وستر قصيرة أو أردية جامعيةألا ما أقدم تقاليد إيتن والأثواب الجامعية السوداء! وكانت النساء يُقبلن في المجمع مع الرجال، لأن أفلاطون بقي من هذه الناحية متطرفاً في أفكاره تطرفاً جعله من أقوى أنصار المرأة، وكانت أهم موضوعات الدرس هي العلوم الرياضية والفلسفة، وقد كُتِب على مدخل المجمع هذا التحذير: “لن يدخل هذا المكان إنسان بلا هندسة”؛ ولعل قدراً كبيراً من الحساب كان من شروط القبول في المجمع. وكان معظم ما حدث من التقدم في العلوم الرياضية في القرن الرابع على أيدي رجال ممن درسوا فيه. وكان منهاج الرياضة يشمل الحساب (نظرية العدد) والهندسة الراقية، والفلك، “والموسيقى” (ولعل هذه كانت تتضمن الأدب والتاريخ)، والقانون، والفلسفة؛ وكانت الفلسفة الأخلاقية والسياسية آخر الدراسات في هذا المنهاج، هذا إذا كان أفلاطون قد أخذ بالنصيحة التي ينطق بها سقراط في معرض الدفاع إلى حد ما عن أنيتوس وملاتوس:

سقراط: إنك تعرف أن ثمة مبادئ معينة في العدالة والخير تعلمناها في طفولتنا، ونشأنا تحت رعايتها الأبوية، نطيعها ونعظمها.

أجلوكون: هذا صحيح.

سقراط: وثمة أيضاً مبادئ مناقضة لها وعادات من أنواع السرور تتملق أرواحنا وتجذبها إليها، ولكنها لا أثر لها فيمن لديهم أي إحساس بالحق، ومن لا ينقطعون عن إجلال تعاليم آبائهم وطاعتها.

أجلوكون: حق.

سقراط: فإذا كان الإنسان في هذه الحال وسألته روحه السائلة ما هو الشيء الجميل الشريف؟ وأجاب بأن ذلك هو الذي يأمر به القانون، نقضت الحجج أقوال المشترع، فاضطر إلى الاعتراف بأن لا شيء فيه من الجمال أكثر مما فيه من القبح، أو فيه من العدالة والطيبة أكثر مما فيه من نقيضيهما، وإلى الاعتراف بأن هذا بعينه ينطبق على جميع آرائه التي خلع عليها الزمن جلالاً وتعظيماً، إذا حدث هذا فهل تظن أنه سيظل يعظم هذه التعاليم ويطيعها؟.

أجلوكون: هذا مستحيل.

سقراط: وإذا لم يعد يظنها كما كان يظنها من قبل شريفة وطبيعية، ثم عجز عن معرفة الحق، فهل يُنتظر منه أن يحيا حياة غير الحياة التي تتملق شهواته؟

أجلوكون: ذلك ما لا يُنتظر منه.

سقراط: وهل ينقلب بعدئذ من إنسان طائع للقوانين إلى إنسان خارج عليها؟.

أجلوكون: بلا ريب.

سقراط: وإذن فلا بد من الحذر الشديد في إدخال مواطنينا الذين لا يتجاوزون سن الثالثة والثلاثين في الجدل… إذ يجب ألا يسمح لهم بتذوق هذه اللذة العزيزة قبل الأوان؛ هذا شيء ينبغي تجنبه بنوع خاص، لأن الشبان، كما رأيت، إذا تذوقوا الجدل بدءوا من فورهم يجادلون حباً في الجدل، ولا ينفكون يعارضون غيرهم ويدحضون حججهم تقليداً منهم لمـن ينقضون حججهم هم؛ فهم في هذا أشبه بصغار الكلاب التي يسرها أن تشد أثواب كل من يقترب منها وتمزقها.

أجلوكون: نعم إن هذا هو الذي يسرها.

سقراط: وإذا ما غلبوا الكثيرين من الناس وغلبهم الكثيرون اندفعوا بسرعة وعنف إلى حال لا يؤمنون معها بأي شيء كانوا يؤمنون به من قبل، ومن… ثم تسوء سمعة الفلسفة عند سائر الناس. أجلوكون: هذا هو عين الحق.

سقراط: ولكن الرجل إذا بدأ يكبر، فإنه لا يرتكب هذا الضرب من الأعمال الجنونية؛ بل يحذو حذو الرجل المنطقي الذي يبحث عن الحقيقة، لا حذو الخصيم الذي يعارض لما يجده في المعارضة من لذة؛ وإن إجلال الناس لخلقه سيزيد من شرف هذا السعي بدل أنه ينقص منه).

وكان أفلاطون وأعوانه يعلمون الناس بالمحاضرات والحوار، وبعرض المسائل على الطلاب لحلها؛ وكان من هذه المسائل إيجاد: “الحركات المنتظمة المتساوية التي يمكن بالاستناد إليها تعليل حركة الكواكب؛ ولعل أودكسوس وهرقليدس قد وجدا في هذه البحوث ما يحفزهما إلى العمل. وكانت المحاضرات علمية، وكانت في بعض الأحيان مخيبة لآمال مَن جاءوها طلباً للكسب المادي، ولكن تلاميذ أرسطو ودمستين وليقورغ، وهيبريدس، وأكسانوقراطيس تأثروا بها أعمق التأثر ونشروا في كثير من الأحيان ما كتبوه عنها من مذكرات. وقال أنتفا
نس متفكهاً إن الكلمات التي كان ينطق بها أفلاطون أمام طلابه في شبابهم لم يفهموها إلا في شيخوختهم؛ كما كانت الألفاظ في إحدى المدن القائمة في أقصى الشمال تتجمد حين تخرج من أفواه المتكلمين ثم تُسمع في الصيف حينما تسيح).

2- الفنان

يقر أفلاطون نفسه أنه لم يكتب في حياته رسالة علمية، ويشير أرسطوطاليس إلى ما كان يلقى من العلوم في المجمع العلمي بقوله “تعاليم” أفلاطون “غير المكتوبةولسنا نعرف مدى اختلاف هذه التعاليم عما ورد في المحاورات ، وأكبر الظن أن هذه المحاورات كانت في بادئ الأمر وسيلة للترويح عن النفس، وأنها كانت تُلقى بطريقة فكهة إلى حد ماومن سخريات التاريخ أن المؤلفات الفلسفية التي تدرس في الجامعات الأوربية والأمريكية والتي تَلقى فيها أعظم التقدير والإجلال في هذه الأيام قد ألفت لتقرب الفلسفة من أذهان غير العلماء بربطها بإحدى الشخصيات المعروفة. ولم تكن محاورات أفلاطون أول ما كُتب من الحوار الفلسفي، فقد اتبع زينون الإليائي وكثيرون غيره هذه الطريقة ذاتها، ونشر تيمن الأثيني قاطع الجلود بطريقة الحوار أحاديث سقراط التي كانت تدور في حانته وكانت المحاورات كما أوردها أفلاطون قطعة أدبية لا تاريخية؛ وهو لا يدعي أنه ينقل لنا نصاً دقيقاً للأحاديث التي كانت تجري قبل أن يكتبها بثلاثين عاماً أو خمسين، بل ولا يدعي أنه يحرص على أن يكون ما فيها من إشارات منسقاً غير متناقض بعضه مع بعض. وذهل غورغياس كما ذهل سقراط حين سمعا الألفاظ التي أنطقهما بها الفيلسوف المسرحيوقد كتبت المحاورات مستقلة كل منها عن الأخرى، ولعلها كتبت في فترات متباعدة تباعداً طويلاً، وليس من حقنا أكثر من هذا أن نرتاع لما فيها من آراء متناقضة. وليس ثمة خطة موضوعة للتأليف بينها كلها وجعلها وحدة منسقة، اللهم إلا البحث المتواصل الذي يقوم به عقل ينمو ويتطور تطوراً واضحاً ملموساً عن الحقيقة التي لا يستطيع الحصول عليها أبداً . والمحاورات مركبة بمهارة وإن كانت لا ترقى إلى الدرجة الوسطى. وهي تصور الأفكار تصويراً مسرحياً، وترسم صورة منسقة لسقراط تدل على حب أفلاطون الشديد له؛ ولكنها قلما تدل على وحدة الأفكار أو تسلسلها، وكثيراً ما تنتقل من موضوع إلى موضوع وتسئم القارئ في كثير من أجزائها لأنه يورد الحديث بمعناه لا بلفظه – فيجعل رجلاً واحداً ينقل سائر أحاديث غيره من الناس. ويقول سقراط إن ذاكرته “غاية في الضعفولكنه مع ذلك يتلو على صديق له عن ظاهر قلب أربعاً وأربعين صفحة من نقاش جرى في أيام شبابه بينه وبين بروتاغوراس. ومما يضعف معظم المحاورات أنها يعوزها المتكلمون الأقوياء القادرون على أن يردوا على سقراط “بغير نعم” أو ما في معناها. ولكن هذه العيوب تختفي في تألق اللغة ووضوحها، وما في الموقف، والتعبير، والفكرة من فكاهة؛ والعالم الحي وما فيه من مختلف الشخصيات البشرية الحقيقية، وما تفتحه هذه المحاورات من نوافذ توصل إلى العقل العميق النبيل. وفي وسعنا أن نحكم على ما كان لهذه المحاورات من قيمة عظيمة عند الأقدمين، إذا ذكرنا أنها أكمل نتاج عقلي وصل إلينا من أي مؤلف يوناني؛ وإن شكلها ليضعها في تاريخ الأدب في منزلة لا تقل سمواً عن المنزلة التي يضعها فيها موضوعها في تاريخ الفكر.

وأقدم المحاورات من خير الأمثلة في جدل الشباب الخصيم الذي يندد به في الفقرة التي أوردناها من قبل، ولكن الصورة الساحرة التي تصور بها هذه المحاورات الشباب الأثيني تذهب بما فيها من عيوب من هذه الناحية. ومعرض الآراء هو خير ما كتب من نوعه في أدب العالم كله، وهو خير مقدمة لكتب أفلاطون؛ وإن ما فيه من تصوير مسرحي للمناظر (ونورد على سبيل المثال قول أجاثون لخدمه: “تصوروا أنكم أرباب المنزل وأنني أنا وأصحابي ضيوفكم، والصورة الحية التي رسمها لأرسطوفان “وقد تملكه الفواق من كثرة الأكل”، وقصته المرحة عن ألقبيادس الثمل الذي افتضح أمره بين الناس، وأهم من هذا كله براعته في التأليف بين الواقعية القاسية في صورة سقراط وبين فكرته السامية عن الحب، نقول إن هذه الصفات تجعل معرض الآراء آية أدبية رائعة في فن النثر. أما الفيدون فأقل من معرض الآراء قوة وأكثر منه جمالاً. فالنقاش الرئيسي فيه، مهما يبلغ من الضعف، نقاش أمين لا التواء فيه ولا مغالطة، يبيح لصاحب الرأي المخالف فرصة مكافئة لفرصة مناظره؛ ويتدفق تدفقاً أكثر سلاسة وسط مناظر يتغلب هدوؤها على ما فيها من مآسٍ، حتى أن موت سقراط نفسه ليشبه اختفاء النهر عن العين حين يلتف عند أحد المنحنيات. ويدور بعض ما يشتمل عليه فيدروس من حوار على شواطئ نهر حين يبرّد سقراط وتلميذه أقدامهما في ماء النهر. ولا حاجة إلى القول بأن أعظم المحاورات كلها على الإطلاق هي الجمهورية لأنها أكمل عرض لفلسفة أفلاطون، وهي في أولى أجزائها صراع مسرحي بين الأشخاص والآراء. والبارمنيدس أسوأ مثل للتلاعب المنطقي في الأدب كله، كما أنه أجرأ مثل في تاريخ الفلسفة للمفكر الذي يفند أحب العقائد إلى نفسه – نعني نظرية الأفكار – تفنيداً لا يقوى أحد على الرد عليه ودحض حججه. وفي المحاورات الأخيرة تضعف قدرة أفلاطون الفنية، فتضمحل شخصية سقراط، وتفقد الميتافيزقيا شعريتها، وتفقد السياسة “مُثُل الشباب العليا” حتى إذا ما وصلنا إلى القوانين، استسلم الرجل المتعب المنهوك القوى الذي ورث جميع ثقافة أثينة على اختلاف مناحيها إلى إغراء إسبارطة، وطلّق الحرية، والشعر والفن والفلسفة نفسها.

3- الميتافيزيقي
لم يتبع أفلاطون فيما خلفه من أفكار خطة منظمة، وإذا لخصن
نحن آراءه ووضعنا لها رؤوس موضوعات مختلفة كالمنطق، وما وراء الطبيعة، والأخلاق، وعلم الجمال، والسياسة، ليسهل علينا أن نتحدث عنها حديثاً منظماً، فإن من الواجب أن نذكر أن أفلاطون نفسه كان شاعراً مغرقاً في شاعريته إلى حد يمنعه أن يقيد أفكاره ويحدها بحدود. وإذ كان أفلاطون شاعراً فقد كان المنطق أكثر ما يعترض سبيله من الصعاب، فهو يجول هنا وهناك يبحث عن التعاريف ويضل السبيل في التشبيهات التي تعرضه لأشد الأخطار؛ “ثم دخلنا في تيه، ولما حسبنا أننا قد وصلنا إلى آخره، رأينا أنفسنا مرة أخرى في بدايته، وكان علينا أن نعود إلى البحث عن مخرج، ويختم حديثه هذا بقوله: “ولست واثقاً قط من أنه يوجد من بين العلوم علم كالمنطقولكنه مع هذا يخطو فيه الخطوة الأولى. فهو يفحص عن طبيعة اللغة ويقول إنها مشتقة من محاكاة الأصوات؛ ويبحث في التحليل والتركيب، والتشبيهات والمغالطات، ويقبل الاستقراء، ولكنه يفضل الاستدلال؛ ويضع في هذه المحاورات الشعبية نفسها مصطلحات فنية، كالجوهر، والطاقة، والفعل والانفعال، والتوليد، وهي المصطلحات التي استخدمتها الفلسفة فيما بعد. وهو يضع أسماء لخمس من المقولات العشر التي أذاعت شهرة أرسطوطاليس. وهو يرفض قول السوفسطائيين إن الحواس خير وسيلة لمعرفة الحقيقة وإن الفرد هو مقياس الأشياء جميعها؛ ويقول إنه لو صح هذا لكان ما يقوله أي إنسان عن العالم مساوياً في قيمته لما يقوله أي نائم، وأي مخبول، أو أي قرد).

ولسنا نستمد من فوضى الحواس إلا فيضاً من التغيرات الهرقليطية؛ ولو لم تكن لنا إلا إحساسات، لما كانت لدينا قط معلومات أو حقائق؛ ذلك أن المعلومات لا تأتي إلا عن طريق الأفكار، وعن طريق الصور المعممة، والأشكال التي تصوغ فوضى الإحساسات وتكون منها التفكير المنظمولو كنا لا ندك إلا الأشياء المفردة لكان التفكير مستحيلاً، ذلك أننا نتعلم التفكير بجمع الأشياء وتصنيفها حسب ما بينها من أوجه الشبه، ثم نعبر عن الصنف بأجمعه باسم عام له، فلفظ رجل يمكننا من أن نفكر في جميع الرجال، ولفظ منضدة يمكننا من التفكير في جميع المناضد ولفظ ضوء في جميع الأضواء التي سطعت في البر أو البحر. وليست هذه الآراء أشياء تدركها الحواس، ولكنها حقائق تعرف بالتفكير، لأنها تبقى، ولا تتغير، ولو انعدمت جميع الموجودات الحسية المقابلة لها. فالرجال يولدون ويموتون، ولكن “الرجل” يبقى. وليس كل مثلث بمفرده إلا مثلثاً ناقصاً، يفنى عاجلاً أو آجلاً، ومن أجل هذا فهو غير حقيقي نسبياً، ولكن “مثلث”- أي الشكل والقانون اللذين ينطبقان على جميع المثلثات- كامل سرمديوكل الأشكال الرياضية أفكار سرمدية وكاملة ، وكل ما تقوله الهندسة عن المثلثات، والدوائر، والمربعات، والمكعبات، والكرات، يبقى صحيحاً، ومن ثم فهو “حقيقي” ولو لم توجد هذه الأشكال في العالم المادي في الماضي أو في المستقبل. والمعاني المجردة هي الأخرى حقيقية بهذا المعنى؛ فالأعمال الفردية الفاضلة قصيرة الأجل ولكن الفضيلة تبقى حقيقية خالدة في التفكير وأداة للتفكير؛ وهذا أيضاً شأن الجمال، والكبر، والمشابهة وما إليهافالأعمال والأشياء الفردية أشياء وأعمال بالصورة التي نعرفها بها، لأنها تشترك في هذه الأشكال الكاملة أو الأفكار، وتحقق وجودها بدرجة قليلة أو كثيرة. وعالم العلم والفلسفة لا يتكون من أشياء مفردة، بل يتكون من ؛ والتاريخ المتميز عن السِّيَر هو قصة الإنسان، وليس علم الأحياء هو علم كائنات عضوية معينة بل هو علم الحياة نفسها، وليست العلوم الرياضية هي دراسة الأشياء المجسمة بل هي دراسة العدد، والعلاقة، والشكل، مستقلة عن الأشياء نفسها، ولكنها تصدق على جميع الأشياء. والفلسفة هي علم الأفكار.

وكل شيء في ميتافيزيقية أفلاطون يدور حول نظرية الأفكار. فالله المحرك الأول الذي لا يتحرك، أو روح العالم، يحرك كل شيء وينظمه حسب القوانين والأشكال الأزلية، وهي الأفكار التي لا تتبدل والتي تكون، على حد قول أصحاب الأفلاطونية الحديثة، الكلمة أو الحكمة الإلهية أو عقل الله. وأرقى الأفكار هو الخير، ويرى أفلاطون في بعض الأحيان أن هذا الخير هو الله نفسه، ولكنه في أكثر الأحيان هو أداة الخلق الهادية المرشدة، والشكل الأعلى الذي تنجذب إليه كل الأشياء. وإدراك هذا الخير، ورؤية هذا المثل الأعلى الذي يشكل عملية الخلق، هو أسمى غاية تبتغيها المعرفةوليست الحركة وعملية الخلق عمليتين آليتين، بل هما تحتاجان في العالم، كما نحتاج نحن، إلى روح أو مبدأ حيوي يكون هو قوتهما المنشئة المبدعة).

وليس شيء حقيقياً إلا الذي فيه قوةومن أجل هذا فإن المادة ليست حقيقة بل هي مجرد مبدأ من القصور الذاتي، وإمكانياته تنتظر أن يعطيها الله أو الروح شكلاً خاصاً وكياناً حسب فكرة من الأفكار. والروح هي القوة المتحركة بنفسها الموجودة في الإنسان، وهي جزء من الروح المتحركة بنفسها الموجودة في الأشياء جميعهاوهي قوة حيوية خالصة، مجردة من الجسم، وخالدة. وقد وجدت قبل الجسم، وجاءت معها من حلولها في أجسام سابقة بذكريات كثيرة إذ أيقظتها الحياة الجديدة حسبناها خطأ معلومات جديدة. ولنضرب لذلك مثلاً الحقائق الرياضية فهي بأجمعها حقائق فطرية بهذه الطريقة، وكل ما يفعله التعليم هو أنه يوقظ ذكريات الأشياء التي عرفتها الروح في حيواتها الكثيرة الماضيةوإذا مات الإنسان انتقل روحه أو مبدأ الحياة الذي فيه إلى كائنات عضوية أخرى أرقى منه أو أحط حسب ما استحقته في تجسداتها السابقة. وربما ذهبت الروح المذنبة إلى المطهر أو الجح
يم، وذهبت الروح الفاضلة إلى جزائر المباركينفإذا ما تطهرت الروح في خلال الحيوات المختلفة من جميع آثامها، تحررت من التجسد وصعدت إلى الفردوس تتمتع فيه بالسعادة السرمدية .

4- العالم الأخلاقي

لقد كان أفلاطون يعرف أن كثيرين من قرائه سيكونون من المتشككين، ودليلنا على هذا أنه قضى بعض الوقت يحاول وضع قانون أخلاقي طبيعي يبعث في نفوس الناس الرغبة في الاستقامة والصلاح من غير أن يعتمدوا على السماوات والمطهر والجحيموإن المحاورات التي كتبها في حياته الوسطى لتتحول شيئاً فشيئاً من الميتافيزيقا إلى الأخلاق والسياسة “إن أعظم أنواع الحكمة وأجملها هي الحكمة المتصلة بتنظيم الدول

والمشكلة الرئيسية في علم الأخلاق تدور حول النزاع الظاهر بين ملاذ الفرد وبين الخير الاجتماعي. ويعرض أفلاطون هذه المشكلة عرضاً واضحاً ويورد على لسان كلياس من الحجج التي تبرر الأنانية ما لا يقل عن أقوى الحجج التي أوردها أي داعية لمخالفة القواعد الخلقية في عصر من العصوروهو يعترف بأن كثيراً من اللذائذ لا عيب فيه ولا إثم، وأن الإنسان في حاجة إلى الذكاء للتمييز بين اللذات الطيبة واللذات الضارة، وأن من الواجب أن تربى في الطفل عادة الاعتدال وإدراك “الأواسط الذهبية للأمور” خشية أن يأتي الذكاء متأخراً بعد فوات الوقت

وتتكون النفس أو أصل الحياة من ثلاث درجات أو أجزاء- الشهوة، والإدارة، والفكر، ولكل جزء من هذه الأجزاء فضيلته الخاصة- الاعتدال والشجاعة، والحكمة؛ ويجب أن تضيف إليها التقوى والعدالة- وأداء واجب الإنسان نحو والديه وآلهته. ويمكن تعريف العدالة بأنها هي تعاون الأجزاء في الكل، أو العناصر في الأخلاق، أو الأهلين في الدولة، بحيث يقوم كل جزء بواجبه اللائق به على الوجه الأكمل(وليس الخير هو الفعل وحده أو اللذة وحدها، بل هو امتزاجهما بنسب ومقادير تنتج منها حياة الفعلوالخير الأسمى كائن في العلم الخالص بالأشكال والقوانين السرمدية، و”أسمى خير” من الناحية الأخلاقية “… هو ما في النفس من قدرة أو موهبة، إذا كان ثمة شيء من هذا النوع تستطيع به أن تعرف الحقيقة، وأن تفعل كل الأشياء من أجل الحقيقة؛ ومن يحب الحقيقة لا يهمه أن يجزي الإساءة بالإساءة، بل يفضل أن يتحمل على أن يرتكب هو الظلم، و”يضرب في الأرض براً وبحراً يبحث عن الناس الذين لا يجد الفساد سبيلاً إليهم، والذين لا تُقَوَّم صحبتهم بالمال أياً كان… والذين يهبون أنفسهم للفلسفة بحق يمتنعون عن الشهوات الجسمية، وإذا ما عرضت عليهم الفلسفة أن تطهرهم من الشر وتحررهم منه، أحسوا بأن من واجبهم ألا يقاوموا تأثيرها فيهم؛ ومن أجل ذلك يميلون نحوها، ويسيرون خلفها للهدف الذي

وكان أفلاطون قد حرق قصائده وفقد عقائده الدينية، ولكنه ظل مع ذلك شاعراً وعابداً؛ يغمر فكرته عن الخير إحساس قوي بالجمال وتقوى ممتزجة بالزهد والتقشف؛ توحدت فيه الفلسفة والدين وامتزجت فيه الأخلاق بحاسة الجمال. ولما تقدمت به السن عجز عن أن يرى الجمال منفصلاً عن الخير والحقيقة. وكان في دولته المثالية يفرض الرقابة على جميع الفن والشعر اللذين قد ترى الحكومة أن فيهما نزعة مغايرة للأخلاق الفاضلة أو الوطنية، وهو يمنع فيها جميع الخطب وجميع المسرحيات المضادة للدين؛ وحتى شعر هومر نفسه- الذي يصور الدين المغاير للأخلاق تصويراً مغرياً- يجب أن يضحى به. وكان يجيز في هذه الدولة المثالية أساليب الموسيقى الدُّورية والفريجية؛ ولكنه يشترط ألا تضر بها آلات معقدة التركيب أو يعزفها فنانون يُحدثون “أصواتاً وحشية” في أثناء عرضهم الفنيأو يُدخلون فيها بدعاً متطرفة.

“يجب الابتعاد عن إضافة أي نوع جديد لأنواع الموسيقى، لأن هذا يعرض الدولة كلها للخطر؛ وسبب ذلك أن الأنماط الموسيقية إذا اضطربت أثرت حتماً في أهم الأنظمة السياسية… ذلك أن النمط الجديد يتأصل في الدولة تدريجاً، ويتطرق شيئاً فشيئاً إلى أخلاق الناس وعاداتهم، ومن هذه الأخلاق والعادات يهاجم الشرائع والدساتير، ويظهر في هذا الهجوم منتهى السفالة، وينتهي الأمر بقلب كل شيء في الدولة رأساً على عقبوالجمال كالفضيلة إنما يكون في اللياقة، والتناسب، والنظام. والعمل الفني يجب أن يكون مخلوقاً حياً، ذا رأس، وجذع، وأطراف، توحدها وتبعث فيها الحياة، فكرة واحدةويظن هذا المتزمت المتحمس أن الجمال الحق هو جمال العقل لا جمال الجسم، وأن الأشكال الهندسية ذات جمال سرمدي مطلق، وأن القوانين التي تقوم عليها السماوات تفوق النجوم في جمالهاوالحب هو طلب الجمال ويتألف من ثلاث مراحل أولاها حب الجسم والثانية حب الروح والثالثة حب الحقيقة. وحب الجسم بين الرجل والمرأة مشروع لا إثم فيه لأنه وسيلة للتناسل الذي هو نوع من أنواع الخلودولكنه مع ذلك صورة بدائية من الحب غير جديرة بالفيلسوف. والحب الجسمي بين الرجل والرجل أو بين المرأة والمرأة مناف للطبيعة ويجب قمعه لأنه يعطل التناسلوقمعه مستطاع بالسمو به إلى المرحلة الثانية أي المرحلة الروحية من مراحل الحب: ففي هذه المرحلة يحب الرجل الكبير السن الشاب لأن وسامته رمز للجمال الطاهر السرمدي، والشاب يحب الشيخ لأن حكمته تيسر له سبيل الفهم والشرف. ولكن أسمى أنواع الحب هو “حب الاستحواذ على الخير الأبدي” وهو الحب الذي يسعى وراء الجمال المطلق للأفكار أو الأشكال الكاملة السرمديةوهذا النوع لا العاطفة غير الجسمية بين الرجل والمرأة هو “الحب الأفلاطوني”، وهو النقطة التي يتحدث عندها أفلاطون الشاعر مع أفلاطون الفيلسوف في الر
غبة القوية في الفهم، وتكاد هذه الرغبة أن تكون شغفاً صوفياً بما في القانون وما في بناء العالم وحياته وغايته من نور النعيم الباهر. “لأن أديمنتس، الذي لا يتحول عقله عن الوجود الحق لا يجد لديه وقتاً يطل فيه على شئون الناس، أو يمتلئ فيه قلبه حسداً وغُلاً من النزاع معهم؛ ذلك أن عينه تتجه على الدوام نحو المبادئ الثابتة التي لا تتبدل، وهي التي لا يؤذي بعضها بعضاً، بل يراها كلها تتحرك في نظام حسب قوانين العقل؛ فهو يحذو حذو هذه المبادئ، وعلى مثالها يشكل حياته قدر المستطاع).

5- الطوباوي

ولكنه مع هذا يهتم بشئون الناس، وتتمثل أمام ناظريه رؤيا اجتماعية أيضاً، ويحلم بوجود مجتمع خالٍ من الفساد والفقر والظلم والحروب. وقد روعته ما كان يسود أثينة من انقسامات حزبية مريرة “وشقاق، وعداء، وحقد، وريبة، لا تكاد تخبو نارها حتى تعود إلى الاشتعال”(وكان يحتقر ألجركية المال كما يحتقرها جميع النبلاء أبناء الأسر الشريفة ذات المجد التليد، ويقول عن رجالها إنهم “رجال الأعمال…الذين لا تطاوعهم نفوسهم إلى رؤية من قضوا عليهم بجشعهم، ويدفعون سمومهم – أي مالهم – في جسم كل من لا يحْذَرهم، ثم يستردون ما أخذوه منهم أضعافاً مضاعفة: وتلك هي الطريقة التي يملأون بها الدولة بالكسالى والمعدمين”ثم تنشأ الديمقراطية، بعد أن يتغلب الفقراء على معارضيهم، فيقتلون بعضهم، وينفون من البلاد البعض الآخر، ثم يمنحون الباقي أقساطاً متساوية من الحرية والسلطةويتضح آخر الأمر أن الديمقراطيين لا يقلون فساداً عن الحكام الأثرياء: فهم يستخدمون القوة التي تؤول إليهم لكثرة عددهم ليوزعوا الأموال العامة على الفقراء، ومناصب الدولة عليهم أنفسهم؛ وهم يتملقون العامة ويداهنونهم حتى تنقلب الحرية فوضى، وتنحط المعايير بعد أن تؤول السلطة العليا إلى أراذل الناس، وتغلظ الطباع بسبب انتشار الوقاحة والسباب؛ وكما أن السعي الجنوني وراء المال يقضي على الحكم الألجركي، كذلك يقضي على الديمقراطية التطرف في الحرية. سقراط: ففي هذه الدولة تسود الفوضى، وتتخذ سبيلها إلى البيوت الأفراد، وتنهي الأمر بانتقال عدواها إلى الحيوانات…فيتعود الأب النزول إلى مستوى أبنائه…ويتعود الابن أن يضع نفسه في مستوى أبيه، فلا يخشى أبويه، ولا يستحي منهما..ويخاف الأستاذ طلابه ويتملقهم، ويحتقر الطلاب أساتذتهم ومعلميهم..ويصبح الكبار والصغار سواسية، فيضع الشاب نفسه في مستوى الشيخ، ولا يستنكف أن يعارضه بالقول والفعل، ولا يتحرج الشيوخ من تقليد الشبان. ومن واجبي ألا أنسى حرية الجنسين الذكور والإناث ومساواة كليهما بالآخر في علاقتهما بعضهما ببعض…والحق أن الخيل والحمير، لن تعدم وقتئذ سبيلاً للسير مع الناس جنباً إلى جنب، والاستمتاع بكل ما لأحرار الناس من حقوق وكرامات… وقصارى القول أن الأشياء جميعها توشك أن تنفجر لكثرة ما أتخمت بالحرية…

أديمنتس: ولكن ما هي الخطوة التالية؟…

سقراط: إن ازدياد أي شيء فوق حده كثيراً ما يؤدي إلى انقلاب في الاتجاه المضاد له… ولهذا يبدو أن الإفراط في الحرية، سواء كان ذلك من ناحية الأفراد أو من ناحية الدول، لن يؤدي إلا إلى الاستعباد…ونرى أن أشد أنواع الحكومات استبداداً تنشأ من أشد أنواع الحرية تطرفاً.

وإذا ما صارت الحرية تحللاً من كل القيود، فقد اقتربت الدكتاتورية. ذلك أن الأغنياء يخشون وقتئذ أن تجردهم الديمقراطية من مالهم فيأتمرون بها ليقضوا عليهاوقد يغتصب السلطة أحد الأفراد المغامرين، ويعد الفقراء بكل ما يرغبون فيه، ويحيط نفسه بجيش خاص به، ويقتل أولاً أعداءه ثم يتبعهم بأصدقائه “حتى يطهر الدولة” من هؤلاء وأولئك، ويقيم حكومة دكتاتوريةوفي هذا الصراع العنيف بين الآراء المتطرفة يكون الفيلسوف الذي ينادي بالاعتدال والتفاهم أشبه “برجل وقع بين الوحوش”؛ فإذا كان حكيماً “احتمى بجدار حتى تمر العاصفة والريح )

ومن العلماء من يلجئون في هذه الأزمات إلى الماضي، ويشتغلون بكتابة التاريخ، أما أفلاطون فيلجأ إلى المستقبل، ويضع نظام المدينة الفاضلة، ويرى أن أول ما يجب عمله هو “البحث عن ملك صالح يسمح بأن نجري التجارب على شعبه، وواجبنا الثاني هو أن نبعد من هذه المدينة جميع الكبار فلا نستبقي منهم إلا من لا غنى عنهم لحفظ النظام وتعليم الشبان، وذلك لأن أساليب الكبار تفسد الشباب وتطبعهم بطابع الماضي. ثم نعد للشباب رجالاً كانوا أو نساء منهجاً تعليمياً يمتد إلى عشرين عاماً، ويشمل تعليم الأساطير” وهو لا يقصد بها أساطير الدين القديم الفاسدة، بل أساطير جديدة تعود النفس طاعة الآباء والدولة . فإذا قضوا في التعليم هذه المدة وضعت لهم اختبارات جسمية وعقلية وأخلاقية. فأما الذين يخفقون في هذه الاختبارات فيصبحون هم رجال الاقتصاد في الدولة- رجال الأعمال، والصناع، والزراع؛ ويسمح لهؤلاء بأن تكون لهم أملاك خاصة، وأن يكونوا على درجات مختلفة في الثراء (داخل حدود معينة) حسب كفاياتهم، على أنه لا يسمح بوجود العبيد. أما من يجتازون هذا الاختبار الأول فيتلقون منهاجاً آخر من التعليم والتدريب يمتد إلى عشرة أعوام أخرى. ثم يختبرون من جديد بعد الأعوام الثلاثين؛ فأما الساقطون فيصبحون جنوداً، لا يسمح لهم بأملاك خاصة ولا يشتغلون بالأعمال التجارية والمالية، بل يعيشون في شيوعية عسكرية. وأما الذين يجتازون الاختبار الثاني فيبدأون في ذلك الوقت (لا قبله) دراسة “الفلسفة الإلهيةمدة خمس سنين. وتشمل الدراسة جميع فروع هذه الفلسفة من رياضيات إل
منطق إلى سياسة وقانون. فإذا أتموا هذه الدراسة النظرية خمسة وثلاثين عاماً، ألقوه في الحياة العملية ليكسبوا قوتهم ويشقوا طريقهم. وبعد خمسين عاماً يصبح الباقون منهم على قيد الحياة الطبقة المهيمنة على المدينة أو حكامها من غير حاجة إلى انتخاب.

ويمنح هؤلاء السلطة كلها، ولكنهم لا تكون لهم أملاك. ولن تكون للمدينة قوانين، بل تعرض كل القضايا والمنازعات على الملوك – الفلاسفة ليفصلوا فيها بحكمتهم التي لم تفسدها السوابق. ولن يكون لهؤلاء الملوك – الفلاسفة ملك ولا مال، ولا أسر، ولا زوجات يختصمون بهن على الدوام، وذلك لكيلا يسيئون استخدام سلطتهم. ويتولى الشعب التصرف في أموال المدينة كما يتولى الجند السلطة العسكرية. وليست الشيوعية عند أفلاطون نوعاً من الديمقراطية، بل هي أرستقراطية، يعجز عن بلوغها عامة الشعب، ولا يتحملها إلا الجنود والفلاسفة. أما الزواج فيجب أن ينظمه الحراس لجميع الطبقات تنظيماً دقيقاً يهدف إلى غرض مقدس هو تحسين النسل. “فيجب أن يجتمع أفضل الجنسين بعضهما ببعض أكثر ما يستطيعون، وأن يجتمع المنحطون من الرجال بالمنحطات من النساء، ثم يربى أبناء الأولين ولا يربى أبناء الآخرين، لأن هذه هي السبيل الوحيدة للاحتفاظ بالشعب في حالة صالحةوعلى الدولة أن تتولى تربية الأطفال جميعهم وتقدم لهم فرصاً للتعليم متكافئة. ويجب ألا تكون الطبقات وراثية، وأن يكون للبنات من الفرص مثل ما للأولاد، وألا تمنع النساء من تولي مناصب الدولة لأنهن نساء. ويعتقد أفلاطون أنه بهذا المزيج من الفردية والشيوعية، وبالعمل على تحسين النسل، ومساواة المرأة بالرجل في الحقوق، يستطيع أن يوجد مجتمعاً يسر الفيلسوف أن يعيش فيه. ويختم بحثه بالعبارة الآتية: “وإلى أن يكون الفلاسفة ملوكاً، أو أن يتشبع ملوك هذا العالم وأمراؤه بروح الفلسفة وقوتها…لن تنجو المدن ولن ينجو الجنس البشري من الشر).

6- المشترع

وظن أنه وجد في دنيسوس الثاني الأمير المطلوب. وكان يشعر كما يشعر فلتير أن الملكية المطلقة تمتاز عن الديمقراطية بأن المصلح في الحالة الأولى لا يحتاج إلى إقناع أكثر من رجل واحدوفي ذلك يقول إنك إذا أردت أن تنشئ دولة صالحة فما “عليك إلى أن تضع على رأسها حاكماً بأمره، شاباً معتدلاً، سريع التعلم، قوي الذاكرة شجاعاً، كريم الطبع…حسن الحظ؛ ويكون حسن حظه في أنه معاصر لمشترع عظيم، وأن الظروف الموفقة تجمع أحدهما إلى الآخرلكن اجتماعه بدنيسوس كان كما سبق القول من أسوأ الظروف.

وكان أفلاطون في آخر سني حياته لا يزال يتوق إلى أن يكون مشترعاً، ولذلك عرض على الناس دولة تلي الدولتين السابقتين في الحسن. وهو يتحدث عن هذه الدولة الثالثة في كتاب القوانين، وهذا أقدم المراجع الأوربية المعروفة في التشريع، وهو إلى هذا دراسة نافعة في عهد الشيخوخة اليوناني الذي أعقب عهد الشباب الإبداعي. وفيه يقول أفلاطون إن الدولة الجديدة ينبغي أن تكون في داخل الأرض، بعيدة عن البحر حتى لا تفسد الآراء الأجنبية إيمانها، والتجارة الأجنبية أمنها، والترف الأجنبي بساطتها وانطواءها على نفسهاويجب أن يقتصر عدد مواطنيها الأحرار على العدد السهل الانقسام وهو 5040 يضاف إليهم أفراد أسرهم. ويختار المواطنون من بينهم 360 حارساً يقسمون إلى جماعات تتألف كل واحدة منها من ثلاثين شخصاً يتولون تصريف أعمال الدولة شهراً واحداَ، ويختار الحراس الثلاثمائة والستون مجلساً ليلياً مؤلفاً من ستة وعشرين عضواً يجتمع في الليل ويشرع لكل شئون المدينة الحيويةويجب على هؤلاء الأعضاء أن يقسموا الأرض بين أسر المواطنين أقساماً متساوية على ألا يسمح لهؤلاء الملاك بتقسيمها بعدئذ ولا بالنزول عنها لغيرهم. وعلى الحراس “أن يتخذوا ما يجب اتخاذه من الاحتياطات حتى لا يضر المطر بالأرض بدل أن ينفعها…وأن يمنعوا المطر عنها بالجسور والخنادق، ويجعلوا قنوات” الري “توصل الكثير من الماء لجميع الأراضي حتى الأراضي الجافةويجب ألا تزيد التجارة عن الحد الأدنى حتى لا ينشأ من هذا عدم المساواة الاقتصادية. ويجب ألا يحتفظ الناس بشيء من الذهب أو الفضة، وألا يتعاملوا بالربا، وألا يُشَجع أي إنسان على أن يعيش باستثمار أمواله، بل يُشَجع على أن يعيش بالاشتغال بزرع الأرض بجد ونشاط. ويجب على كل من يحصل من ريع الأرض على أربعة أمثال قيمته أن يرد الباقي إلى الدولة. وقد قُيد حق التوريث والوصية بأشد القيودوجعل للنساء فرصاً تعليمية وسياسية متكافئة مع الرجالوفرض على الرجال أن يتزوجوا بين الثلاثين والخامسة والثلاثين، وإلا ألزموا بدفع غرامات سنوية باهضة،وعليهم ألا يلدوا أطفالاً إلا في خلال عشر سنين. ومن الواجب تنظيم الشراب وغيره من وسائل اللهو للمحافظة على أخلاق الشعب

وللوصول إلى هذا كله في هدوء وسلام يجب أن تشرف الدولة إشرافاً تاماً على شئون التعليم، والنشر، وغيرها من وسائل تكوين الرأي العام، وأخلاق الأفراد، ويجب أن يكون أكبر موظف في الدولة هو وزير المعارف ويجب أن تحل السلطة محل الحرية في شئون التعليم، وذلك لأن ذكاء الأطفال أقل من أن يجيز لنا أن نتركهم يختطون لنفسهم حياتهم. ويجب ألا تفرض الرقابة على الآداب، والعلوم والفنون، فلا يجوز أن يُعبر عن آراء يرى أعضاء المجلس أنها ضارة بالآداب العامة أو الخلق القويم. وإذ كانت طاعة الوالدين والقوانين لا بد أن تستند إلى قوة أعلى من قوة البشر وتأييدها فإن الدولة هي التي تقرر أي الآلهة تُعبد وكيف تُعبد ومتى تُعبد. وكل من يتردد في الخضوع لهذا الدين ال
سمي يسجن، فإن أصر على عدم الخضوع له وجب أن يقتل).

وليست الحياة الطويلة نعمة لصاحبها على الدوام. ولقد كان من الخير لأفلاطون أن يموت قبل أن يوجه هذه التهمة لسقراط، وأن يمهد هذا التمهيد لجميع محاكم التفتيش المستقبلة. ولعل دفاعه عن نفسه هو أنه يحب العدالة أكثر من حبه للحقيقة، وأن هدفه هو أن يمحو الفقر والحرب، وأنه لا يستطيع أن يمحوهما إلا بسيطرة الدولة على الأفراد سيطرة تامة، وأن هذه السيطرة لا تكون إلا بواحدة من اثنتين القوة أو الدين. وكان يظن أن ما أصاب الأثينيين من انحلال أيوني في الأخلاق والسياسة لا علاج له إلا بالقوانين الإسبارطية المشتقة من النظام الدوري. والنزعة السارية في تفكير أفلاطون كله هي خوفه من أن يساء استخدام الحرية، وأن يفهم الناس الفلسفة على أنها الرقيب على شئون الناس والمنظمة للفنون. ويعرض أفلاطون في كتاب القوانين تسليم أثينة المحتضرة التي استوفت حياتها لإسبارطة التي قضت نحبها من أيام ليقورغ. وإذا لم يكن في وسع أشهر فلاسفة أثينة أن يقول أكثر مما قال دفاعاً عن الحرية، فمعنى هذا أن بلاد اليونان كانت على أتم استعداد لأن يتولى أمورها ملك. وإذا ما ألقينا نظرة شاملة على جميع هذه الآراء اعترتنا الدهشة إذ نرى أن أفلاطون قد جاء في هذا الوقت القديم بكل ما جاء به في العصور الوسطى الفلسفة والدين والأنظمة المسيحية، وبالشيء الكثير مما جاءت به الفاشية في العصر الحديث. لقد صارت نظرية الأفكار هي “واقعية” المدرسين – واقعية “العموميات” الموضوعية، ولم يكن أفلاطون مسيحياً قبل وجود المسيحية – على حد قول نتشة -فحسب، بل كان فوق ذلك متزمتاً مسيحياً قبل وجود عصر التزمت المسيحي. فهو يرتاب في الطبيعة البشرية ويراها شراً، ويعتقد أنها هي الخطيئة الأولى التي لوثت النفس. وهو يعمد إلى تلك الوحدة القائمة بين الجسم والروح والتي كانت هي الفكرة الرئيسية في القرنين السادس والخامس، فيقسمها إلى جسم خبيث وروح قديسة وهو يستمد من فيثاغورس والأورفية اعتقاد الشرق في تناسخ الأرواح، والكرما ، والخطيئة والتطهير، و”الانطلاق”؛ ويضرب في كتبه الأخيرة على نغمة أخروية شبيه بنغمة أوغسطين أي نغمة الرجل الذي تاب وأناب وعاد إلى الدين الصحيح، ولولا هذا النثر الذي بلغ غاية الكمال لشك الإنسان في أن أفلاطون من اليونان.

وقد بقي أفلاطون أحب المفكرين اليونان إلى الناس لأنه يتصف بعيوبهم الجذابة المحبوبة. وكان مثل دانتي مرهف الحس إلى حد يستطيع معه أنه يرى الجمال الكامل السرمدي وراء الأشكال الدنيوية غير الكاملة. وكان زاهداً لأنه كان مضطراً في كل لحظة إلى أن يكبح جماح مزاجه القوي العنيفوكان شاعراً يسيطر عليه الخيال ويسير وراء كل فكرة شاذة غريبة، وتستحوذ عليه مآسي الأفكار ومباهجها، يهيجه التحمس الذهني المنبعث من الحياة العقلية الحرة التي كانت تستمتع بها أثينة. ولكن كان من سوء حظه أنه رجل منطق وشاعر معاً، وأنه كان أقوى مجادل في العصر القديم، فقد كان أدق في جدله من زينون الإليائي ومن أرسطو، وأنه كان يشغف بالفلسفة أكثر من شغفه بأية امرأة أو أي رجل، وأنه انتهى في آخر الأمر بمثل ما انتهى إليه البحاث الأكبر في رواية دستيوفسكي، وهو قمع كل تفكير حر، واعتقاده بأن الفلسفة يجب أن يُقضى عليها لكي يعيش الإنسان ولو أن مدينته الفاضلة تحققت فعلاً لكان هو أول ضحاياها.

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

محمد علي ملاكم أمريكي ولد باسم كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور


محمد علي ملاكم أمريكي ولد باسم (كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور) ( في 17 يناير 1942 لإسرة مسيحية في مدينة لويفيل بولاية كنتاكي، فاز ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات على مدى عشرين عامافي 1964 و1974 و1978، وفي عام 1999 توج محمد علي كلاي بلقب “رياضي القرن”.

كان مشهورا ً بأسلوب “المراوغة كالفراشة, و الهجوم كالنحلة”. كما أنه اشتهر خلال مشواره الاحترافى بسرعة اليد في توجيه اللكمات, و أيضا ً قدمه الراقصة و أسلوب التحويم. كم كانت له ذقن قوية و أظهر شجاعة و قدرة على تحمل اللكمات خلال مسيرته العظيمة. على أيضا ً كانت له طريقته الخاصة في مهاجمة رأس الخصم, و عادة ما كان يتجاهل ضرب الأجسام.

اعتناقه الاسلام
وفي عام 1964 صدم العالم عندما استطاع محمد علي اقصاء الملاكم سوني ليستون عن عرش الملاكمة وكان عمره لا يتجاوز 22 عاما آنذاك ، وبعد انتصاره فاجأ العالم مرة أخرى بإعلانه الإنضمام إلى جماعة أمة الإسلام وتغيير اسمه إلى اسم جديد وهو محمد علي فقط دون اسمه الأخير “كلاي” لأنه كان اسم العبوديه المطلق عليه و يعني الطين باللغة الإنجليزية ، وكان وراء تلك الحركة المفكر الإمريكي مالكوم إكس المتحدث الرسمي لجماعة أمة الإسلام وهو كان صديق مقرب وحميم لمحمد علي، وفي عام 1965 اعلن محمد على إعتناقه للدين الإسلامي.

لقد اعتنق الاسلام ولم يضع اهتماما لما سيحدث من انتقاص لشعبيته ولكن شعبيته وحب الناس له زادت واكتسحت الافاق.

ويذهب ليبستي إلى ان كاسيوس كلاي(محمد على) اختار ان ينضم إلى منظمة تعرف باسم امة الاسلام والى رجل اسمه الياجا محمد. فالياجا محمد ولد في جورجيا في عام 1898، وكان والده قد سماه الياجا بول. ولكن في عام 1923 اتجه إلى ديترويت واستقر فيها، وبعد ثماني سنوات من استقراره في ديترويت زاره تاجر من الشرق اسمه دبليو دي فراد (W.D.Frad)، وهو نصفه اسود ونصفه ابيض، اي انه هجين من اسرة مختلطة سوداء وبيضاء، واستطاع ان يكون مقبولا لدى السود في الولايات المتحدة ويصبح قائدا لهم. وعلم فراد الياجا محمد مبادئ الدين الاسلامي. وهناك قصص واساطير تروى عن اصل فراد وعن اسلامه، وانه تلقى اسلامه من رجل اسود في مكة المكرمة اسمه يعقوب، ونحن في غنى عن ذكر تفاصيل هذه الاساطير العجيبة. ونخلص إلى ان كلاي بدأ يتردد سرا إلى الياجا محمد ويحضر دروسه الدينية في مطلع الستينات.

موقفه من حرب فيتنام
في عام 1964 رسب محمد علي في الاختبارات المؤهلة للالتحاق بجيش الولايات المتحدة لأن مهاراته الكتابية و اللغوية كانت دون المستوى . على أية حال, في بدايات عام 1966 تمت مراجعة الاختبارات وصنف محمد علي على أنه ينتمى للمستوى 1أ. مما كان يعنى أنه مؤهل للالتحاق بالقوات المسلحة. كان هذا في غاية الخطورة: لأن الولايات المتحدة كانت في حالة حرب مع فيتنام. عنما تم إخباره بنجاحه في الاختبارات, أعلن أنه يرفض أن يخدم في جيش الولايات المتحدة و اعتبر نفسه معارضا للحرب. قال محمد علي : “هذه الحرب ضد تعاليم القرآن, و أننا – كمسلمين – ليس من المفترض أن نخوض حروبا ً إلا إذا كانت في سبيل الله و رسوله, و أننا لا نشارك في حروب المسيحيين أو الكافرين”. كما أعلن في عام 1966 : “لن أحاربهم – قاصدا ً فيت كونج الجيش الشيوعى في فيتنام – فهم لم يلقبونني بالزنجي ”

سحب اللقب
وفي عام 1967 في قمة انتصاراته في عالم الملاكمة ، تم سحب اللقب منه بسبب رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية في جيش الولايات المتحدة أثناء حرب فيتنام اعتراضاً منه على الحرب شأنه شأن الكثير في ذلك الوقت. و قد كان قد دعم من الكثير من الناس في معارضته و تكبد الجيش الأمريكي خسائر كبيرة في تلك الحرب كما توقع.

عاد محمد علي للملاكمة مرة أخرى عام 1970 في مباراة وصفت بأنها (مباراة القرن) ضد فريزر حيث لم تسجل هزيمة لأي منهما في أي مباراة من قبل ، وكانت مباراة من 3 مباريات متفرقة فاز محمد علي باثنتين منها.

وفي عام 1974 هزم محمد علي الملاكم القوي فورمان ليستعيد بذلك عرش الملاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم بأسره.

الرصيد الرياضي
رصيد محمد علي 61مباراة منها 56 انتصارا (37 بالضربة القاضية) و5 خسارات

مرضه
أصيب محمد علي بمرض الشلل الرعاش ، إلا أنه لا يزال رمزاً رياضياً محبوباً إلى الآن أتناء مرضه كان صابراً لأقصى درجة حيث انه كان دائما يقول ان الله ابتلاه ليقول له أنه ليس الأعظم بل أن الله هو الأعظم. وقد تداوى من مرضه على طريقة الصوم الطبي وهو شرب الماء على فترة معينة على يد أطباء مختصين وكان ذلك بتشجيع من الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله وقد تشافي محمد علي كلاي من كثير من أمراضه بذلك ولكثير لا يذكرون هذه المعلومة لأنها في بلد عربي وعلى يد أطباء عرب مسلمين من سوريا

== ابنتليلى محمد على احترفت الملاكمة النسائية مثل والدها وهي متميزة.

حياته الشخصية
محمد علي قد تزوج أربع مرات ولديه سبع بنات وولدين. علي التقى زوجته الأولى نادلة الكوكتيل صونجي روى وتزوجا في 14 أغسطس 1964.

وكانت اعتراضات روى على أداب الإسلام في ملابس المرأة ساهمت في انهيار هذا الزواج, و قد تم الطلاق في 10 يناير 1966. و هو في الخامسة و العشرين تزوج محمد على من بيلندا بويد – 17 عاما ً – و ذلك في يوم 17 أغسطس 1967. أسلمت بيلندا بعد الزواج, و أصبح اسمها خليلة على, مع أن عائلتها و أصدقائها القدامى ظلوا ينادونها باسم بيلندا. أنجبوا 5 أبناء: مريم (م. 1968), جميلة و ليبان (م. 1970), و محمد على الصغير (م. 1972). بدأ محمد على علاقة مع أمرأة تدعى فيرونيكا بورش في عام 1975. و في صيف عام 1977, انتهى الزواج الثانى لمحمد على و تزوج من فيرونيكا. خلال فترة الزواج, أنجبوا طفلة أسموها هناء, كما أنجبوا طفلة أخرى اسمها ليلى في ديسمبر 1977, لكن تم الطلاق بينهما في عام 1986.

قى 19 نوفمبر 1986, تزوج محمد على يولندا علي بعد صداقة بدأت منذ 1964 في لوزيفل. والدتهما كانتا صديقتان مقربتان. كما أنها أنكرت ما أذيع أنه كان جليسها عندما كانت طفلة, و تبنوا طفلا ً واحدا ً اسمه أسعد. محمد علي له بنتان أخريتان هما مايا و خليلة من علاقات أخرى.

من أشهر ملاكماته
ملاكمة القرن – The Fight of the Century

في عام 1970 سمح لمحمد علي بالملاكمة مرة اخرى للحصول على لقب البطولة ضد جو فريزر الذي صنف بأنه لا يهزم .

علي و فرزير تواجهوا في عام 1971في حلبة مديسون و كانت تدعى مواجهة القرن لان الملاكمين لم يهزموا قبل الملاكمة , و الاثنين يسعون للفوز بالبطولة فريزر استطاع الفوز بلكمة قوية و بهذا الحق بكلاي اولى هزائمه لكن كلاي فاز بالعديد من المباريات بعد ذلك.

في عام 1973 و بعد هزم كين نورتن أقوى ملاكم في الوزن الثقيل في وقتها انطلق لمواجهة فريزر في البطولة مرة اخرى لكن هذه المرة استطاع كلاي الفوز و الحصول على لقب البطولة .

المواجهة في الغابة
في واحد من اقوى مباريات في تاريخ الملاكمة استطاع كلاي الانتصار على الملاكم القوي جو فورمان في زائير1974 و كانت في غابة لذا سميت بـملاكمة او مواجهة الغابة.

في الواقع لم يتوقع أحد انتصار علي على فورمان بسبب قوة فورمان و الذي استطاع الانتصار على فريرز بنتيجة ساحقة و في اجمالي الاحصائيات فأنه اوقع به بلكمة واحدة 6 مرات في 4 دقائق و 30 ثانية ..!

لكن و بتكتيك مدهش استطاع محمد علي كلاي الانتصار على فورمان و الحصول على اللقب و كانت مواجهة الغابة الموضوع الفائز للافلام الثقافية في عام 1996 و صنفت المباراة بأنها سابع اعظم لحظة رياضية في التاريخ .!

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

محمد علي ملاكم أمريكي ولد باسم كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور


محمد علي ملاكم أمريكي ولد باسم (كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور) ( في 17 يناير 1942 لإسرة مسيحية في مدينة لويفيل بولاية كنتاكي، فاز ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات على مدى عشرين عامافي 1964 و1974 و1978، وفي عام 1999 توج محمد علي كلاي بلقب “رياضي القرن”.

كان مشهورا ً بأسلوب “المراوغة كالفراشة, و الهجوم كالنحلة”. كما أنه اشتهر خلال مشواره الاحترافى بسرعة اليد في توجيه اللكمات, و أيضا ً قدمه الراقصة و أسلوب التحويم. كم كانت له ذقن قوية و أظهر شجاعة و قدرة على تحمل اللكمات خلال مسيرته العظيمة. على أيضا ً كانت له طريقته الخاصة في مهاجمة رأس الخصم, و عادة ما كان يتجاهل ضرب الأجسام.

اعتناقه الاسلام
وفي عام 1964 صدم العالم عندما استطاع محمد علي اقصاء الملاكم سوني ليستون عن عرش الملاكمة وكان عمره لا يتجاوز 22 عاما آنذاك ، وبعد انتصاره فاجأ العالم مرة أخرى بإعلانه الإنضمام إلى جماعة أمة الإسلام وتغيير اسمه إلى اسم جديد وهو محمد علي فقط دون اسمه الأخير “كلاي” لأنه كان اسم العبوديه المطلق عليه و يعني الطين باللغة الإنجليزية ، وكان وراء تلك الحركة المفكر الإمريكي مالكوم إكس المتحدث الرسمي لجماعة أمة الإسلام وهو كان صديق مقرب وحميم لمحمد علي، وفي عام 1965 اعلن محمد على إعتناقه للدين الإسلامي.

لقد اعتنق الاسلام ولم يضع اهتماما لما سيحدث من انتقاص لشعبيته ولكن شعبيته وحب الناس له زادت واكتسحت الافاق.

ويذهب ليبستي إلى ان كاسيوس كلاي(محمد على) اختار ان ينضم إلى منظمة تعرف باسم امة الاسلام والى رجل اسمه الياجا محمد. فالياجا محمد ولد في جورجيا في عام 1898، وكان والده قد سماه الياجا بول. ولكن في عام 1923 اتجه إلى ديترويت واستقر فيها، وبعد ثماني سنوات من استقراره في ديترويت زاره تاجر من الشرق اسمه دبليو دي فراد (W.D.Frad)، وهو نصفه اسود ونصفه ابيض، اي انه هجين من اسرة مختلطة سوداء وبيضاء، واستطاع ان يكون مقبولا لدى السود في الولايات المتحدة ويصبح قائدا لهم. وعلم فراد الياجا محمد مبادئ الدين الاسلامي. وهناك قصص واساطير تروى عن اصل فراد وعن اسلامه، وانه تلقى اسلامه من رجل اسود في مكة المكرمة اسمه يعقوب، ونحن في غنى عن ذكر تفاصيل هذه الاساطير العجيبة. ونخلص إلى ان كلاي بدأ يتردد سرا إلى الياجا محمد ويحضر دروسه الدينية في مطلع الستينات.

موقفه من حرب فيتنام
في عام 1964 رسب محمد علي في الاختبارات المؤهلة للالتحاق بجيش الولايات المتحدة لأن مهاراته الكتابية و اللغوية كانت دون المستوى . على أية حال, في بدايات عام 1966 تمت مراجعة الاختبارات وصنف محمد علي على أنه ينتمى للمستوى 1أ. مما كان يعنى أنه مؤهل للالتحاق بالقوات المسلحة. كان هذا في غاية الخطورة: لأن الولايات المتحدة كانت في حالة حرب مع فيتنام. عنما تم إخباره بنجاحه في الاختبارات, أعلن أنه يرفض أن يخدم في جيش الولايات المتحدة و اعتبر نفسه معارضا للحرب. قال محمد علي : “هذه الحرب ضد تعاليم القرآن, و أننا – كمسلمين – ليس من المفترض أن نخوض حروبا ً إلا إذا كانت في سبيل الله و رسوله, و أننا لا نشارك في حروب المسيحيين أو الكافرين”. كما أعلن في عام 1966 : “لن أحاربهم – قاصدا ً فيت كونج الجيش الشيوعى في فيتنام – فهم لم يلقبونني بالزنجي ”

سحب اللقب
وفي عام 1967 في قمة انتصاراته في عالم الملاكمة ، تم سحب اللقب منه بسبب رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية في جيش الولايات المتحدة أثناء حرب فيتنام اعتراضاً منه على الحرب شأنه شأن الكثير في ذلك الوقت. و قد كان قد دعم من الكثير من الناس في معارضته و تكبد الجيش الأمريكي خسائر كبيرة في تلك الحرب كما توقع.

عاد محمد علي للملاكمة مرة أخرى عام 1970 في مباراة وصفت بأنها (مباراة القرن) ضد فريزر حيث لم تسجل هزيمة لأي منهما في أي مباراة من قبل ، وكانت مباراة من 3 مباريات متفرقة فاز محمد علي باثنتين منها.

وفي عام 1974 هزم محمد علي الملاكم القوي فورمان ليستعيد بذلك عرش الملاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم بأسره.

الرصيد الرياضي
رصيد محمد علي 61مباراة منها 56 انتصارا (37 بالضربة القاضية) و5 خسارات

مرضه
أصيب محمد علي بمرض الشلل الرعاش ، إلا أنه لا يزال رمزاً رياضياً محبوباً إلى الآن أتناء مرضه كان صابراً لأقصى درجة حيث انه كان دائما يقول ان الله ابتلاه ليقول له أنه ليس الأعظم بل أن الله هو الأعظم. وقد تداوى من مرضه على طريقة الصوم الطبي وهو شرب الماء على فترة معينة على يد أطباء مختصين وكان ذلك بتشجيع من الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله وقد تشافي محمد علي كلاي من كثير من أمراضه بذلك ولكثير لا يذكرون هذه المعلومة لأنها في بلد عربي وعلى يد أطباء عرب مسلمين من سوريا

== ابنتليلى محمد على احترفت الملاكمة النسائية مثل والدها وهي متميزة.

حياته الشخصية
محمد علي قد تزوج أربع مرات ولديه سبع بنات وولدين. علي التقى زوجته الأولى نادلة الكوكتيل صونجي روى وتزوجا في 14 أغسطس 1964.

وكانت اعتراضات روى على أداب الإسلام في ملابس المرأة ساهمت في انهيار هذا الزواج, و قد تم الطلاق في 10 يناير 1966. و هو في الخامسة و العشرين تزوج محمد على من بيلندا بويد – 17 عاما ً – و ذلك في يوم 17 أغسطس 1967. أسلمت بيلندا بعد الزواج, و أصبح اسمها خليلة على, مع أن عائلتها و أصدقائها القدامى ظلوا ينادونها باسم
بيلندا. أنجبوا 5 أبناء: مريم (م. 1968), جميلة و ليبان (م. 1970), و محمد على الصغير (م. 1972). بدأ محمد على علاقة مع أمرأة تدعى فيرونيكا بورش في عام 1975. و في صيف عام 1977, انتهى الزواج الثانى لمحمد على و تزوج من فيرونيكا. خلال فترة الزواج, أنجبوا طفلة أسموها هناء, كما أنجبوا طفلة أخرى اسمها ليلى في ديسمبر 1977, لكن تم الطلاق بينهما في عام 1986.

قى 19 نوفمبر 1986, تزوج محمد على يولندا علي بعد صداقة بدأت منذ 1964 في لوزيفل. والدتهما كانتا صديقتان مقربتان. كما أنها أنكرت ما أذيع أنه كان جليسها عندما كانت طفلة, و تبنوا طفلا ً واحدا ً اسمه أسعد. محمد علي له بنتان أخريتان هما مايا و خليلة من علاقات أخرى.

من أشهر ملاكماته
ملاكمة القرن – The Fight of the Century

في عام 1970 سمح لمحمد علي بالملاكمة مرة اخرى للحصول على لقب البطولة ضد جو فريزر الذي صنف بأنه لا يهزم .

علي و فرزير تواجهوا في عام 1971في حلبة مديسون و كانت تدعى مواجهة القرن لان الملاكمين لم يهزموا قبل الملاكمة , و الاثنين يسعون للفوز بالبطولة فريزر استطاع الفوز بلكمة قوية و بهذا الحق بكلاي اولى هزائمه لكن كلاي فاز بالعديد من المباريات بعد ذلك.

في عام 1973 و بعد هزم كين نورتن أقوى ملاكم في الوزن الثقيل في وقتها انطلق لمواجهة فريزر في البطولة مرة اخرى لكن هذه المرة استطاع كلاي الفوز و الحصول على لقب البطولة .

المواجهة في الغابة
في واحد من اقوى مباريات في تاريخ الملاكمة استطاع كلاي الانتصار على الملاكم القوي جو فورمان في زائير1974 و كانت في غابة لذا سميت بـملاكمة او مواجهة الغابة.

في الواقع لم يتوقع أحد انتصار علي على فورمان بسبب قوة فورمان و الذي استطاع الانتصار على فريرز بنتيجة ساحقة و في اجمالي الاحصائيات فأنه اوقع به بلكمة واحدة 6 مرات في 4 دقائق و 30 ثانية ..!

لكن و بتكتيك مدهش استطاع محمد علي كلاي الانتصار على فورمان و الحصول على اللقب و كانت مواجهة الغابة الموضوع الفائز للافلام الثقافية في عام 1996 و صنفت المباراة بأنها سابع اعظم لحظة رياضية في التاريخ .!

Dr Usama Shaalan(Papyrus) برديه الدكتوراسامه شعلان

Shajar al-Durr -عصمة الدين أم خليل

شجر الدر

هي عصمة الدين أم خليل الملقبة بـ “شجرة الدر” تركية الأصل ، وقيل أيضا أنها سورية أو أرمينية. كانت جارية اشتراها السلطان الصالح نجم الدين أيوب ، وحظيت عنده بمكانة عالية حتى أعتقها وتزوجها وأنجبت منه ابنها خليل الذي توفي في مايو 1250 . تولت عرش مصر لمدة ثمانين يوماً بمبايعة من المماليك وأعيان الدولة بعد وفاة السلطان الصالح نجم الدين أيوب ، ثم تنازلت عن العرش لزوجها عز الدين أيبك 1250. لقيت حتفها ضرباً بالقباقيب حتى الموت بتدبير من زوجة المعز أيبك الأخرى.

نسبها
شجرة الدر ، جارية من جواري الملك الصالح ، اشتراها الملك نجم الدين. اختلف المؤرخون في تحديد جنسيتها ، فمنهم من قال إنها تركية ومنهم قال إنها جركسية ،أو رومانية. ولكن لم تكن شجرة الدر كباقي الجاريات ، بل تميزت بالذكاء الحاد ، والفطنة ، والجمال كما أنها نالت الإعجاب بفتنتها وفنها ، إذ كانت متعلمة ، تجيد القراءة ، والخط ، والغناء.1

زواجها
أعجب بها الملك نجم الدين واشتراها ، ولقبها بشجرة الدر. أنفرد بها ، وحظيت عنده بمنزلة رفيعة ، بحيث أصبح لها الحق في أن تكون المالكة الوحيدة لقلبه وعقله ، وصاحبة الرأي ثم أصبحت الشريكة الشرعية ، وأم ولده.2 أرسل الأمير نجم الدين بأمرٍ من والده ، إلى حصن كيفا، لولاية وحكم هذا الحصن(وهو حصن من حصون المشارق يقع على حدود تركستان). ثم وردت إليه أنباء من القاهرة ، تقول بان أباه الملك الكامل قد عين أخاه الصغير أبا بكر(الملك العادل) ولياً للعهد بدلاً منه، وكانت أمه اقرب إلى قلب الملك من أم الأمير نجم الدين. غضب الأمير نجم الدين من تصرف الملك ؛ لأن أخاه كان طائشاً ، ولأن الدولة كانت في خطر من كل الجوانب ، ويتربص بها الأعداء من الصليبين و المغول. أقسم الأمير نجم الدين أن الخلافة لن تكون لغيره بعد أبيه. وبدأ بالمقاومة ، لأنه أرشد من أخيه ، وأحق منه في الخلافة.3

وفي هذه الأثناء كانت شجرة الدر نعم الزوجة ، حيث قامت بتشجيع وتأييد زوجها ، فساعدته في الوصول إلى حقه المغتصب. وفي هذه الفترة أنجبت له ولداً أسماه خليل. توجه الأمير نجم الدين إلى القاهرة ، ومعه زوجته شجرة الدر ، وأبنهما ، وبطانته المؤلفة من عشرات الجنود فقط ، وبعض المماليك ، وعلى رأسهم ( بيبرس ، وأيبك ، وقلاوون ، وآق طاي). وبينما هم في طريقهم انقض عليهم جيش الملك الناصر داوود ، وهم ابن عم نجم الدين والي إمارة الكرك والشوبك ، وما يليهما من أرض الأردن. وأسرهم في قلعة الكرك عام (63)هـــ ، ثم أرسل إلى الملك العادل يخبره بما حدث ويطلب منه ثمن جلوسه على عرش الشام. استمر سجنهم سبعة أشهر ، كان الملك الناصر خلالها يساوم الملك العادل في القاهرة على الأمير نجم الدين ، أما زوجته شجرة الدر فقد وفرت له كل أسباب الراحة ، وبثت التفاؤل في نفسه ، خلال مدة الأسر.

الصالح أيوب والمماليك
عُني الصالح أيوب (1240 – 1249) منذ أن تولّى حكم مصر بالإكثار من شراء المماليك الأتراك بعد أن ساندوه في توطيد سلطانه، حتى صار معظم جيشه منهم، وبنى لهم قلعة خاصة بجزيرة “الروضة” في وسط النيل وأسكنهم بها، وجعلها مقرا لحكمه، وعُرف هؤلاء المماليك الجدد باسم المماليك “البحرية الصالحية”.

وقد برز هؤلاء المماليك البحرية وتعاظم شأنهم في خضم أحداث الحملة الصليبية السابعة التي مُنيت بهزيمة بالغة سنة 1250 م ، وانتهت بأسر الملك “لويس التاسع” قائد الحملة في المنصورة، وتبدد قواته بين القتل والأسر. [1]

محاربة الصليبيين وولاية الملك
قامت بوضع خطة مع زوجها ، وذلك باتفاق زوجها مع خصمهِ الملك الناصر ، على أن يطلق سراح نجم الدين ليستولي على عرش مصر ومن ثم ، يقدم له عرش الشام ونصف الخراج. ثم سار الملك الصالح زوجها إلى القاهرة وهزم أخاه العادل نجم الدين ، وأسره في قلعة صلاح الدين. وهكذا بلغت شجرة الدر مرادها ، حيث قاسمت زوجها المجد والسلطة.4

كانت شجرة الدر قادرة على تسيير الجيوش للحرب ، وذلك عندما تعرضت مصر لحملة الصليبين. يقال أن الملك لويس التاسع شن الحملة ، ليوفي بنذره ، حيث نذر بأنه إذا شفي من مرضه ، فسوف يشن حملة على مصر. فجهز جيشاً وأبحر من مرسيليا عام 1249. وفي هذه الأثناء كان الملك الصالح مريضاً ، إلا إنه استعد للأمر، واتخذ من المنصورة مركزاً للقيادة العامة ، وولاها للأمير فخر الدين نزولاً عند رغبة شجرة الدر ، التي أثبتت على أنها قادرة على مواجهة الصعاب ، وأقسمت لزوجها على أن الصليبين سيقتلون في حملتهم. وبعد وصول الغزاة إلى مصر عام 1249. ظهرت حكمة وذكاء شجرة الدر، حيث أخفت نبأ وفاة الملك ، لعدة أسباب أهمها الخوف من حدوث البلبلة في الدولة ، وبخاصة صفوف الجيش ، وحتى تتغلب على العدو ، وكذلك حتى لا ينصرف اهتمام أمراء بني أيوب والمماليك إلى تولي العرش ، وساعدها على ذلك الأمير فخر الدين.5 واستمر الحال في القصر الملكي ، كالسابق. ولكن عندما لاحظت شجرة الدر ،أن خبر وفاة زوجها أوشك أن ينكشف وأن العدو أيضاً على وشك الانهزام. قامت باستدعاء ، ابن زوجها تورانشاه وأمرت رجال الدولة والجيش أن يحلفوا له يمين الولاء ، وأن يدعى لها على المنابر في المساجد؛ وذلك لتبقى السلطة في يدها ، وتعرف أمور الدولة كما تشاء. وذلك إن دل فيدل على ذكائها ودهائها.6

وقبل وصول تورانشاه ، قامت شجرة الدر بوضع خطة حربية مع القوات ، وأمراء المماليك وظلت تشرف على تنفيذها ، ومراقبة سير المعركة في المنصورة عن قرب. وبلغ من حماسها أنها كانت تعاون الأهالي مع الجنود ، في صد هجمات الأعداء والرد عليهم. حتى انتصر المسلمون عام 1250. لم يدم حكم تورانشاه أكثر من شهرين ، وذلك لفساده وطغيانه

وقام بأبعاد رجال الدولة الأكفاء ، وأخذ يهدد زوجة أبيه شجرة الدر ، ويطلب ما تبقى من ثروة أبيه ولم يكتف بذلك بل قام باستفزاز مماليك البحرية ، حتى لقي مصرعه على يد بيبرس. وافق الكل في مصر على تولي شجرة الدر العرش ، بعد مصرع تورانشاه.

كان عهد شجرة الدر زاهياً وزاهراً ، أظهرت خلاله قدرتها وجدارتها في الحكم. وتنعم الفقراء بحسناتها ، إذ كانت ملكة عاقلة لبيبة ، على علم تام بنفسية الشعب ومتطلباتهم. لم تكن حكومتها استبدادية ، لا تشرع في عمل من الأعمال حتى تعقد مجلس المشاورة ، ولا تصدر قراراً إلا بعد أخذ رأي وزرائها ومستشاريها. وقامت بنشر راية السلام أيضاً ، فأمن الناس خلال فترة حكمها. في عصرها نبغ العديد من الأدباء والشعراء المصريين مثل ، بهاء الدين زهير ، وجمال الدين بن مطروح ،وفخر الدين بن الشيخ. وفي عهدها أيضاً قامت بعمل جيد ، وهو تسيير المحمل كل عام من مصر إلى الحجاز في موسم الحج ، ولم تزل عادة تسيير المحمل المصري متبعة إلى اليوم ، فهو يذهب كل عام إلى بيت الله الحرام حاملاً كسوة الكعبة ، والمؤن والأموال لأهل البيت ، مصحوباً بفرقة كبيرة من الجيش لحماية الحجاج.

عرفت شجرة الدر بعدة ألقاب خلال حكمها مثل الملكة عصمة الدين ، والملكة أم خليل ، وأخيراً الملكة شجرة الدر أم خليل المستعصمية، نسبة إلى الخليفة المستعصم ، وذلك خوفاً من أن لا يعترف بها الخليفة العباسي ، الذي كان يجلس على عرش العباسيين في بغداد آنذاك. ودعي لها على المنابر ، كدعاء الخطباء كل جمعة في المساجد. كما أصبحت الأحكام تصدر باسمها ، ونقش أسمها على الدراهم والدنانير.

ولم يرق للعباسيين أن تتولى امرأة عرش مصر. مما أدى إلى نشوب الكثير من الخلافات بين الأمراء والزعماء في مصر والشام ولذلك اتخذت من الأمير عز الدين أيبك مقدماً للعساكر ، ثم تزوجته ، وبفعلتها هذه أمنت كلام الناس واعتراض العباسيين لها. وقبل أن يعقد عليها اشترطت على أن يطلق زوجته ويتخلى عن ولده المنصور علي ، حتى لا ينتقل العرش إلى أبنه، وأطلق عليه اسم الملك المعز.

نهاية الدولة الأيوبية
تُوفي الصالح أيوب في أثناء المعركة وخلفه ابنه توران شاه في حكم مصر، لكنه لم يحسن معاملة المماليك البحرية، الذين كان لهم الفضل الأكبر في تحقيق النصر، وحسدهم على مكانتهم التي بلغوها بفضل شجاعتهم وقوة بأسهم، وخشي من نفوذهم فأعرض عنهم، وأوجس منهم خيفة وأضمر لهم السوء، غير أنه لخفته ولهوجته كان يجاهر بذلك عند سكره بالليل فينفلت لسانه بما يضمره قلبه من قتلهم والتخلص منهم.

يُضاف إلى ذلك سوء تدبيره وفساد سياسته بإبعاده كبار رجال دولته من الأمراء وأهل الحل والعقد، وتقريبه رجاله وحاشيته وإغداقه عليهم بالأموال والإقطاعات ولم يكن أمام المماليك سوى التخلص من توران شاه قبل أن يتخلص هو منهم، فنجحوا في قتله في فارسكور في صباح يوم الإثنين الموافق (28 من المحرم 648هـ = 2من مايو 1250م)، وبمقلته انتهت الدولة الأيوبية في مصر وبدأ عصر جديد.

قيام دولة المماليك
وجد المماليك أنفسهم أمام وضع جديد لم يعهدوه من قبل، فهم اليوم أصحاب الكلمة النافذة والتأثير البالغ، ولم يعودوا أداة في أيدي من يستخدمهم لمصلحته وتحقيق هدفه، وعليهم أن يختاروا من بينهم سلطانا جديدا للبلاد، فاتفقت كلمتهم على اختيار أرملة أستاذهم “شجرة الدر” سلطانة للبلاد، في سابقة لم تحدث في التاريخ الإسلامي إلا نادرا، وبايعوها بالسلطنة في (2 من صفر 648هـ = 5 مايو 1250م).

غير أن الظروف لم تكن مواتية لأن تستمر شجرة الدر في الحكم، على الرغم مما أبدته من مهارة وحزم في إدارة شئون الدولة، فلقيت معارضة شديدة في داخل البلاد وخارجها، وثارت ثائرة الأيوبيين في الشام لمقتل توران شاه وجلوس شجرة الدر على سدة الحكم، ورفضت الخلافة العباسية في بغداد أن تُقر صنيع المماليك، فكتب الخليفة إليهم: “إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نُسيِّر إليكم رجلا”.

نهايتها ووفاتها
مرت الأيام إلى أن أصبح زمام الأمور داخل مصر وخارجها ، في يد زوجها الملك المعز. وبلغها أن زوجها يريد خطبة ابنة الملك بدر الدين لؤلؤ ، صاحب الموصل. فساءت العلاقات بين شجرة الدر وبين الرجل الذي وثقت به ، وجعلته ملكاً. وكادت تفقد عقلها من شدة الحقد والغيرة. وعلمت أيضاً انه ينوي ، إنزالها من قصر القلعة إلى دار الوزارة في القاهرة ، وذلك ليتفادى الجدل والخصام معها ، وحتى يتم تهيئة القلعة ، لاستقبال العروس الضرة. غضبت شجرة الدر غضباً شديداً ، لما فيه من جرح لمشاعرها وكبريائها. وخاصة بعد تأكدها من عزيمته في التخلص منها. فكان لابد من التخلص منه. فدعته ذات يوم واستقبلته بصدرٍ رحب وبشاشة ، وكأن شيئاً لم يحدث بينهما ، حتى شعر بالطمأنينة ودخل الحمام ، وأنقض عليه خمسة من غلمانها الأقوياء ، وضربوه إلى أن مات. ثم أذيع بأن الملك المعز توفي فجأة ، ولكن لم يصدق الناس هذا النبأ.

حاولت شجرة الدر أن يجلس أحد الأمراء المماليك على العرش لكي تحتمي بهِ ، إلا أن محاولاتها بائت بالفشل ، والتجأت إلى البرج الأحمر في القلعة عام 1257. ولكنها لم تنجُ بفعلتها ، حيث تم القبض عليها من قبل الأمراء المناصرين لزوجها القتيل ، وفرض عليها السجن المنفرد ، ولاقت فيه ألواناً مختلفة من العذاب والهوان. ومن ثم تدخلت ضرتها أم علي وهي زوجة الملك المعز الأولى، وحرضت ابنها علي على قتلها انتقاماً لأبيه. وهناك مراجع أخرى تقول بأنه ، تم قتلها على يد الجواري اللاتي واصلن ضربها بالقباقيب إلى أن فارقت الحياة.

وهكذا عاشت شجرة الدر ، مكرمه وجليلة ، ذات نفوذٍ وقوة ، ولكنها ماتت ميتةٍ ذليلة ومهينه. إن سيرة شجرة الدر ، مازالت تروى ، وهناك العديد من النساء من تتمنى أن تقوم بشخصية شجرة الدر ، وذلك لقوة نفوذها ، وذكائها ودهائها ، وقدرتها العجيبة في الحكم. وقد خلد التاريخ ذكراها ، وذكر الخدمات التي قدمتها للمسلمين ومصر. إلا أن غيرتها على كبريائها وكرامتها ، كانت السبب الذي دفعها لارتكاب تلك الجريمة ، التي أسقطتها من قمة الشهرة وقضت عليها.

ألقاب ملكية
سبقه
المعظم توران شاه سلطانة مصر
مع الأشرف موسى تبعه
أيبك
انظر أيضا
المعظم توران شاه
الناصر يوسف
أيبك
المماليك البحرية
موقعة المنصورة
موقعة فارسكور
وصلات خارجية
Encyclopaedia Britannica Online – Growth of Mamluk armies
Women in World History – Female Heroes from the Time of the Crusades: Shagrat al-Durr
المصادر
خير الدين الزركلي ، الأعلام ، دار العلم للملايين.
سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، دار طلاس ، طبعة 2 ، دمشق ، 1990.
قدرية حسين ، شهيرات النساء في العالم الإسلامي ، دار الكاتب العربي.
الموسوعة العربية الميسرة ، دار نهضة لبنان للطبع والنشر ، بيروت ، 1317هـ ، 1987.
Abu al-Fida, The Concise History of Humanity.
Al-Maqrizi, Al Selouk Leme’refatt Dewall al-Melouk, Dar al-kotob, 1997.
Idem in English: Bohn, Henry G., The Road to Knowledge of the Return of Kings, Chronicles of the Crusades, AMS Press, 1969.
Al-Maqrizi, al-Mawaiz wa al-‘i’tibar bi dhikr al-khitat wa al-‘athar,Matabat aladab,Cairo 1996, ISBN977-241-175X.
Idem in French: Bouriant, Urbain , Description topographique et historique de l’Egypte,Paris 1895
Ibn Iyas, Badai Alzuhur Fi Wakayi Alduhur , abridged and edited by Dr. M. Aljayar, Almisriya Lilkitab, Cairo 2007, ISBN 977-419-623-6
Ibn Taghri, al-Nujum al-Zahirah Fi Milook Misr wa al-Qahirah, al-Hay’ah al-Misreyah 1968
History of Egypt, 1382-1469 A.D. by Yusef. William Popper, translator Abu L-Mahasin ibn Taghri Birdi, University of California Press 1954
Asly, B., al-Zahir Baibars, Dar An-Nafaes Publishing, Beirut 1992
Sadawi. H, Al-Mamalik, Maruf Ikhwan, Alexandria.
Shayyal, Jamal, Prof. of Islamic history, Tarikh Misr al-Islamiyah (History of Islamic Egypt), dar al-Maref, Cairo 1266, ISBN 977-02-5975-6
Sirat al-Zahir Baibars, Printed by Mustafa al-Saba, Cairo 1923. Repulished in 5 volumes by Alhay’ah Almisriyah , Editor Gamal El-Ghitani, Cairo 1996, ISBN 977-01-4642-0
Sirat al-Zahir Baibars, assembled H. Johar, M. Braniq, A. Atar, Dar Marif, Cairo 1986, ISBN 977-02-1747-6
The chronicles of Matthew Paris ( Matthew Paris: Chronica Majora ) translated by Helen Nicholson 1989
The Memoirs of the Lord of Joinville, translated by Ethel Wedgwood 1906
The New Encyclopædia Britannica, Macropædia,H.H. Berton Publisher,1973-1974
Meri, Josef W. (Editor). Medieval Islamic Civilization: An Encyclopedia. Routledge, 2006. web page
Perry, Glenn Earl. The History of Egypt – The Mamluk Sultanate. Greenwood Press, 2004. page 49
Irwin, Robert. The Middle East in the Middle Ages: The Early Mamluk Sultanate, 1250-1382. Routledge, 1986. web page
الحواشي
1. الموسوعة العربية الميسرة ، دار نهضة لبنان للطبع والنشر ، بيروت ــ لبنان ، ص1076 ، 1317هــ ، 1987.

2. خير الدين زركلي ، الأعلام ، قاموس وتراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستغربين والمستشرقين ، ص 76.

3. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، 1990، دمشق ، ص240، 241.

4. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص241.

5. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص244 ، 234.

6. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص 245 ، 246.

7. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص245.

8. قدرية حسين ، شهيرات النساء في العالم الإسلامي.

9. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص249 ، 250.تاريخ مصر

Dr Usama Fouad Shaalan – دكتور اسامه فؤاد شعلان

Shajar al-Durr -عصمة الدين أم خليل

شجر الدر

هي عصمة الدين أم خليل الملقبة بـ “شجرة الدر” تركية الأصل ، وقيل أيضا أنها سورية أو أرمينية. كانت جارية اشتراها السلطان الصالح نجم الدين أيوب ، وحظيت عنده بمكانة عالية حتى أعتقها وتزوجها وأنجبت منه ابنها خليل الذي توفي في مايو 1250 . تولت عرش مصر لمدة ثمانين يوماً بمبايعة من المماليك وأعيان الدولة بعد وفاة السلطان الصالح نجم الدين أيوب ، ثم تنازلت عن العرش لزوجها عز الدين أيبك 1250. لقيت حتفها ضرباً بالقباقيب حتى الموت بتدبير من زوجة المعز أيبك الأخرى.

نسبها
شجرة الدر ، جارية من جواري الملك الصالح ، اشتراها الملك نجم الدين. اختلف المؤرخون في تحديد جنسيتها ، فمنهم من قال إنها تركية ومنهم قال إنها جركسية ،أو رومانية. ولكن لم تكن شجرة الدر كباقي الجاريات ، بل تميزت بالذكاء الحاد ، والفطنة ، والجمال كما أنها نالت الإعجاب بفتنتها وفنها ، إذ كانت متعلمة ، تجيد القراءة ، والخط ، والغناء.1

زواجها
أعجب بها الملك نجم الدين واشتراها ، ولقبها بشجرة الدر. أنفرد بها ، وحظيت عنده بمنزلة رفيعة ، بحيث أصبح لها الحق في أن تكون المالكة الوحيدة لقلبه وعقله ، وصاحبة الرأي ثم أصبحت الشريكة الشرعية ، وأم ولده.2 أرسل الأمير نجم الدين بأمرٍ من والده ، إلى حصن كيفا، لولاية وحكم هذا الحصن(وهو حصن من حصون المشارق يقع على حدود تركستان). ثم وردت إليه أنباء من القاهرة ، تقول بان أباه الملك الكامل قد عين أخاه الصغير أبا بكر(الملك العادل) ولياً للعهد بدلاً منه، وكانت أمه اقرب إلى قلب الملك من أم الأمير نجم الدين. غضب الأمير نجم الدين من تصرف الملك ؛ لأن أخاه كان طائشاً ، ولأن الدولة كانت في خطر من كل الجوانب ، ويتربص بها الأعداء من الصليبين و المغول. أقسم الأمير نجم الدين أن الخلافة لن تكون لغيره بعد أبيه. وبدأ بالمقاومة ، لأنه أرشد من أخيه ، وأحق منه في الخلافة.3

وفي هذه الأثناء كانت شجرة الدر نعم الزوجة ، حيث قامت بتشجيع وتأييد زوجها ، فساعدته في الوصول إلى حقه المغتصب. وفي هذه الفترة أنجبت له ولداً أسماه خليل. توجه الأمير نجم الدين إلى القاهرة ، ومعه زوجته شجرة الدر ، وأبنهما ، وبطانته المؤلفة من عشرات الجنود فقط ، وبعض المماليك ، وعلى رأسهم ( بيبرس ، وأيبك ، وقلاوون ، وآق طاي). وبينما هم في طريقهم انقض عليهم جيش الملك الناصر داوود ، وهم ابن عم نجم الدين والي إمارة الكرك والشوبك ، وما يليهما من أرض الأردن. وأسرهم في قلعة الكرك عام (63)هـــ ، ثم أرسل إلى الملك العادل يخبره بما حدث ويطلب منه ثمن جلوسه على عرش الشام. استمر سجنهم سبعة أشهر ، كان الملك الناصر خلالها يساوم الملك العادل في القاهرة على الأمير نجم الدين ، أما زوجته شجرة الدر فقد وفرت له كل أسباب الراحة ، وبثت التفاؤل في نفسه ، خلال مدة الأسر.

الصالح أيوب والمماليك
عُني الصالح أيوب (1240 – 1249) منذ أن تولّى حكم مصر بالإكثار من شراء المماليك الأتراك بعد أن ساندوه في توطيد سلطانه، حتى صار معظم جيشه منهم، وبنى لهم قلعة خاصة بجزيرة “الروضة” في وسط النيل وأسكنهم بها، وجعلها مقرا لحكمه، وعُرف هؤلاء المماليك الجدد باسم المماليك “البحرية الصالحية”.

وقد برز هؤلاء المماليك البحرية وتعاظم شأنهم في خضم أحداث الحملة الصليبية السابعة التي مُنيت بهزيمة بالغة سنة 1250 م ، وانتهت بأسر الملك “لويس التاسع” قائد الحملة في المنصورة، وتبدد قواته بين القتل والأسر. [1]

محاربة الصليبيين وولاية الملك
قامت بوضع خطة مع زوجها ، وذلك باتفاق زوجها مع خصمهِ الملك الناصر ، على أن يطلق سراح نجم الدين ليستولي على عرش مصر ومن ثم ، يقدم له عرش الشام ونصف الخراج. ثم سار الملك الصالح زوجها إلى القاهرة وهزم أخاه العادل نجم الدين ، وأسره في قلعة صلاح الدين. وهكذا بلغت شجرة الدر مرادها ، حيث قاسمت زوجها المجد والسلطة.4

كانت شجرة الدر قادرة على تسيير الجيوش للحرب ، وذلك عندما تعرضت مصر لحملة الصليبين. يقال أن الملك لويس التاسع شن الحملة ، ليوفي بنذره ، حيث نذر بأنه إذا شفي من مرضه ، فسوف يشن حملة على مصر. فجهز جيشاً وأبحر من مرسيليا عام 1249. وفي هذه الأثناء كان الملك الصالح مريضاً ، إلا إنه استعد للأمر، واتخذ من المنصورة مركزاً للقيادة العامة ، وولاها للأمير فخر الدين نزولاً عند رغبة شجرة الدر ، التي أثبتت على أنها قادرة على مواجهة الصعاب ، وأقسمت لزوجها على أن الصليبين سيقتلون في حملتهم. وبعد وصول الغزاة إلى مصر عام 1249. ظهرت حكمة وذكاء شجرة الدر، حيث أخفت نبأ وفاة الملك ، لعدة أسباب أهمها الخوف من حدوث البلبلة في الدولة ، وبخاصة صفوف الجيش ، وحتى تتغلب على العدو ، وكذلك حتى لا ينصرف اهتمام أمراء بني أيوب والمماليك إلى تولي العرش ، وساعدها على ذلك الأمير فخر الدين.5 واستمر الحال في القصر الملكي ، كالسابق. ولكن عندما لاحظت شجرة الدر ،أن خبر وفاة زوجها أوشك أن ينكشف وأن العدو أيضاً على وشك الانهزام. قامت باستدعاء ، ابن زوجها تورانشاه وأمرت رجال الدولة والجيش أن يحلفوا له يمين الولاء ، وأن يدعى لها على المنابر في المساجد؛ وذلك لتبقى السلطة في يدها ، وتعرف أمور الدولة كما تشاء. وذلك إن دل فيدل على ذكائها ودهائها.6
وقبل وصول تورانشاه ، قامت شجرة الدر بوضع خطة حربية مع القوات ، وأمراء المماليك وظلت تشرف على تنفيذها ، ومراقبة سير المعركة في المنصورة عن قرب. وبلغ من حماسها أنها كانت تعاون الأهالي مع الجنود ، في صد هجمات الأعداء والرد عليهم. حتى انتصر المسلمون عام 1250. لم يدم حكم تورانشاه أكثر من شهرين ، وذلك لفساده وطغيانه

وقام بأبعاد رجال الدولة الأكفاء ، وأخذ يهدد زوجة أبيه شجرة الدر ، ويطلب ما تبقى من ثروة أبيه ولم يكتف بذلك بل قام باستفزاز مماليك البحرية ، حتى لقي مصرعه على يد بيبرس. وافق الكل في مصر على تولي شجرة الدر العرش ، بعد مصرع تورانشاه.

كان عهد شجرة الدر زاهياً وزاهراً ، أظهرت خلاله قدرتها وجدارتها في الحكم. وتنعم الفقراء بحسناتها ، إذ كانت ملكة عاقلة لبيبة ، على علم تام بنفسية الشعب ومتطلباتهم. لم تكن حكومتها استبدادية ، لا تشرع في عمل من الأعمال حتى تعقد مجلس المشاورة ، ولا تصدر قراراً إلا بعد أخذ رأي وزرائها ومستشاريها. وقامت بنشر راية السلام أيضاً ، فأمن الناس خلال فترة حكمها. في عصرها نبغ العديد من الأدباء والشعراء المصريين مثل ، بهاء الدين زهير ، وجمال الدين بن مطروح ،وفخر الدين بن الشيخ. وفي عهدها أيضاً قامت بعمل جيد ، وهو تسيير المحمل كل عام من مصر إلى الحجاز في موسم الحج ، ولم تزل عادة تسيير المحمل المصري متبعة إلى اليوم ، فهو يذهب كل عام إلى بيت الله الحرام حاملاً كسوة الكعبة ، والمؤن والأموال لأهل البيت ، مصحوباً بفرقة كبيرة من الجيش لحماية الحجاج.

عرفت شجرة الدر بعدة ألقاب خلال حكمها مثل الملكة عصمة الدين ، والملكة أم خليل ، وأخيراً الملكة شجرة الدر أم خليل المستعصمية، نسبة إلى الخليفة المستعصم ، وذلك خوفاً من أن لا يعترف بها الخليفة العباسي ، الذي كان يجلس على عرش العباسيين في بغداد آنذاك. ودعي لها على المنابر ، كدعاء الخطباء كل جمعة في المساجد. كما أصبحت الأحكام تصدر باسمها ، ونقش أسمها على الدراهم والدنانير.

ولم يرق للعباسيين أن تتولى امرأة عرش مصر. مما أدى إلى نشوب الكثير من الخلافات بين الأمراء والزعماء في مصر والشام ولذلك اتخذت من الأمير عز الدين أيبك مقدماً للعساكر ، ثم تزوجته ، وبفعلتها هذه أمنت كلام الناس واعتراض العباسيين لها. وقبل أن يعقد عليها اشترطت على أن يطلق زوجته ويتخلى عن ولده المنصور علي ، حتى لا ينتقل العرش إلى أبنه، وأطلق عليه اسم الملك المعز.

نهاية الدولة الأيوبية
تُوفي الصالح أيوب في أثناء المعركة وخلفه ابنه توران شاه في حكم مصر، لكنه لم يحسن معاملة المماليك البحرية، الذين كان لهم الفضل الأكبر في تحقيق النصر، وحسدهم على مكانتهم التي بلغوها بفضل شجاعتهم وقوة بأسهم، وخشي من نفوذهم فأعرض عنهم، وأوجس منهم خيفة وأضمر لهم السوء، غير أنه لخفته ولهوجته كان يجاهر بذلك عند سكره بالليل فينفلت لسانه بما يضمره قلبه من قتلهم والتخلص منهم.

يُضاف إلى ذلك سوء تدبيره وفساد سياسته بإبعاده كبار رجال دولته من الأمراء وأهل الحل والعقد، وتقريبه رجاله وحاشيته وإغداقه عليهم بالأموال والإقطاعات ولم يكن أمام المماليك سوى التخلص من توران شاه قبل أن يتخلص هو منهم، فنجحوا في قتله في فارسكور في صباح يوم الإثنين الموافق (28 من المحرم 648هـ = 2من مايو 1250م)، وبمقلته انتهت الدولة الأيوبية في مصر وبدأ عصر جديد.

قيام دولة المماليك
وجد المماليك أنفسهم أمام وضع جديد لم يعهدوه من قبل، فهم اليوم أصحاب الكلمة النافذة والتأثير البالغ، ولم يعودوا أداة في أيدي من يستخدمهم لمصلحته وتحقيق هدفه، وعليهم أن يختاروا من بينهم سلطانا جديدا للبلاد، فاتفقت كلمتهم على اختيار أرملة أستاذهم “شجرة الدر” سلطانة للبلاد، في سابقة لم تحدث في التاريخ الإسلامي إلا نادرا، وبايعوها بالسلطنة في (2 من صفر 648هـ = 5 مايو 1250م).

غير أن الظروف لم تكن مواتية لأن تستمر شجرة الدر في الحكم، على الرغم مما أبدته من مهارة وحزم في إدارة شئون الدولة، فلقيت معارضة شديدة في داخل البلاد وخارجها، وثارت ثائرة الأيوبيين في الشام لمقتل توران شاه وجلوس شجرة الدر على سدة الحكم، ورفضت الخلافة العباسية في بغداد أن تُقر صنيع المماليك، فكتب الخليفة إليهم: “إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نُسيِّر إليكم رجلا”.

نهايتها ووفاتها
مرت الأيام إلى أن أصبح زمام الأمور داخل مصر وخارجها ، في يد زوجها الملك المعز. وبلغها أن زوجها يريد خطبة ابنة الملك بدر الدين لؤلؤ ، صاحب الموصل. فساءت العلاقات بين شجرة الدر وبين الرجل الذي وثقت به ، وجعلته ملكاً. وكادت تفقد عقلها من شدة الحقد والغيرة. وعلمت أيضاً انه ينوي ، إنزالها من قصر القلعة إلى دار الوزارة في القاهرة ، وذلك ليتفادى الجدل والخصام معها ، وحتى يتم تهيئة القلعة ، لاستقبال العروس الضرة. غضبت شجرة الدر غضباً شديداً ، لما فيه من جرح لمشاعرها وكبريائها. وخاصة بعد تأكدها من عزيمته في التخلص منها. فكان لابد من التخلص منه. فدعته ذات يوم واستقبلته بصدرٍ رحب وبشاشة ، وكأن شيئاً لم يحدث بينهما ، حتى شعر بالطمأنينة ودخل الحمام ، وأنقض عليه خمسة من غلمانها الأقوياء ، وضربوه إلى أن مات. ثم أذيع بأن الملك المعز توفي فجأة ، ولكن لم يصدق الناس هذا النبأ.

حاولت شجرة الدر أن يجلس أحد الأمراء المماليك على العرش لكي تحتمي بهِ ، إلا أن محاولاتها بائت بالفشل ، والتجأت إلى البرج الأحمر في القلعة عام 1257. ولكنها لم تنجُ بفعل
ها ، حيث تم القبض عليها من قبل الأمراء المناصرين لزوجها القتيل ، وفرض عليها السجن المنفرد ، ولاقت فيه ألواناً مختلفة من العذاب والهوان. ومن ثم تدخلت ضرتها أم علي وهي زوجة الملك المعز الأولى، وحرضت ابنها علي على قتلها انتقاماً لأبيه. وهناك مراجع أخرى تقول بأنه ، تم قتلها على يد الجواري اللاتي واصلن ضربها بالقباقيب إلى أن فارقت الحياة.

وهكذا عاشت شجرة الدر ، مكرمه وجليلة ، ذات نفوذٍ وقوة ، ولكنها ماتت ميتةٍ ذليلة ومهينه. إن سيرة شجرة الدر ، مازالت تروى ، وهناك العديد من النساء من تتمنى أن تقوم بشخصية شجرة الدر ، وذلك لقوة نفوذها ، وذكائها ودهائها ، وقدرتها العجيبة في الحكم. وقد خلد التاريخ ذكراها ، وذكر الخدمات التي قدمتها للمسلمين ومصر. إلا أن غيرتها على كبريائها وكرامتها ، كانت السبب الذي دفعها لارتكاب تلك الجريمة ، التي أسقطتها من قمة الشهرة وقضت عليها.

ألقاب ملكية
سبقه
المعظم توران شاه سلطانة مصر
مع الأشرف موسى تبعه
أيبك
انظر أيضا
المعظم توران شاه
الناصر يوسف
أيبك
المماليك البحرية
موقعة المنصورة
موقعة فارسكور
وصلات خارجية
Encyclopaedia Britannica Online – Growth of Mamluk armies
Women in World History – Female Heroes from the Time of the Crusades: Shagrat al-Durr
المصادر
خير الدين الزركلي ، الأعلام ، دار العلم للملايين.
سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، دار طلاس ، طبعة 2 ، دمشق ، 1990.
قدرية حسين ، شهيرات النساء في العالم الإسلامي ، دار الكاتب العربي.
الموسوعة العربية الميسرة ، دار نهضة لبنان للطبع والنشر ، بيروت ، 1317هـ ، 1987.
Abu al-Fida, The Concise History of Humanity.
Al-Maqrizi, Al Selouk Leme’refatt Dewall al-Melouk, Dar al-kotob, 1997.
Idem in English: Bohn, Henry G., The Road to Knowledge of the Return of Kings, Chronicles of the Crusades, AMS Press, 1969.
Al-Maqrizi, al-Mawaiz wa al-‘i’tibar bi dhikr al-khitat wa al-‘athar,Matabat aladab,Cairo 1996, ISBN977-241-175X.
Idem in French: Bouriant, Urbain , Description topographique et historique de l’Egypte,Paris 1895
Ibn Iyas, Badai Alzuhur Fi Wakayi Alduhur , abridged and edited by Dr. M. Aljayar, Almisriya Lilkitab, Cairo 2007, ISBN 977-419-623-6
Ibn Taghri, al-Nujum al-Zahirah Fi Milook Misr wa al-Qahirah, al-Hay’ah al-Misreyah 1968
History of Egypt, 1382-1469 A.D. by Yusef. William Popper, translator Abu L-Mahasin ibn Taghri Birdi, University of California Press 1954
Asly, B., al-Zahir Baibars, Dar An-Nafaes Publishing, Beirut 1992
Sadawi. H, Al-Mamalik, Maruf Ikhwan, Alexandria.
Shayyal, Jamal, Prof. of Islamic history, Tarikh Misr al-Islamiyah (History of Islamic Egypt), dar al-Maref, Cairo 1266, ISBN 977-02-5975-6
Sirat al-Zahir Baibars, Printed by Mustafa al-Saba, Cairo 1923. Repulished in 5 volumes by Alhay’ah Almisriyah , Editor Gamal El-Ghitani, Cairo 1996, ISBN 977-01-4642-0
Sirat al-Zahir Baibars, assembled H. Johar, M. Braniq, A. Atar, Dar Marif, Cairo 1986, ISBN 977-02-1747-6
The chronicles of Matthew Paris ( Matthew Paris: Chronica Majora ) translated by Helen Nicholson 1989
The Memoirs of the Lord of Joinville, translated by Ethel Wedgwood 1906
The New Encyclopædia Britannica, Macropædia,H.H. Berton Publisher,1973-1974
Meri, Josef W. (Editor). Medieval Islamic Civilization: An Encyclopedia. Routledge, 2006. web page
Perry, Glenn Earl. The History of Egypt – The Mamluk Sultanate. Greenwood Press, 2004. page 49
Irwin, Robert. The Middle East in the Middle Ages: The Early Mamluk Sultanate, 1250-1382. Routledge, 1986. web page
الحواشي
1. الموسوعة العربية الميسرة ، دار نهضة لبنان للطبع والنشر ، بيروت ــ لبنان ، ص1076 ، 1317هــ ، 1987.

2. خير الدين زركلي ، الأعلام ، قاموس وتراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستغربين والمستشرقين ، ص 76.

3. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، 1990، دمشق ، ص240، 241.

4. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص241.

5. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص244 ، 234.

6. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص 245 ، 246.

7. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص245.

8. قدرية حسين ، شهيرات النساء في العالم الإسلامي.

9. سلمى الحفار الكزبري ، نساء متفوقات ، ص249 ، 250.تاريخ مصر

Dr Usama Fouad Shaalan – دكتور اسامه فؤاد شعلان

معرض الوسوم