Professeur docteur oussama chaalane

برديه الدكتوراسامه شعلان

ميشل إكم ده مونتن

(عاش 28 فبراير 1533 – 13 سبتمبر 1592) كان واحداً من أكثر الكتاب تأثيراً في عصر النهضة الفرنسي، وقد عـُرِف بجعله المقالة صنفاً أدبياً. وقد اشتهر بقدرته دون جهد على مزج تقديرات فكرية جادة مع حكايات عابرة[1] والسيرة الذاتية — وعمله الهائل وترجمته الحرفية “محاولات”) يضم، حتى اليوم، بعض أكثر المقالات تأثيراً في التاريخ. وكان لمونتن تأثيراً مباشراً على الكتاب في مختلف أرجاء العالم، ومنهم رينيه ديكارت[1], بليز پاسكال، جان-جاك روسو، رالف والدو إمرسون، فريدريش نيتشه، شتفان تسڤايگ، إريك هوفر[1], إسحق عظيموڤ، وربما وليام شيكسپير (انظر القسم “الكتاب والتأثير” أدناه).
تعليمه
وصف جوزف سكا: ليجر مونتيني بأنه بائع رنجة. ولكن هذا العالم الكبير قفز جيلاً ذلك أن الجد، وأسمه جريمون إيكيم، هو الذي كان يصدر الأنبذة والأسماك المجففة من بوردو. وقد وردت هذه التجارة من جد ميشيل الأكبر ريمون إيكيم، الذي جمع المال للأسرة بهذه الطريقة، ثم اشترى (1447) القصر والضيعة المعروفين باسم مونتيني على تل خارج المدينة. ووسع جريمون ميراثه بزواج حكيم. أما ابنه بيير غيكيم فقد فضل الحرب على الرنجة، وانخرط في الجيش الفرنسي، وقاتل في إيطاليا مع فرنسيس الأول، وعاد بندوب وبآثار من النهضة، وارتقى إلى منصب عمدة بوردو. وفي عام 1528 تزوج انطوانيت، أبنة تاجر غني من تولوز يهودي المولد، مسيحي العماد، إسباني الثقافة. وولد ميشيل إبكيم، الذي أصبح السيد الإقطاعي على مونتيني، لبيير وانطوانيت، وقد اختلط في رأسه الدم الغسقوني واليهودي. ثم زاد أفقه اتساعاً أن أباه كان كاثوليكيا تقياً، وأمه على الأرجح بروتستنتية، وأخته وأخاه كالفنيين. وكان لبيير آراء في التعليم يقول عنه ميشيل “إن هذا الأب الطيب أرسلني حتى وأنا بعد في المهد لأنشأ في قرية فقيرة يمتلكها، وأبقاني فيها طوال الرضاع وبعده بقليل، لأتربى أفقر وأبسط تربية شائعة(20) “. وبينما كان الصبي في الحضانة عين له تابع ألماني لم يكلمه بغير اللاتينية. “ناهزت السادسة وأنا لا أفهم من الفرنسية أكثر مما أفهم من العربية(21) “.

فلما دخل كلية جيين كان أساتذته (فيما عدا جورج بوكاتان) يكرهون التحدث إليه باللاتينية، لأنه يتكلمها بطلاقة. وقد برز فيها إلى هذا الحد “دون كث ” أو قواعد، أو نحو، أو ضرب بالسياط، أو أنين ونواح “. ولعل الأب كان قد قرأ ما قاله رابليه في التعليم. فحاول أن ينشئ ولده على لمبادئ التحررية، مؤثراً الحب على القسر. واستطاب مونتيني هذا النظام وأوصى به في خطاب طويل عن التعليم(22)، وصرح أنه كتب إلى الليدي ديان دفورا، ولكنه أنكره في مقال متأخر وأوصى بالعصا معيناً مقنعاً للمنطق(23). كذلك لم يحذ حذو أبيه في تفضيله اللاتينية أو الدراسات الكلاسيكية. ومع أن ذاكرته كانت فياضة بالشواهد والمثل الكلاسيكية، إلا أنه أستنكر الاقتصار على التعليم الكلاسيكي، واحتقر التعليم من الكتب والمكبين على الكتب، وآثر على هذا كله الاهتمام بتدريب الجسد لنيل الحكمة والفضيلة. “لسنا في حاجة إلا لقليل من التعليم لكي تكون لنا عقول سليمة(24) “. وقد نتعلم من مباراة في التنس أكثر مما نتعلم من خطاب لاذع ضد كاتلين. وينبغي أن يربى البدن على أن يكون جلداً شجاعاً، قادراً على تحمل الحر والبرد دون تذمر، وعلى إساغة مخاطر الحياة التي لا مفر منها. كان مونتيني يستشهد بالكتاب الأثينيين، ولكنه آثر طرق الأسبرطين في العيش، مثله الأعلى فضيلة رجولية، تقريباً بالمعنى الروماني الذي جعل هذه العبارة نافلة- وأضاف إليه المثل الأعلى الإغريقي “لا إفراط “- الاعتدال في كل شيء، حتى في الاعتدال، فعلى المرء أن يشرب الخمر في اعتدال، على أن يكون قادراً إن دعته المناسبة على الشرب الكثير دون أن يغيب عن وعيه.

وقد يكون السفر جزءاً هاماً من التعليم إذا تركنا أهوائنا وراءنا. “قيل لسقراط إن فلاناً لم يفده السفر مثقال ذرة، فأجاب: أجل، لأنه حمل نفسه معه في سفره “(25). فإذا استطعنا أن نفتح عقولنا وعيوننا وجدنا الدنيا خير كتاب نقرأه، لأن “الكثير جداً من الأمزجة الغريبة والملل المتعددة … والآراء المتنوعة، والقوانين المختلفة، والعادات الظريفة، تعلمنا أن نصدر الحكم السليم على نظائرها عندنا(26) “. ثم بعد السفر يأتي التاريخ يحيط بأفضل العقول في خير العصور… فأي فائدة لا تجنيها… بقراءة “تراجم ” بلوتارخ؟(27) ” وأخيراً يجدر بالطالب أن يتلقى بعض الفلسفة- لا “جدليات المنطق الشائكة ” بل الفلسفة التي تعلمنا كيف نعيش… وما يجب معرفته وما لا يجب، وما الشجاعة، والاعتدال ، والعدل، وأي فرق بين الطموح والجشع، والرق والحرية، وما العلامات التي يتبين الرجل بها القناعة الصادقة الكاملة؛ وإلى أي حد يجب أن يخاف… الموت أو الألم أو العار…. إن الطفل القادم من الحضانة أقدر على تلقي (هذه الدروس) من تعلم القراءة والكتابة(28) “.

Michel de Montaigne.وبعد أن أنفق مونتيني سبع سنين في كلية جيبن دخل الجامعة ليدرس القانون. وما من شيء كان أقل من هذه الدراسة تجانساً مع عقله المستطرد وحديثه الواضح. فهو لا يمل من إطراء العادة وذم القانون. وقد لاحظ في ابتهاج أن فرديناند الثاني ملك اسبانيا لم يبعث محامين إلى أمريكا الأسبانية مخافة أن يضاعفوا أسباب النزاع بين الهنود، وتمنى لو أنه منع الأطباء أيضاً مخافة أن يخلقوا بعقاقيرهم أمراضاً جديدة(19). وعنده أن شر البلاد ما استكثر من القوانين، وقدر أن بفرنسا منها “أكثر مما لدى بقية العالم “. ولم ير أي تقدم في نزعة القانون الإنسانية، وتساءل هل بين الهمج وحشية كتلك التي يمارسها القضاة ذوو العباءات، ورجال الكنيسة الحليقو الرؤوس، في غرف التعذيب بالدول الأوربية(30). وافتخر بأنه “حتى اليوم (1578؟) أنا بريء من جميع الدعاوى القانونية(31) “.

صداقته وزواجه
ومع ذلك نجده عام 1557 مستشاراً في محكمة الاعانات في بيريجو، وعام 1561 عضواً في برلمان بوردو- وهو المحكمة البلدية. وهناك لقى وأحب إتيين دلابويتي. وقد رأينا في موضع آخر من هذا الكتاب أن هذا الأرستقراطي الشاب كتب وهو بعد في الثامنة عشر، مقالاً مشبوب العاطفة ولكنه لم ينشره، واسمه “مقال عن الرق الاختياري “، وقد اشتهر باسم “كونتران “- أي ضد حكم الرجل الواحد؟ وقد دعا الشعب فيه بكل البلاغة التي أوتيها دانتون فيما بعد، إلى الثورة على الحكم المطلق. ولعل مونتيني نفسه شعر ببعض الحماسة الجمهورية في شبابه. على أي حال جذبه هذا المتمرد النبيل، الذي بدا له- وكان يكبره بثلاث سنوات- آية في الحكمة والنزاهة:

“لقد فتش الواحد منا عن صاحبه قبل أن يراه، ومن الأخبار التي سمعها عنه… أظن أننا بأمر سري من السماوات تعانقنا باسمينا. وعند أول لقاء لنا، وكان بالصدفة في وليمة كبيرة واجتماع مهيب لمدينة بأسرها، وجدنا نفسينا مندهشين، متعارفين،… مرتبطين، بحيث أن شيئاً من الأشياء لم يقترب منا بعد ذلك اقتراب كل منا من صاحبه(22). ما السر في هذه الصداقة العميقة؟ يجيب مونتيني “لأنه كان هو، ولأنني كنت أنا(23) “- لأنهما كانا مختلفين اختلافاً جعلهما يكمل الواحد منهما صاحبه. ذلك أن لابويتي كان المثالية كلها، والاخلاص الحار، والرقة والحنان، أما مونتيني فكان فيه من الثقافة والحصافة وعدم التحيز ما يمنعه من التفاني إلى هذا الحد، وقد وصفه هذا الصديق ذاته بأنه “يميل إلى الرذائل والفضائل البارزة على السواء(34) “. وربما كانت أعمق تجربة مر بها مونتيني في حياته هي مشاهدته صديقه يحتضر. ففي عام 1563، وخلال طاعون تفشى في بوردو، مرض لابويتي فجأة بالحمى والدوسنتاريا. وقد احتمل موته البطيء بجلد رواقي وصبر مسيحي لم يغب قط عن ذاكرة صديقه الذي ظل ملازماً لفراشه في تلك الايام الأخيرة. وورث مونتيني مخطوطة المقال الخطر وخبأها ثلاثة عشر عاماً، ثم نشرت منه نسخة في طبعة مسروقة (1576) وهنا نشر الأصل، وأوضح أنه تدريب في البلاغة لصبي “في السادسة عشرة “.

وجعلت هذه الصداقة كل علاقة إنسانية بعدها تبدو لمونتيني تافهة غثة. وقد اكتسب المرة بعد المرة أن نصفه مات مع لابويتي “لقد ألفت أن أكون دائما أثنين، ولم اعتد أن أكون وحدي قط، حتى ليخيل إلي أنني لست إلا نصف نفسي(35) “. وفي حرارة هذه الذكرى رفع الصداقة فوق الحب بين الوالد والولد، والفتاة والفتى، والزوج والزوجة، ويبدو أنه لم يكن يشعر بأي عاطفة رومانسية نحو أي امرأة. “في شبابي عارضت الأفكار الشائعة عن الحب، والتي أحسست أنها تغلبني على أمري، وجاهدت لأقلل من متعة مخافة أن… يسترقني في النهاية ويضعني تحت رحمته(36) “. ولا يعني هذا أنه لم تكن له أويقات غرام، فهو على العكس يعترف بعلاقات واسعة متعددة قبل زواجه(37). وقد وصف الحب الجنسي بأنه “ليس إلا لذة تدغدغ الجسم نتيجة إفراغ الأوعية المنوية، أشبه باللذة التي تعطينا إياها الطبيعة في إفراغ الأعضاء الأخرى. وروى أنه من المضحك أن الطبيعة “خلطت لذاتنا وأوساخنا معا(38) “.

وقد وافق الفلاسفة، على أن حافز الجماع ليس مبرراً للزواج. “لست أرى زيجات أسرع فشلاً وأكثر كدراً كتلك التي تعقد من أجل الجمال، أو تتم في عجلة إستجابة لرغبات الغرام(39) “. فالزواج يجب أن يرتبه “طرف ثالث “، وينبغي أن يرفض صحبة الحب (الجنسي) وشروطه “وأن يحاول شروط الصداقة “، ويجب أن يصبح الزواج صداقة إن أريد له البقاء. وكان يميل إلى رأي المفكرين اليونان القاتل بأن على الرجل ألا يتزوج قبل الثلاثين. وقد اجتنب هذا الرباط أطول ما استطاع. وإذ كان لا يزال أعزب وهو في الثامنة والعشرين، فإنه سافر إلى باريس، وافتتن بها(40)، واستمتع بحياة البلاط حيناً (1562)، ورأى الهنود الأمريكيين في روان، وتردد بين مفاتن الحضارة والهمجية المتنافسة، ثم عاد إلى بوردو، وتزوج فرانسواز دشاسين (1565).

ويلوح أنه تزوج لأسباب منطقية تماماً: هي أن يكون له بيت وأسرة، وأن يورث الأسرة ضيعته واسمه. وفي صفحاته الخمسمائة والألف لا يكاد يذكر شيئا عن زوجته- ولكن لعل هذا من قبيل حسن الأدب، وهو يزعم أنه كان وفياً لها، “مع أن الناس يذيعون عني أنني إباحي، إلا أنني (بنية صادقة) تقيدت بقوانين الزواج بدقة أكثر مما وعدت أو أملت(41) “. وكانت تغتفر استغراقات العبقرية في ذاتها، وتعني بكفاية بالبيت والأرض وحتى بالحسابات، لأنه لم يكن يميل إلى الأشغال التجارية. أما هو فقد أعطاها الاحترام كله، وأمارة حب أو كلمته بين الحين والحين- كاستجابة الشاكرة لمساعدتها السريعة له بعد سقوطه من ظهر جواده، وكاهدائه إياها طبعته للترجمة التي قام بها لابويتي لخطاب بلوتارخ “خطاب عزاء “. وكان زواجاً موفقاً، وعلينا ألا نأخذ مأخذ الجد الشديد تلك السخريات الموجهة ضد النساء في “مقالات مونتيني “، فقد كانت بدعة فاشية بين الفلاسفة. وولدت له فرانسواز ستة أطفال، كلهم بنات، متن جميعا في طفولتهن إلا واحدة، يتكلم عنها في حنان(43). وحين بلغ الرابعة والخمسين تبنى في أسرته فتاة في العشرين اسمها ماري دجورنيه “أحببتها حباً صادقاً يفوق حب الأب لابنته واعتبرتها جزءاً من خير أجزاء كياني، وهبت لي في بيتي وعزلتي(43) “. إنه لم يكن فوق مشاعر الانسانية المشتركة بين البشر.

مقالاته
في عام 1568 مات أبوه، فورث ميشيل الضيعة بوصفه الابن الأكبر. وبعد ثلاث سنوات أو أربع استقال من برلمان بوردو، واعتزل ضوضاء المدينة إلى ملل الريف. ولكن حتى في الريف كان السلام قلقاً، لأن الحرب الدينية كانت تقسم فرنسا ومدنها وأسرها، فالجنود يغيرون على القرى، ويدخلون البيوت ويسرقون، وينتهكون الأعراض، ويقتلون. “ذهبت إلى فراشي ألف مرة… وأنا أتخيل أنه قد يخونني من ائتمنت أو قد أذبح في فراشي”. ورغبة في ثني القوم عن العنف كان يترك أبوابه غير موصدة ويأمر بأن يستقبل المغيرون إن أتوا دون مقاومة. على أنهم لم يأتوا، وترك مونتيني حراً ليعيش في ركنه الفلسفي بين صراع العقائد وصليل السيوف، وبينما كانت باريس وغيرها من الأقاليم تقتل البروتستنتية في مذبحة القديس برتلميو، كتب مونتيني أجل أثر في النثر الفرنسي.

وكان أحب الخلوات إليه مكتبته الكائنة بالطابق الثالث من البرج الذي يرتفع في واجهة قصره الريفي (دمرت النار القصر عام 1885 ولكن البرج باق). وقد أحب مكتبته كنفسه. فكانت ذاته الثانية. “شكلها مستدير، وليس فيها جانب مستو إلا ما يصلح لمكتبتي ومقعدي، وهو وضع… يتيح لي بنظرة واحدة أن اشتمل ببصري كل كتبي…هناك كرسي؛ هناك عرشي. وأنا احاول أن أجعل حكمي فيها مطلقاً؛ وأن أخص بذلك المركز الوحيد دون صحبة زوجتي، وأطفالي، ومعارفي”.

وقل بين الرجال من استطاب مثله العزلة وهي أخوف ما نخاف:

“على المرء أن يفصل ويسترد نفسه من نفسه… علينا أن نحتفظ بمعين لأنفسنا… خاص بنا دون غيرنا… نختزن فيه حريتنا ونرسيها. إن أعظم شيء للإنسان في العالم أن يعرف كيف يكون نفسه. في مكتبته كان لديه ألف كتاب، أكثرها مجلد مزخرف، وكان يسميها “مواطن لذتي “، فيها استطاع أن يختار صحبته ويعيش مع أحكمهم وأخيرهم. ففي پلوتارخ وحده “لأنه يتكلم الفرنسية ” (في ترجمة لآميو ” استطاع أن يجد مائة عظيم يحضرون ويتحدثون إليه، وفي “رسائل ” سنكا الأصغر استطاع أن يتذوق رواقية لطيفة صيغت في عبارات رخيمة؛ هذان (ربما فيهما كتاب بلوتارخ “موراليا” ) كانا أحب المؤلفين اليه، “منهما أستقي مائي كما فعلت الدنايديات، وأملأ دون توقف حالما يفرغ الماء … والألفة التي تمت بيني وبينهما، والعون الذي يمدانني به في شيخوختي، وكتابي الذي لم أصغه إلا مما غنت منهما، كل أولئك يلزمني صيانة شرفهما(48).

وهو لا يستشهد بالكتاب المقدس أبداً (ربما لأنه مشهور جداً)، وإن اقتبس مراراً من القديس أوغسطين. وهو في الاغلب يؤثر القدامى على المحدثين، والفلاسفة على الآباء المسيحيين. كان “إنساني ” الفلسفة بقدر ما أحب آداب اليونان والرومان وتاريخهم، ولكنه لم يكن عابداً أعمى للكلاسيكيات والمخطوطات والمحفوظات، ورأيه في أرسطو أنه سطحي، وفي شيشرون أنه ثرثار دعي. ولم يكن مطلعاً كل الاطلاع على آثار اليونان، ولكنه استشهد بالشعراء اللاتين في تبحر طواف ألم حتى بواحد من أخص ابجرامات مارشال. وقد أعجب بڤيرجل، ولكنه فضل عليه لوكريتيوس. وقرأ “الأقوال المأثورة ” لأرزم في نهم. وكان في مقالاته الأولى متحذلقاً، يرصع كلامه بالعبارات الكلاسيكية المعادة. ومثل هذه الاقتباسات كانت تتفق وأسلوب العصر، وقد استطاب القراء ممن لم تسعفهم قدراتهم على قراءة الأصول هذه النماذج باعتبارها نوافذ صغيرة يلمحون منها العالم القديم، وشكا بعضهم من أنه لم يستكثر منها. ولكن من كل سرقاته الصغيرة خرج مونتن هو هو على نحو فذ، ضاحكاً من الحذلقة، محدداً فكره وكلامه. فهو في ظاهره أشبه بالمقص واللصوق، ولكن مذاقه طيب كطعام الآلهة.

وهكذا، على مهل صفحة فصفحة، ويوماً بعد يوم، كتب “المقالات”، بعد عام 570 . والأسلوب هو الرجل، طبيعياً، حميماً، وثيقاً، وإنها لراحة أن يتحدث إلينا أحد أئمة الفكر بهذه الألفة. أفتح أي صفحة في مقالاته، تجده يمسك بذراعك ويسوقك معه دون أن تعرف، وقلما يهمك، إلى أين يمضي بك. كان يكتب جزءاً فجزءاً، في أي موضوع يخطر بباله أو يوافق مزاجه؛ ويستطرد في فوضى بعيداً عن الموضوع الاصلي أثناء تجواله، فترى مقاله “عن المركبات ” مثلا ينطلق مخترقاً روما القديمة وأمريكا الجديدة. وفي المجلدات الثلاثة ثلاثة تتألف من استطرادات. لقد كان مونتن كسولاً، وما من شيء أشق من خلق النظام وحفظه من الأفكار أو الرجال. وقد أعترف بأنه “متموج متنوع ” ولم يقدس الثبات على الآراء؛ فكان يغير آراءه كلما تقدم به العمر، وإنما الصورة المركبة النهائية هي مونتن.

ووسط تدفق أفكاره المضطرب تجد أسلوباً واضحاً كأنه البساطة بعينها. ومع ذلك تراه يتألق باستعارات عجيبة كاستعارات شكسبير، وبنوادر منيرة تحول المجرد فور الواقع. ويختطف فضوله الفاحص هذه الأمثلة أينما وجدها دون اكتراث لأي معوق خلقي. وهو يسلمنا في عناية ملاحظة تلك المرأة التولوزية التي شكرت الله بعد أن غشيها عدة جنود “لأنني مرة في حياتي ملأت بطني دون أن آثم.

الفيلسوف
إنه يزعم أن لديه موضوعاً واحداً- هو نفسه. “إني أنظر داخل نفسي، ليس لي شأن إلا مع نفسي، فأنا لا أكف عن النظر في أمر نفسي … وتذوقها(53) “. وهو يعمد إلى دراسة الطبيعة البشرية مباشرة، عن طريق دوافعه، وعاداته، ومحابه، ومكارهه، وأسقامه، ومشاعره، وأهوائه، ومخاوفه، وأفكاره. إنه لا يقدم لنا ترجمة ذاتية، فهو لا يكاد يذكر في المقالات شيئاً عن اشتغاله مستشاراً أو عمدة، ولا عن أسفاره في زياراته للبلاط، وهو لا يكشف عن دينه أو مذهبه السياسي، بل يعطينا شيئا أثمن- ذلك التحليل الصريح النفاذ لجسمه وعقله وخلقه. وهو يبسط أخطاءه ورذائله واسهاب. وتحقيقاً لهدفه يستأذن في أن يتكلم بحرية، فهو عامد إلى انتهاك أصول الذوق السليم ليعرض علينا إنساناً عاري الجسد والروح. تراه يتحدث في صراحة صاخبة عن وظائفه الطبيعية، ويستشهد بالقديس أوغسطين وفيف في موضوع التطبل اللحني (امتلاء البطن بالغازات)، ويطيل التأمل في الجماع:

“كل منا يجتنب رؤية إنسان يولد، ولكن الجميع يهرعون لرؤيته يموت. فلهدمه نلتمس مكاناً ونوراً قوياً، ولكنّا لبنائه نختبئ في ركن مظلم ونعمل في تكتم ما استطعنا(54) “.

وحتى مع هذه الصراحة يزعم أنه مارس شيئا من التحفظ. “إني أقول الحق، لا كما أشتهي، بل على قدر ما أجرؤ(55) “. وهو يقول لنا الكثير عن نفسه الجسدية، ويرعى صحته من صفحة إلى صفحة. فالصحة هي الخير الاعظم “والشهرة والمجد يشتريهما رجل في مثل مزاجي بثمن غال، باسم الله(56) “، وهو يسجل تقلبات أمعائه في تفصيل المحب لها. لقد بحث عن حجر الفلاسفة ووجده مستكناً في مثانته. وكان يأمل أن ينزل هذا الحصى في نشوة من الحب، ولكنه بدلا من ذلك وجد أنه “يخونه إلى حد غريب(57) ” ويهدده بالعجز في غير أوانه. وقد عزى نفسه بقدرة يفخر بها، هي “أن أقبض مائي عشر ساعات كاملة(58) وأن يظل على سرجه دون أن يناله الاعياء الشديد. كان بدينا قوياً، يأكل بنهم حتى كاد يعض أصابعه في شرهه. وقد أحب نفسه في لذة لا يعتريها الملل.

كان مغروراً بنسبه، وبشعار نبالته(59)، وبثيابه الفاخرة، وبما نال من تشريف حين أصبح أحد فرسان القديس ميخائيل- وكتب مقالاً “في الغرور “. وهو ينسب لنفسه أكثر الرذائل، ويؤكد لنا إن كان فيه فضيلة فإنها تسللت إليه خلسة. ومع ذلك فإن لديه الكثير من هذه الفضائل: الأمانة، والطيبة، وروح الفكاهة، والاتزان، والرحمة، والاعتدال، والتسامح. وكان يقذف بالأفكار المتفجرة في الهواء، ثم يلقفها ويطفئها قبل أن تسقط. وفي عصر المذابح العقائدية توسل إلى إخوانه في الإنسانية أن يعتدلوا في تعصبهم هذا الجانب من المقتلة، وأعطى العالم العصري مثالاً من أول أمثلته في العقل المتسامح. ونحن نغتفر له عيوبه لأننا نشاركه فيها، ونجد تحليله لنفسه ساحراً لأننا نعلم أننا نحن الذين يروي هذه القصة عنهم.

ولكي يحسن فهم نفسه درس الفلاسفة. وقد أحبهم على الرغم من دعاواهم المغرورة بأنهم يحللون الكون ويرسمون مصير الانسان وراء القبر. ونقل عن شيشرون قوله “ما من شيء سخيف قيل إلا سبق أن قاله أحد الفلاسفة(60). وقد امتدح سقراط لأنه “أنزل الحكم البشرية من السماء حيث طال ضياعها، ليردها إلى الإنسان من جديد(61) “. وردد نصيحة سقراط بدرس أقل العلوم الطبيعية، وأكثر للسلوك الإنساني. لم يكن له “مذهب ” بعينه يدين به، فلقد كانت أفكاره في تطور دائم الحركة بحيث استحال على أي تسمية أن تقيد تحليقه الفلسفي.

ففي بواكير تفكيره الجريئة اعتنق الواقية. إن المسيحية التي تفرقت شيعاً يقتل فيها الناس أخوتهم ، ولطخت نفسها بدم الحرب والمذابح، قد اخفقت بجلاء في أن تعطي الإنسان قانوناً خلقياً قادراً على ضبط غرائزه، لذلك اتجه مونتيني إلى الفلسفة ملتمساً مبدأ خلقياً طبيعياً، وفضيلة لا ترتبط بقيام العقائد الدينية وسقوطها. وبد له أن الرواقية قريبة من هذا المثل الأعلى، فهي على الأقل شكلت بعضاً من أعظم الرجال في العصور القديمة. وجعلها مونتيني مثله الأعلى حيناً، فهو مدرب إرادته على التحكم في نفسه، وهو صادف عن كل العواطف التي تكدر سلامة سلوكه أو هدوء عقله، وهو مواجه صروف الدهر بجأش رابط، متقبل الموت ذاته على أنه نهاية طبيعية مغتفرة.

وبقي في عرق رواقي إلى النهاية، ولكن روحه الجياشة وجدت بعد قليل فلسفة أخرى تبرر ذاتها. لقد تمرد على رواقية تبشر باتباع “الطبيعة ” وتحاول مع ذلك قمع الطبيعة في الإنسان، وقد فسر “الطبيعة ” من خلال طبيعته هو، وقرر أن يتبع رغباته الطبيعية، ما دامت لاتحدث أذى محسوساً. وسرّه أن يجد أبيقور مدافعاً عاقلاً عن المتع السليمة، لا شهوانياً رخيصاً، وأدهشه أن يكتشف قدراً كبيراً من الحكمة والعظة في لوكريتيوس. فأعلن الآن في حماسة شرعية اللذة. أما الخطيئة الوحيدة التي تبنيها فهي الإفراط. ” ان الإفراط هو الطاعون الذي يفتك باللذة، والاعتدال ليس سوط اللذة، بل الملطف لها(62) “.

ومن تذبذب آرائه، ومن انحطاط المسيحية المعاصرة في فرنسا، انتهى إلى الشكوكية التي اصطبغ بها أكثر فلسفته بعد ذلك. وكان أبوه قد ثأر بكتاب “اللاهوت الطبيعي ” الذي ألفه اللاهوتي التولوزي ريمون سبوند (مات 1437؟) والذي واصل جهد السكولستيين النبيل في البرهنة على معقولية المسيحية. وطلب الأب إلى ابنه أن يترجم البحث، نفعل، ونشر الترجمة (1569). واستنار به السنيون الفرنسيون، ولكن بعض النقاد اعترضوا على حجج ريمون. وفي عام 1580 أدخل مونتيني في “الكتاب ” الثاني من “مقالاته ” فصلاً مائتي صفحة فيه “دفاع عن ريمون سبوند ” عمد فيه إلى الرد على الاعتراضات. ولكنه لم يفعل هذا إلا بالتخلي على هدف ريمون، محتجاً بأن العقل أداة محدودة لا يوثق بها، وأنه خير لنا أن نرسي الدين على الأيمان بالكتب المقدسة وبالكنيسة الأم المقدسة؛ وهكذا هدم مونتيني ريمون في واقع الأمر حين يفهم منه ظاهرياً أنه يؤيده. وقد رأى بعضهم، مثل سانت بوف، أن هذا “الدفاع ” ليس إلا حجة ساخرة لتأييد عدم الإيمان(63). أياً كان الأمر، فهو أشد ما كتبه مونتيني هدماً، وربما كان أكمل عرض للشكوكية في الأدب الحديث.

ويؤكد لنا مونتيني، قبل لوك بزمن طويل، أن “المعرفة كلها توجه إلينا بواسطة الحواس(64) “. وأن العقل يعتمد على الحواس ولكن الحواس خداعة في تقاريرها محدودة جداً في رقعتها، ومن ثم كان العقل لا يعتمد عليه. “أن باطن الانسان وظاهره مملوءان ضعفاً وكذباً “(65). (وهنا، في بداية عصر العقل، وقيل بيكون وديكارت بجيل، يسأل مونتيني ذلك السؤال الذي لايقفان ليسألاه، والذي سيسأله بسكال بعد ثمانين عاماً، والذي لا يتصدى له الفلاسفة حتى مجيء هيوم وكانط، لم يجب أن نثق بالعقل؟) بل إن الغريزة مرشد أسلم من العقل. فأنظر كيف يحيا الحيوان بالغريزة حياة ناجحة- أحيانا على نحو أحكم من الانسان. هناك فرق بين بشر وبشر أكثر كثيراً من الفرق بين البشر والحيوان(66) “. وليس الانسان مركزاً للحياة كما أن الأرض ليست مركزاً للكون. ومن التبجح أن يظن الانسان أن الله يشبهه، أو إن شئون البشر هي مركز اهتمام الله، أو أن العالم وجد ليخدم الإنسان. ومن السخف أن نظن أن في إستطاعة عقل الانسان أن يسير طبيعة الله. “أيها الانسان الأحمق، يا من تعجز عن خلق دودة، ولكنك تريد أن تخلق أرباباً بالعشرات! “(67).

ويصل مونتيني إلى الشكوكية بطريق آخر- وهو التأمل في تنوع وتذبذب الإيمان بالقوانين والأخلاق، وبالعلم والفلسفة والدين، فأي هذه الحقائق هو الحق؟ وهو بفضل الفلك الكوبرنيقي على الفلك البطلمي، ولكن “من يدري، فلعل رأياً ثالثاً يأتي بعد ألف سنة قد يقلب هذين الرأيين ” و “أليس أكثر احتمالاً أن الجرم الضخم الذي نسميه الدنيا شيء آخر غير ما نحكم به عليه؟(68) ” و “ليس هناك علم “، إنما هي فروض دعية لعقول مغرورة(69). وخير الفلسفات قاطبة فلسفة برو- وخلاصتها أننا لا نعرف شيئاً. “أن أكبر مقدار فيما نعرفه هو أقل مقدار فيما نجهله(70) ” “وما من شيء يؤمن الناس به إيماناً أرسخ من إيمانهم بما يعرفونه أقل معرفة ” و “إن الاقتناع باليقينية شاهد واضح على الحمق(71) “. وبعبارة موجزة، ليس هناك وجود ثابت، لا لكياننا ولا للأشياء. ونحن، وحكمنا وكل الأشياء الفانية الأخرى، لا تكف عن الدوران، والتحول، ثم الزوال، فلا شيء يمكن إثباته على التحقيق. وليس بيننا وبين الوجود اتصال(72). إذن فشفاء لكل الجراح يختم مونتيني باعادة تأكيده لإيمانه المسيحي، والإشادة بالإله الذي لا يمكن استكناهه(73).

بعدها طبق شكوكيته على كل شيء، دائماً مع انحناءة احترام للكنيسة. وأصبح شعاره “ماذا أعرف “، محفوراً على خاتمه ومكتوباً على سقف مكتبته. وزينت شعارات أخرى عوارض السقف المماثلة “الحجج المؤيدة والمعارضة كلاهما ممكن “، “يجوز لا يجوز “، “لا أقرر شيئا، لا أفهم الأشياء؛ أعلق حكمي؛ أمتحن(74). “وبعض هذا الموقف آخذه عن شعار سقراط “لا أعرف شيئاً “، وبعضه عن برو، وبعضه عن كورنيليوس أجريبا، وكثير منه عن سيكستوس أمبيريكوس، قال، منذ الآن “سأقيد نفسي بما أرى وأمسك به، ولا أذهب بعيداً عن الشاطئ “(75).

ورأى الآن النسبية في كل مكان، والمطلقات في غير مكان، وأقلها في مقاييس الجمال، ويجد فيلسوفنا الشهواني متعة بالغة في ملاحظة مختلف الآراء بين مختلف الشعوب عن مقومات الجمال في ثدي المرأة(76). وهو يعتقد أن كثيراً من الحيوان يفوقنا جمالاً، ويرى أننا كنا حكماء حين اكتسينا بالثياب، وهو يدرك إن دين الإنسان وأفكاره الخلقية تقررها بيئته عادة. “إن طعم الخير أو الشر يتوقف إلى حد كبير على رأينا فيها “، وهو ما سيقوله شكسبير، و “إن الناس تعذبهم آراؤهم عن الأشياء لا الأشياء ذاتها “(77)، وقوانين الضمير لا تنبعث من الله بل من العادة. وما الضمير إلا القلق الذي نحسه حين ننتهك عرف قبيلتنا(78).

وكان لمونتيني من الفطنة ما منعه من الرأي بأن الأخلاق يصح إغفالها ما دامت نسبية. فهو على العكس منذ لك آخر من يمس ثباتها واستقرارها. وهو يتكلم بجرأة عن الجنس، ويطالب بكثير من الحرية- للرجال، ولكنك إذا دققت النظر فيه وجدته فجأة سيئاً. فهو يوصي بالعفة للشباب، وحجته أن الطاقة التي تبذل في الجنس مصدرها مستودع القوة المشترك في البدن، وهو يلاحظ أن الرياضيين الذين كانوا يتدربون للألعاب الأولمبية “أمسكوا عن جميع الأفعال الجنسية وامتنعوا عن ملامسة النساء “(79).

وكان بعض من يمد شكوكيته إلى الحضارة ذاتها، وأن يسبق في ذلك روسو وشاتوبريان. أوحى إليه الهنود الذين رآهم في روان بأن يقرأ تقارير الرحالة؛ ومن هذه الروايات كتب مقالة “عن أكلة لحوم البشر ” وعنده أن أكل الموتى أقل همجية من تعذيب الأحياء. “لست أجد في هذه الأمة (أمريكا الهندية) شيئاً همجياً ولا وحشياً، إلا إذا سمي الناس ما لم يألفوه همجية “(80). وقد تخيل هؤلاء الوطنيين أصحاء لا يمرضون إلا نادراً، سعداء دائماً تقريباً، عائشين في سلام وطمأنينة دون قوانين(81) وامتدح فن الأراتكة وطرق الأنكا. وأجري على لسان هنود روان تنديداً بثراء أوربا وفقرها. “لقد أدركوا أن بيننا رجالاً اتخموا بكل أنواع السلع في حين يتضور غيرهم جوعاً، وعجبوا كيف تحمل الفقراء هذا الظلم ولم يأخذوا بتلابيب الآخرين “(82). وقارن بين أخلاق الهنود وأخلاق فاتحي بلادهم، واتهم هؤلاء إن المسيحيين المزعومين… جلبوا عدوى الرذيلة لنفوس بريئة تواقة للعلم، طيبة بطبيعتها(83) “. ونسي مونتيني لطفه لحظة فتفجر في غضبة مضرية للحق: “ما أكثر المدن العامرة التي نهبت وسويت بالتراب، وما أكثر الأمم التي دمرت أو أقفرت من أهلها. وكم من ملايين لا تحصى من الناس الأبرياء من الجنسين، ومن جميع المراكز، والأعمار، قتلوا ونهبوا وأعمل فيهم السيوف؛ وأغنى بقاع الأرض وأجملها وأفصلها قلبت ظهراً على عقب وخربت وشوهت من أجل تجارة اللؤلؤ والفلفل! إيه أيتها الانتصارات الآلية، ويا أيها الغزو الوضيع!(84) “.

أكان احترامه للدين مخلصاً؟ واضح أن تنقيبه في الكلاسيكيات قد قطعه منذ زمن طويل من تعاليم الكنيسة. لقد احتفظ بإيمان غامض بالله الذي تمثله آنا في الطبيعة، وآنا في روح الكون، ذلك العقل غير المفهوم للعالم. وهو أحياناً يحس إحساس لير في مسرحية شكسبير، “إن الآلهة تلعب بنا الكرة فتقذفنا علواً وسفلاً(85) “. ولكنه يتهكم بالألحاد لأنه “شيء غير طبيعي وبشع(86) “، ويرفض اللاأدرية باعتبارها نوعاً آخر من الجماطية، فأبى لنا أن نعرف أننا لن نعرف أبداً؟(87). وهو ينحي جانباً كل محاولات بذلت لتعريف النفس أو تفسير علاقتها بالجسد باعتبارها محاولات باطلة كلها غرور(88). وهو راغب في قبول خلود النفس بالإيمان، ولكنه لا يجد دليلاً عليه في التجربة أو العقل(89)؛ ثم أن فكرة الوجود الأبدي تروعه(90). “لولا الإيمان لما صدقت المعجزات(91) “، وهو يسبق حجة هيوم المشهورة؛ “كم أجده أكثر طبيعية واحتمالا أن يكذب رجلان، عن أن تحمل الريح رجلاً في اثنتي عشرة ساعة من الشرق إلى الغرب (92) ” (ولعله كان باحثاً عن مثل آخر اليوم). وهو يسبق فولتير إذ يحكى قصة الحاج الذي حكم بأن المسيحية لا بد دين إلهي لأنها حافظت على نفسها هذا الزمن الطويل برغم فساد مديريها(93) وهو يلاحظ أنه مسيحي بمحض الصدفة الجغرافية، ولولا ذلك “لآثرت أن أكون أحد عباد الشمس(94) “. وهو لا يتكلم على المسيح غير مرة واحدة، على قدر ما يذكر أحد قرانه(95). ولم تستهو تلك القصة الجميلة، قصة أم المسيح، روحه غير العاطفية إلا بمقدار، ومع ذلك نراه يعبر إيطاليا ليضع أربعة تماثيل نذرية أمام مزارها في لوريتو. وكان يفتقر إلى ملامح الروح الدينية- وهي التواضع، والاحساس بالذنب وتبكيت الضمير والتكفير، والشوق إلى الغفران الإلهي والنعمة الفادية. لقد كان رجلاً حر الفكر، فيه حساسية ضد الاستشهاد.

على أنه ظل كاثوليكياً بعد أن كف طويلاً عن أن يكون مسيحياً(96). وكما كان أي مسيحي فطن من المسيحيون الأوائل ينحني لأحد الأوثان انحناءة عابرة، كذلك فإن مونتيني، أكثر المسيحيين وثنية، يتحول بين الحين والحين عن إثرائه اليونان والرومان ليقدم الاحترام لصليب المسيح أو حتى ليلثم قدم أحد البابوات. فهو لم ينتقل كما انتقل باسكال من الشك إلى الإيمان، بل من الشك إلى الطاعة. ولم يكن هذا بدافع الحذر فحسب، فلعله أدرك أن فلسفته التي شلت حركتها تررداته وتناقضاته وتشككه قد تصلح ترفاً لعقول هيئت من قبل للحضارة (بالدين؟)، وان فرنسا، حتى وإن أغرقت عقائدها في الدم، إلا أنها لن ترضى بديلاً عنها متاهة فكرية ليس فيها شيء يقيني غير الموت. ورأى أن الفلسفة الحكيمة تصالح الدين: “إن اصحاب العقول البسيطة، الأقل فضولاً، والأقل حظاً من التعليم، يجعلون مسيحيين طيبين، وهم بالتبجيل والطاعة يحتفظون بإيمانهم البسيط ويلتزمون بالقوانين. والعقول متوسطة القوة والكفاية هي التي يتولد فيها خطأ الآراء… أما خير العقول وأكثرها استقراراً وأصفاها نظراً فتخلق نوعاً آخر من خيار المؤمنين، الذين ينفذون بالبحث الطويل والتمحيص الديني إلى معنى أعمق وأعوص في الأسفار المقدسة ويكتشفون الأسرار الخفية الإلهية للنظام الكنسي… أن الفلاحين البسطاء قوم أمناء، وكذلك الفلاسفة(97).

وهكذا، بعد كل لذعاته للمسيحية، ولأن جميع الأديان على السواء إنما هي أستار تغطي جهلنا المرتعد، ينصحنا بأن نقبل دين زماننا ومكاننا. أما هو، ففي وفائه لجغرافيته، عاد إلى شعائر أبائه، فأحب الدين الطقسي العطر الحسي، لذلك فضل الكاثوليكية على البروتستنتية. ونفره من الكلفنية إصرارها على الجبرية(98)، وإذا كان إرزمي الأرومة فقد مال إلى كرادلة روما العالميين اللطفاء دون لويولا جنيف (كالفن) أو أسد فنبرج (لوثر). وأشد ما أسف له أن العقائد الجديدة كانت تقلد القديمة في تعصبها. ومع أنه سخر من المهرطقين لأنهم حمقى يثيرون ضجة حول ميثولوجيات متنافسة، إلا أنه لم يرى معنى لحرق هؤلاء الخوارج. “على أي حال إنه تقدير عال لآرائنا أن نشوي الناس أحياء بسببها(99) ” أو أن نسمح للناس بأن يشوونا.

كذلك نراه في ميدان السياسة يختتم مسيرته محافظاً مطمئناً إذ لا جدوى من تغيير أشكال الحكومة؛ فستكون الحكومة الجديدة سيئة كالقديمة لأنها ستدار بأيدي البشر. فالمجتمع “إطار شاسع جداً “، وجهاز شديد التعقيد من الغريزة والعرف والأسطورة والقانون، يتشكل في بطئ بحكمة الزمن الحاصلة من التجربة والخطأ، بحيث يستحيل على أي عقل مفرد مهما أوتي من قوة وذكاء أن يفصصه ثم يعيد تركيبه دون فوضى وعذاب لا حصر لهما(100). وخير للناس أن يخضعوا لحكامهم الحاليين مع ما فيهم من سوء، إلا إذا حاولوا أن يغلوا الفكر ذاته، عندها قد يستجمع مونتيني شجاعته وينصح بالثورة، لأن “عقلي لم يشكل لينحني أو يذل، أما ركبتاي فنعم(101) “، والعاقل من ابتعد عن المنصب وإن احترمه، “أن أعظم وظيفة هي إنقاذ الدولة ونفع الكثيرين “، “أما أنا فمنصرف عنها(102) “، ومع ذلك فقد خدم الدولة في فترتي منصبه.

وقد أحزنه أنه عاش نصف حياته خلال تدمير فرنسا(103)، “في جيل شديد الفساد وزمان مغرق في الجهل ” “اقرأ كل القصص القديمة، ما لم تكن من الفواجع، فلن تجد ما يعدل تلك التي نراها تمارس كل يوم(104) “. إنه لم يتخذ موقف الحياد في الصراع الدائر حول فرنسا، ولكن “ميلي لم ينسى لا صفات خصومنا المحمودة، ولا الصفات المعيبة التي وصمت من أؤيدهم(105) “. وهو يأبى أن يحمل بندقية، ولكن يجرد قلمه لمناصرة جماعة “السياسيين “، هؤلاء الكاثوليك المؤثرين للسلام والذين نادوا بقدر من التوفيق مع الهيجونوت. وقد امتدح ميشيل دلوبيتال لاعتداله الإنساني البعيد النظر، واغتبط حين تقدم صديقه هنري نافار إلى النصر على مبادئ لوبيتال. لقد كان مونتيني أعظم الفرنسيين تحضراً في ذلك العصر الهمجي.
الحجر الدوار
ميشل ده مونتن.لقد ضايقه حصى المثانة أكثر من حروب فرنسا. ففي يونيو 1580، عقب نشر أول طبعة من “مقالاته “، خرج في رحلة طويلة في أوربا الغربية، من جهة ليرى الدنيا، ومن جهة ليزور ينابيع المياه الطيبة أملاً في تلطيف “المغص ” (كما سماه) الذي كان يعطله بالألم المرة بعد المرة. وترك زوجته لتعنى بشؤون الضيعة، ولكنه اصطحب معه أخاً أصغر، وزوج أخت يسمى البارون استيساك وسكرتيراً أملاه شطراً من يوميته في الرحلة، فإذا أضفنا بطانة من الخدم وسائقي البغال، لم نعد نعجب لفقر هذه المذكرات الفكري. لقد قصد بها الذكرى أكثر مما قصد بها النشر، فأخفاها مونتيني في صندوق بعد رجوعه، حيث اكتشفت بعد أن انقضى على موته 178 عاما.

وقصدت الجماعة أولاً باريس، حيث قدم المؤلف الفخور نسخة من مقالاته لهنري الثالث، ثم انطلقت على مراحل مريحة إلى بلومبيير حيث أخذ مونتيني نفسه يشرب نصف جالون من المياه الطيبة كل يوم طوال تسعة أيام، وأفلح في التخلص من بعض الحصى الصغير بألم شديد(106). ثم اتخذ سمته إلى سويسرة بطريق اللورين. جاء في يوميته التي تحكي ذكرياته عن شخص غائب “لقد وجد لذة لا تعد لها لذة في مشاهدة حرية هذه الأمة وحكومتها الصالحة(107) “. ثم استشفى بمياه بادن- بادن وواصل رحلته في ألمانيا. وحضر الخدمات الدينية عند الكلفنيين واللوثريين كما حضرها عند الكاثوليك، وناقش اللاهوت مع رجال الدين البروتستنت. وهو يروي حديث قسيس لوثري أقسم أنه يؤثر أن يستمع إلى ألف قداس عن أن يشارك في تناول القربان على مذهب كالفن(108)- لأن الكلفنيين أنكروا الوجود الجسدي للمسيح في سر القربان. وفي التيرول شعر بجلال الألب قبل روسو بزمن طويل. ومن إنزبورك صعدت الجماعة إلى ممر بريتر، وتخلص مونتيني في الطريق من “حصاة متوسطة الحجم “، ثم من ترنت إلى فيرونا وفنشنزا وبادوا والبندقية، حيث أضاف إلى القناة العظمى “حصاتين كبيرتين “. ورأى أن المدينة ليست بالروعة التي توقعها ولا مومساتها بالجمال الذي انتظره. ومضى إلى فيرارا، حيث زار تاسو المختلط العقل (كما ذكرت المقالات لا اليومية)، ثم إلى بولونيا وفلورنسة حيث تلقى نهر ارنو “حصاتين وكمية من الرمل(109) “، ومن سبينا إلى روما حيث “أنزل حصاة كبيرة كبزرة الصنوبر(110( ” ولعل هذه الإضافات المفرزة التي سجل أخبارها كانت في مجموعها تبني هرماً لا بأس بحجمه.

وفي روما زار مجمعاً يهودياً، وشهد ختاناً، وناقش مع معلمي الناموس شعائر دينهم. وتبادل الفلسفات مع محظيات روما. ولم يكن (كما خيل لستندال) عديم الإحساس بالفن في روما(111). فقد راح يطوف اليوم تلو اليوم بين الآثار القديمة وعجبه لا ينتهي من بهائها. ولكن الحدث الكبير كان زيارته لجريجوري الثالث عشر. وكأي ابن للكنيسة ركع مونتيني ليلثم حذاء البابا، فتعطف البابا برفع حذائه تيسيراً للمهمة(112). ووجد موظفو الجمرك خلال ذلك نسخة من “المقالات” سلموها لمحكمة التفتيش، ودعي مونتيني إلى الهيئة المقدسة ونبه في رفق إلى أن فقرات في مقالاته تشم منها رائحة الهرطقة، أفلا يرى تغييرها أو حذفها في الطبعات المقبلة؟ فوعد “خيل إليّ أنني تركتهم راضين فيها كل الرضا، وهذا حق، بل لقد دعوه للحضور إلى روما والعيش فيها (ولكنه لم يبال بالوفاء بوعده، وفي عام 1676 أدرج كتابه في قائمة الكتب المحظورة من الكنيسة). ثم سافر عبر إيطاليا قاصداً مزار العذراء في لوريتو وأهداها لوحة نذرية، ربما ليطمئنهم ويطمئن نفسه. ثم عاد إلى عبور الابنين للاستشفاء بمياه لوكا.

وهناك (في 7 سبتمبر 1581) تلقى رسالة تقول أنه اختير عمدة على بوردو. فطلب إعفاءه، ولكن هنري الثالث أمره أن يقبل، ولم يستطع أن يتجاهل تقليد خدمة الدولة الذي خلفه له أبوه. على أنه لم يتعجل العودة إلى فرنسا، فلم ير قصره الريفي إلا في 30 نوفمبر، بعد سبعة عشرة شهراً من بدء جولته. وكانت واجبات العمدة خفيفة، ومكافأته التشريف دون الأجر. وقد أدى واجبات وظيفته على وجه مرضي، لأن انتخابه أعيد (أغسطس 1583) عامين آخرين. وفي ديسمبر 1584 زاره هنري نافار ومعه خليلة وأربعون تابعاً، ونام ملك فرنسا المقبل في فراش الفيلسوف. وقرب ختام فترة عمديته الثانية تفشى الطاعون في بوردو، فغادر مونتيني المدينة إلى الريف كما غادرها كل موظفي الدولة تقريباً. وفي 30 يوليو 1585 حول شارات منصبه لخلفه واعتزل في بيته.

لم يكن قد جاوز الثانية والخمسين، ولكن الحصى كان يعجزه في فترات دورية، وأحياناً يحصر بوله أياماً(113). وفي أوائل عام 1588 بقي فيه من القوة ما يكفي للقيام برحلة ثالثة إلى باريس. وهناك قبض عليه بأمر من الحلف الذي كان آنئذ يسيطر على العاصمة لاتهامه بالولاء لهنري الثالث، وأودع الباستيل (10 يوليو 1588)، ثم أفرج عنه في الليلة ذاتها بشفاعة كاترين دي مديتشي. وفي اكتوبر حضر اجتماع مجلس الطبقات في بلوا ولكنه عاد إلى بوردو في الوقت المناسب للنجاة من التورط في تقلبات هنري الثالث عقب اغتيال الدوق جيز.

وفي آخر مقالاته وأروعها “في الغجرية ” أورد وصفاً لانحلال جسده. فأسنانه مثلاً وصلت فيما يبدو إلى “النهاية الطبيعية لبقائها(114) “. وهو يحتمل “انطلاقه ” دون مرارة، فلقد عاش حياته كما رسمها، واستطاع أن يكتب في فخر: “راجع العالم القديم كله، مجد ومشقة في اختيار اثني عشر رجلاً وجهوا حياتهم في مجرى واحد… مستقر، أكيد، وهو أجمل توجيهات الملكة(115) “. فلما أنبيء بقرب منيته، جمع أهل بيته وورثته من حوله، وأعطاهم بشخصه المبالغ أو الأشياء التي أوصى لهم بها في وصيته. ثم تناول أسرار الكنيسة في تقوى رجل لم يكتب قط كلمة شك أو ارتياب. ومات في 13 سبتمبر 1592 بالغاً من العمر تسعة وخمسين عاماً.

وانتشر تأثيره طوال قرون ثلاثة وعمّ قارات أربعاً. وقد قبل ريشليو في ابتهاج إهداء الآنسة جورنيه إياه طبعة “المقالات ” الأخيرة. وفي تاريخ مبكر (1603)، نسقها صديقه وتلميذه شارون في فلسفة شكلية منتظمة وجعلها فلوريو من عيون الأدب الانجليزي (1603)، ولكنه غشى بساطة المؤلف وإيجازه بالاطناب المفرط في التفقه. ولعل شكسبير رأى تلك الترجمة فأعانته على تشكيل شكوكية مآسيه الكبرى وصوغ عباراتها، وقد شعر بيكون بذلك التأثير، ولعل ديكارت وجد في “المقالات ” الحافز لشكه العام الأول. أما بسكال فقد أشرف على الجنون وهو يحاول انقاذ ايمانه من تشكيكات مونتيني. ومن مونتيني انبثق بيل. وفوفنارج، وروسو، وديدرو، وفولتير- أما روسو فمن اعترافات مونتيني ومقالاته “في التعليم ” و “في أكلة لحوم البشر “، وأما فولتير فمن باقي أعماله كلها.

لقد كان مونتيني جدّ حركة التنوير كما كان بيل أباها. وقالت مدام دو ديفان، أقل نساء جيلها اللامع أوهاماً. أن يودّها أن “تلقي في النار جميع مؤلفات الفلاسفة الضخمة إلا مونتيني، الذي هو أبوهم كلهم(117) “. وبفضل مونتيني دخل تحليل العقل والخلق النفسي إلى الأدب الفرنسي، من كورني وموليير، ولارشفوكو ولابرويير، إلى أناطول فرانس. أما ثورو فقد نهل الكثير من هذا المورد، كذلك استحم فيه إمرسون قبل أن يكتب “مقالاته “. ويمكن أن نقول في مونتيني مالا يصدق إلا على قلة من المؤلفين قبل القرن الثامن عشر، وهو أنه مقروء اليوم كأنه كتب بالأمس.

وتبين العالم عيوبه واغتفرها له منذ زمن طويل. وقد اعترف بالكثير جداً منها حتى لقد استنفد أسلحة نقاده. كان عليماً بأنه ثرثار مغرور. وقد يصيبنا الإعياء حيناً بعد حين من شواهده الكلاسيكية، وتقع لحظة في ذلك الحكم الظالم الذي أصدره مالبرانش على “المقالات ” إذ زعم أنها “ليست إلا نسيجاً من النوادر التاريخية، والقصص الصغيرة، والكلمات الطريفة، والأشعار، والأقوال المأثورة…. التي لا تدل على شيء(118). وما من شك في أن مونتيني يخلط بضاعته في فوضى وكل خلطا يقلل من تأثيرها ومغزاها. وهو يناقض نفسه في مائة موضوع، فهو لابد إذن مصيب، لأنه يقول كل شيء ونقيضه. وفي الشكوكية الشاملة شيء يبتلي المرء بالشلل. فهي تحفظنا من قتل الناس باللاهوت، ولكنها تثبطنا بما تسبقنا إليه من حجة وتستنزف جلدنا. ونحن نتأثر بمحاولة بسكال البائسة أن ينقذ إيمانه من مونتيني، تأثراً أعمق من تأثرنا برغبة مونتيني في ألا يكون له إيمان على الإطلاق.

بيد أننا لا نستطيع أن نضع قلوبنا في نقد كهذا، فهو لا يقطع إلا مؤقتاً تلك البهجة التي نجدها في الثقافة الضاحكة، والفكر المرح المنبعث من هذا الثرثار الذي لا يمكن إسكاته وفي تفكيره السريع. فأين نجد مرة أخرى مثل هذا الموكب المفعم بالحياة، مركب الحكمة والفكاهة؟ إن بين هاتين الصفتين شبهاً دقيقاً، فكلتاهما منبثقة من رؤية الأشياء في أوضاعها الصحيحة، وهما في مونتيني تصنعان رجلاً واحداً. أما ثرثرته فتعوضها طرافته ووضوحه؛ وليس هنا عبارات ناصلة اللون، ولا سخف طنان رنان. ثم إننا ملكنا اللغة التي يستعملها أصحابها لاخفاء الفكر أو إخفاء انعدامه، بحيث نستطيع أن نغتفر الأنانية في هذه الكشوف عن النفس. ويدهشنا من هذا المحدث اللطيف معرفته الحميمة بقلوبنا، ويسري عنا أن نجد حكيما مثله يشاطرنا أخطاءنا، ثم يغتفرها لنا في غير تردد. ومن بواعث العزاء أن نرى أنه هو أيضاً يتردد ولا يعلم علم اليقين، ويبهجنا أن يقال لنا أن جهلنا – إذا أدركناه- يصبح فلسفة. ثم ياله من تفريج أن نصادف، بعد مذبحة القديس برتلميو، رجلاً لم تبلغ به الثقة بالعقيدة حداً يكفي لحمله على القتل!

وأخيراً، وبرغم هجومه على العقل، ندرك أن مونتيني يبدأ في فرنسا عصر العقل كما بدأه بيكون في إنجلترا. إن مونتيني، ناقد العقل، لم يكن شيئاً إن لم يكن هو العقل ذاته. وبرغم كل إنحناءاته للكنيسة، فإن هذا اللاعقلاني كان عقلانياً. ولم يرتض الطاعة إلا بعد أن بذر بذور العقل في فكر فرنسا. وإذا كان قد حاول كبيكون أن يفعل هذا دون أن يقلق إيمان الفقراء المعزى، فيجب ألا تأخذ حيطته أو ترفقه حجة عليه. إنه لم يخلق ليحرق. فلقد علم أنه هو أيضاً قد يكون مخطئاً، ولقد كان رسول الاعتدال كما كان رسول العقل، وكان فيه من النبل الكثير ما منعه من أن يشعل النار في بيت جاره قبل أن يوفر له ملجأ آخر. لقد كان أعمق من فولتير، لأنه تعاطف مع ما هدم.
وفي تقدير جيبون أنه “في أيام التعصب تلك لم يكن سوى رجلين متحررين (يدينان بأفكار حرة سمحة) في فرنسا: هنري الرابع ومونتيني(119) “. أما سانت- بوف، فبعد أن نظر إلى مونتيني نظرة غير متعاطفة خلال عيني بسكال(120)، ختم حديثه بأن حكم، في نوبة نادرة من الحماسة، بأنه أحسن من عاش من الفرنسيين قاطبه(120)
المراجع
كتابات ثانوية ونقد
The Cambridge companion to Montaigne / Ullrich Langer., 2005
Montaigne and ethics / Patrick Henry., 2002
Reading Montaigne / Dikka Berven., 1995
Montaigne : a collection of essays : a five volume anthology of scholarly articles / Dikka Berven., 1995
Approaches to teaching Montaigne’s Essays / Patrick Henry., 1994
Michel de Montaigne’s essays (Modern Critical Interpretations) / Harold Bloom., 1987
Michel de Montaigne (Modern Critical Views) / Harold Bloom., 1987
Montaigne : essays in memory of Richard Sayce / I.D. McFarlane., 1982
Montaigne and his age / Keith Cameron., 1981
Montaigne in Motion / Jean Starobinski, 2009, University of Chicago Press.
Columbia Montaigne Conference papers / Donald Frame., 1981
Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity/Stephen Toulmin ., 1990
Screech M. A. , The Complete Essays 1987, 1991, 2003
Levine, Alan, Sensual Philosophy: Toleration, Skepticism, and Montaigne’s Politics of the Self (Lanham, Md.: Lexington Books, 2001)
Hartle, Ann, Michel de Montaigne: Accidental Philosopher (Cambridge: Cambridge University Press, 2003)
Bakewell, Sarah, How to Live: A Life of Montaigne in One Question and Twenty Answers, London, Chatto, 2009. ISBN 9780701178925

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: