Professeur docteur oussama chaalane

 

 

Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان

 

   علم الاتحاد السوفييتي 

 

كل جمهورية ، بدورها ، مقسمة إلى مناطق (اوبلاست)، فيما عدا نظام الأمن الإقليمي بلاتفيا و ليتوانيا و استونيا و مولدافيا وأرمينيا ، التي كان لها هيكلة وحدة. اما روسيا ، كانت مقسمة إلى بلدان أو كرايات جمع كراي التي كانت مقسمة إلى مناطق ذاتية الحكم. بعض الجمهوريات ك(روسيا وجورجيا وأذربيجان وأوزبكستان وطاجيكستان) كانت في في بنيتها جمهوريات اشتراكية سوفياتية مستقلة ذاتيا، مع قدر و درجة من الحكم الذاتي    

أدت الأزمات الحادة التي شهدتها روسية القيصرية في الحرب العالمية الأولى إلى سقوط النظام القيصري بعد أن أخفقت محاولات القيصر إنقاذ حكم أسرته من آل رومانونف. وبعد أن رفضت الحكومات المؤقتة الثلاث التي تعاقبت على السلطة (آذار – تشرين الأول 1917) الاستجابة لمطلب الجماهير بوقف الحرب وعقد سلام بلا ضم ولا تعويض، رأى لينين أن الوقت قد حان للقيام بالثورة وتسلم البلاشفة (فريق الأكثرية في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي) السلطة في روسية، فقام أنصاره في ليل 24-25 تشرين الأول 1917 بالاستيلاء على السلطة في العاصمة بتروغراد (ليننغراد فيما بعد، وسان بطرسبورغ منذ 1991)، بعد أن تغلبوا على مقاومة المنشفيك (فريق الأقلية في الحزب).

وفي مساء يوم 25 تشرين الأول أيد مؤتمر المجالس السوفييتية الروسية ثورة أكتوبر، وأقال الحكومة المؤقتة التي كان يرأسها كيرنسكي Kerenski، وبذلك أصبحت السلطة في روسية بيد البلاشفة بزعامة لينين [ر] بعد إسقاط سلطة الملاكين الكبار والبرجوازيين.

عهد لينين (1917-1924)

عقب تسلم البلاشفة السلطة في روسية، باشروا تنفيذ برنامجهم الثوري من أجل إقامة نظام اشتراكي بقيادة البروليتارية. ففي 28 تشرين الثاني 1917 قرروا تشكيل حكومة جديدة من البلاشفة برئاسة لينين. وأصدروا «قرار السلام» الذي يعرض السلام على الدول المشاركة في الحرب العالمية الأولى بلا ضم ولا تعويضات، و«قرار الأرض» الذي يقضي بإلغاء الملكيات العقارية الكبيرة بلا تعويضات ومنحها للفلاحين الفقراء.

وفي الأسابيع اللاحقة، تبنت الحكومة البلشفية سلسلة من الإصلاحات مثل قرار القوميات الذي يقر بالمساواة بين شعوب روسية وسيادتها وحقها في تقرير مصيرها، وتطبيق الزواج المدني، والفصل بين الكنيسة والدولة، والرقابة العمالية على المنشآت الصناعية. كما أممت بعض المصانع، وسرعان ما أثارت هذه الإصلاحات المتاعب أمام الحكومة البلشفية، إذ قام كيرنسكي رئيس الحكومة المؤقتة بالهجوم على العاصمة بتروغراد في محاولة لاستعادتها، ودعا مجلس «الدومة» المحلي في بتروغراد السكان إلى المقاومة وأيدته بعض النقابات. ودارت المعارك بين الكتائب الحمراء وقوات «البيض» في موسكو. وبدءاً من نهاية 1917 تألفت في المناطق الجنوبية من روسية بضعة جيوش بيضاء معادية للثورة، في حين قرر كثير من القوميات إقامة دول مستقلة لهم (فنلندة، أوكرانية، شعوب القفقاس..) استغلت بعض الدول الأجنبية الظروف التي تمر بها الثورة لتوسيع مناطق نفوذها (الأتراك في ما وراء القفقاس، واليابانيون في الشرق الأقصى). وردت الحكومة البلشفية بإنشاء دائرة الأمن السياسي (التُشكا) أواخر 1917، وبتأسيس الجيش الأحمر (28 كانون الثاني 1918) بهدف القضاء على الفوضى وعلى الثورة المضادة والتدخل الخارجي. ووقعت مع الحكومة الألمانية معاهدة سلام منفرد (معاهدة بريست – ليتوفسك 13 آذار 1918).

رأت الدول الحليفة أن توقيع هذه المعاهدة خيانة من روسية. فقدمت دعمها للقوى المناهضة للثورة (الجيوش البيضاء)، وقام الإنكليز بعملية إنزال في مورمانسك (آذار 1918) وفي أرخانجلسك (آب 1918)،واحتل الألمان أوكرانية، واستولى اليابانيون على فلاديفوستك.

الحرب الأهلية: عزز توقيع الحكومة البلشفية على معاهدة السلام معارضة الاشتراكيين الثوريين الذين لجؤوا إلى استخدام العنف (اغتيال السفير الألماني ميرباخ، ومحاولة الانقلاب غير الناجحة على البلاشفة في موسكو ومدن أخرى، تموز 1918). وقاد ذلك إلى القطيعة بينهم وبين البلاشفة وإلى قيام نظام الحزب السوفييتي الوحيد. وفي شهر آب تعرض لينين لمحاولة اغتيال على يد أحد الاشتراكيين الثوريين وأصيب بجروح خطيرة. وانتشر الإرهاب في جميع أنحاء البلاد على يد «البيض» والدخلاء الأجانب.

وبدءاً من أيلول 1918، ردت الحكومة البلشفية على «الإرهاب الأبيض» بـ «الإرهاب الأحمر»، فعلى أثر أحداث آب، شمل الحظر الذي كانت الثورة قد فرضته على الأحزاب البرجوازية وصحفها (كانون الثاني 1918) كل الأحزاب الأخرى وصحفها، وأصدرت أوامرها بإحداث محاكم الثورة. فاشتد أوار الحرب الأهلية التي أدت إلى دمار البلاد وسقوط مئات الألوف من القتلى. وعلى الرغم من التدخل الخارجي وتقديم السلاح والعتاد والمؤن والمال إلى جنرالات «البيض» من قادة الحرب الأهلية في أوكرانية وسيبيرية وبلدان البلطيق، وقوة الفئات المعارضة في الداخل (أنصار النظام القيصري، والبرجوازية الليبرالية، والاشتراكيين الثوريين والمنشفيك)، فقد تمكنت الحكومة البلشفية من كسب الحرب: لتفتت أعدائها، واختلاف وجهات نظرهم حول نظام الحكم المزمع إقامته، ولاسيما بعد أن أعدم البلاشفة القيصر وأفراد أسرته، ولاعتماد الحكومة الثورية على العمال وعلى قسم مهم من الفلاحين، ولضخامة الجيش الأحمر وقوته، وقوة قوى الأمن السياسي (التُشكا) واستخدامها في القضاء على جيوش «البيض» واغتيال قادة المناهضين للثورة وأنصارهم. وكذلك الإجراءات الاقتصادية الصارمة أو شيوعية الحرب (إخضاع الفلاحين للرقابة الصارمة واقتطاع جزء مهم من محاصيلهم للقضاء على المجاعة، وتأميم المنشآت الصناعية الصغيرة، وتأميم التجارة الداخلية والخارجية، وتأميم السكك الحديدية والمصارف، وفرض العمل الإجباري على الأشخاص الذين تراوح أعمارهم بين 16-50 عاماً). وقد تصدى الجيش الأحمر للجيوش الأجنبية المتدخلة، مما اضطر الحلفاء إلى إخلاء الأراضي التي كانوا يحتلونها من روسية بدءاً من عام 1919. في حين أنهت معاهدة ريغا (1921) الحرب البولندية – الروسية. وغدا البلاشفة من عام 1921 سادة روسية وأوكرانية وبيلوروسية والقفقاس. في حين صارت فنلندة وبولندة وبلدان البلطيق (أستونية وليتوانية، ولاتفية) دولاً مستقلة (1920). وأعيدت بسارابية إلى رومانية.

كانت خسائر الحرب العامة الأولى والحرب الأهلية وحرب التدخل المادية والبشرية مريعة. فقد انخفض الإنتاج الزراعي انخفاضاً شديداً. وفقدت روسية في المدة بين عامي 1913 و1921 نحو 13 مليون نسمة (ضحايا الحرب والأوبئة الشديدة والمجاعة). وأثارت الصعوبات الاقتصادية (اختفاء المواشي، وتهدم المناجم، وانخفاض الإنتاج الصناعي إلى 13٪ بالموازنة مع عام 1913، ودمار وسائل المواصلات، وانخفاض قيمة العملة…) أزمات خطيرة أدت إلى انتفاضات فلاحية وعمالية لم تلق نجاحاً، وأدى ذلك إلى انقسامات في صفوف الحزب الشيوعي حول الوسائل الواجب اتباعها للتغلب على الصعوبات التي تعاني منها البلاد، في حين حدث تمرد في صفوف البحرية على النظام البلشفي وإجراءاته التعسفية. واضطر لينين أمام هذا الوضع الذي هدد مستقبل الثورة البلشفية إلى الإعلان أمام المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي (آذار 1921) عن تخلي الحكومة عن سياسة «شيوعية الحرب» وتبني سياسة اقتصادية جديدة، تقوم على أساس برنامج يهدف إلى تحقيق الاشتراكية في ملكية وسائل الإنتاج والتبادل، وأن تقوم الحكومة بتطبيق برنامجها هذا نيابة عن المجتمع الاشتراكي بإقامة تعاونيات زراعية (كولخوزات) وصناعية وتخطيط اقتصاد الدولة على هذه الأسس.

السياسة الاقتصادية الجديدة: تمثلت هذه السياسة في المجال الزراعي في إلغاء مصادرة المحصولات الزراعية بهدف كسب الفلاحين إلى جانب الثورة، في حين حوفظ على الملكية الاشتراكية للأرض التي بدأت عام 1919 بتأسيس مزارع الدولة (السوفخوزات) والتعاونيات، ومنح الفلاحون حق حرية الاختيار بين البقاء في هذه المؤسسات أو تركها، وأدت هذه السياسة في مدى خمسة أعوام إلى نتائج مرضية في القطاع الزراعي ولاسيما في مجال إنتاج الحبوب.

أما في المجال الصناعي فقد تمثلت هذه السياسة بإعادة بناء القطاع الخاص في المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة على قاعدة التنافس فيما بينها. وأعيدت التجارة الداخلية إلى هذا القطاع بهدف تشجيع التصنيع وإيجاد الأسس المادية للاشتراكية بتحقيق التراكم الرأسمالي اللازم لبناء المجتمع الاشتراكي، ومنحت بعض الامتيازات للرأسماليين الأجانب، مثل فورد الذي بنى مصنعاً للسيارات في غوركي Gorki. كذلك شجعت الدولة تطوير القطاع الاشتراكي الذي شمل النشاطات الاقتصادية الرئيسية كالنقل والمصارف والتجارة الخارجية والصناعة الكبيرة. واستفادت منشآت هذا القطاع من تمويلات الدولة الضخمة، ولاسيما في مجال الطاقة، لإنشاء التروستات (421 تروستاً في عام واحد) التي كانت تضم المنشآت الصناعية والفروع التي تمارس النشاط نفسه (الفحم في حوض الدونتز، والتعدين في أوكرانية…) وهي مؤسسات عامة كانت تتمتع باستقلال مالي وتتحمل مسؤولية إدارتها التي يجب أن تكون رابحة. ومع أن هذه المشروعات حققت بعض النجاحات (مثل بناء عدة مفاعلات للطاقة الكهربائية وصنع أوائل السيارات والطائرات وإنجازات متنوعة في مجال الصناعات الاستهلاكية)، فإن نقص الأموال والتقنين جعل عملية النهوض الصناعي صعبة ولاسيما في مجال الصناعة الثقيلة، وكان لينين يأمل أن يؤدي التنافس بين القطاعين العام والخاص إلى تحقيق تقدم اقتصادي يسمح بالانطلاق نحو بناء الاقتصاد الاشتراكي.

تزامن تطبيق السياسة الاقتصادية الجديدة، مع محاولات تنظيم الحياة الاجتماعية والأسرية بإصدار قوانين متعلقة بتحرير المرأة وتنظيم الأسرة (حق الطلاق للزوجين، والإجهاض المجاني…) كما تزامنت مع محاولات تعزيز الحياة الثقافية. ومع أن الدولة لم تسع إلى فرض نموذج معين في مجال الأدب والفن، وشجعت الإبداع، فإن السلطة احتفظت لنفسها بحق الحكم على الأعمال الأدبية والفنية وفقاً لفائدتها الاجتماعية. مما أدى إلى سيطرة ثقافة معينة تمجد السلطة ومذهبها العقائدي إلا أنها كانت خصبة في مجال البحث الجمالي وأشكال التعبير.

وفي هذه المرحلة عزز الحزب الشيوعي سلطته للتخلص من المنشفيك والاشتراكيين الثوريين الذين كانوا يدعون أنهم أصحاب الفضل في «السياسة الاقتصادية الجديدة» فتعرضوا للقمع والملاحقة، وتعد السياسة الاقتصادية الجديدة تراجعاً استراتيجياً على طريق بناء الاشتراكية يسوغه تأخر روسية الاقتصادي. فقد رأى لينين أنه لابد من وقفة تستغل في تصحيح الاقتصاد الروسي، وتربية الطبقة الفلاحية تربية شيوعية، وذلك بانتظار انتصار الثورة الاشتراكية في البلدان المتقدمة.

وكان لينين يرى، بالنظر إلى أوضاع روسية السوفييتية عام 1920، أن بناء المجتمع الاشتراكي يستغرق زمناً طويلاً، لأنه لابد أولاً من تطوير الصناعة على قاعدة حديثة، وإيجاد زراعة ممكننة، وتطبيق اشتراكية قائمة على انضمام الفلاحين الطوعي إلى التعاونيات الإنتاجية، وإحداث ثورة ثقافية بتطوير التعليم والثقافة بين الجماهير بهدف تغيير المواقف وتربية العقول وفق النظام الجديد.

تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية: في المدة بين عامي 1920 و1922، توصلت الحكومة البلشفية إلى حل مسألة القوميات بعقد تحالفات ثنائية اقتصادية وعسكرية تربط جمهورية روسية الاتحادية الاشتراكية بكل جمهورية من الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية الأخرى بوصفها دولاً ذات سيادة (بحسب دستور 1918) وفي 30 كانون الأول 1922 أعلن عن قيام اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بقرار من مجلس السوفييت في أربع جمهوريات هي: جمهورية روسية الاتحادية الاشتراكية السوفيتية وجمهوريات أوكرانية وبيلوروسية وما وراء القفقاس. وطغى مبدأ الوحدة على الاتحاد، فأبناء الجمهوريات هم سوفييت قبل أن يكونوا أوكرانيين، أو بيلوروسيين أو غيرهم، واختيرت موسكو عاصمة للاتحاد (1922). وبعد أن تبنت الجمهوريات المذكورة دستوراً مشتركاً (1924) أصبحت الشؤون الأساسية، أي الشؤون الخارجية والمواصلات والبريد، من اختصاص الاتحاد. ولا تتمتع الجمهوريات إلا بأجهزة تنفيذية محلية، باستثناء الاستقلال اللغوي.

وقد انضم إلى الاتحاد بعد ذلك كل من جمهوريات أوزبكستان وتركمنستان (1924) وطاجكستان (1929) وأستونية ولاتفية وليتوانية ومولدفية (1940). وتعد هذه الجمهوريات متساوية في الحقوق والسيادة. وتتمتع دستورياً ونظرياً بحق الخروج من الاتحاد وإقامة علاقات مباشرة مع الدول الأجنبية، ولها استقلال ذاتي وطني يشمل الشؤون السياسية والعسكرية واللغوية والثقافية.

وفي المجال التشريعي غدا مجلس السوفييت الأعلى جهاز السلطة العليا للدولة وينتخب بالاقتراع العام لمدة أربع سنوات. ويتكون من مجلسين (مجلس السوفييت الاتحادي ومجلس سوفييت القوميات). وهو الذي يعين مجلس رئاسة الدولة (البريزيديوم) الذي يمارس مهام رئيس دولة الاتحاد السوفييتي جماعياً، كما يعين مجلس الوزراء. ويضمن الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي وحدة القيادة السياسية، وهو حزب وحيد يتكون من الأحزاب الشيوعية في الجمهوريات، والمؤتمر العام هو السلطة العليا للحزب وهو الذي ينتخب اللجنة المركزية التي تتولى قيادة الحزب والتي تنتخب المكتب السياسي وعلى رأسه الأمين العام للحزب.

السياسة الخارجية: خرجت روسية من عزلتها منذ عام 1920 بعقد مفاوضات تجارية مع بعض دول أوربة الغربية. وفي عام 1921 وقعت معاهدات تجارية مع بريطانية العظمى وألمانية، وتغلبت الواقعية والمنفعة المتبادلة في هذا المجال على الصراع الإيديولوجي. ومهدت هذه المعاهدة للاعتراف الدولي بالاتحاد السوفييتي، وفتحت معاهدة رابالو الموقعة بين ألمانية والاتحاد السوفييتي (1922) الطريق أمام الاعتراف الدبلوماسي بالاتحاد السوفييتي، وقد تنازلت الدولتان بموجب هذه المعاهدة عن ديونهما، وقررتا تطبيق مبدأ الأفضلية في المجال الجمركي، وإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

وفي عام 1924 اعترف بالاتحاد السوفييتي كل من بريطانية العظمى وإيطالية وفرنسة، ثم تبعتها بلدان أخرى أوربية وأمريكية (المكسيك) وآسيوية (الصين واليابان) واستمرت الولايات المتحدة الأمريكية في تجاهل الاتحاد السوفييتي دبلوماسياً حتى عام 1933 مع قيام علاقات اقتصادية وتقنية بينهما.

وفي آذار 1919 كان لينين قد قام بتأسيس الكومنترن أو التنظيم الشيوعي الأممي الثالث ومقره موسكو وغايته مساعدة الثورات الأوربية عن طريق جمعها في منظمة مشتركة تحل محل التنظيم الاشتراكي الأممي الثاني الذي فقد اعتباره لإخفاقه في منع قيام الحرب وتبنى الكومنترن المبادئ التنظيمية التي نصح بها لينين.

واتبع الاتحاد السوفييتي سياسة نشطة في الشرق فوقع معاهدات مع إيران وأفغانستان وتركية، مع الدعاية الواسعة لصالح تحرير الشعوب المضطهدة في الشرق (مؤتمر باكو 1920).

عهد ستالين (1924-1953)

يقسم عهد ستالين تاريخياً إلى مرحلتين تبدأ الأولى من تسلمه السلطة حتى بداية الحرب الوطنية العظمى كما يسميها الروس (1941) وتنتهي المرحلة الثانية بوفاته عام 1953.

المرحلة الأولى (1924-1941): في عام 1922 أصيب لينين بفالج شقي، فطرحت مسألة خلافته على بساط البحث، ودار الصراع على السلطة بين تروتسكي [ر] وستالين [ر] (أمين عام الحزب الشيوعي منذ عام 1922) بسبب اختلافهما حول عدد من المسائل الاقتصادية والتنظيمية والإيديولوجية. وتفاقم الصراع بينهما بعد وفاة لينين سنة 1924. واستطاع ستالين بمساعدة رفيقي لينين – كامينيف وزينوفيف – التغلب على تروتسكي وأنصاره. فأجرى تعديلاً في الدستور 1924 ساعده على الانفراد في السلطة، وجرد تروتسكي من مسؤولياته في الدولة (1925). ولكن تمسك ستالين بالسياسة الاقتصادية الجديدة وتطويره لنظريته «بناء الاشتراكية في بلد واحد» أدى إلى القطيعة بينه وبين كامينيف وزينوفيف فتقرب هذان من تروتسكي والتف حولهم الجناح اليساري للحزب. واستمرت المعركة الإيديولوجية بين الطرفين حتى عام 1927، وانتهت بانتصار ستالين التام وتجريد تروتسكي من مسؤولياته في الحزب وإقصائه عنه مع كامينيف وزينوفيف.

وفي عامي 1928 و1929، نجح ستالين في إجبار الجناح اليميني للحزب على الإذعان له بعد أن أقصى زعيمه بوخارين من المكتب السياسي. وبذلك أصبح ستالين سيد السلطة.

السياسة الاقتصادية: في عام 1928 تخلى ستالين عن «السياسة الاقتصادية الجديدة» وطرح شعار «تصنيع وتخطيط ونشر الشيوعية». وأجمع قادة الاتحاد السوفييتي على ضرورة تبني مبدأ «التخطيط» الاقتصادي بهدف ترشيد الإنتاج الوطني وتحسينه. ومنذئد أخذ الاتحاد بوضع خطط خمسية عامة، أعطيت فيها الأولوية للاستثمار على الاستهلاك، وللتجهيز الشيوعي وتطوير الصناعة الثقيلة على رغد العيش الفردي. وبدأت هذه الخطط تمتد إلى مناحي الحياة كافة وإلى كل المناشط واتسمت المدة بين عامي 1928 و1941 بالتخطيط الاقتصادي وفرض الشيوعية في الأرياف. فكان من أهداف الخطة الخمسية الأولى (1928-1932) إلغاء القطاع الخاص وتطوير الإنتاج الاقتصادي الأساسي. واتسم تنفيذ هذه الخطة بتمويل الدولة لعملية التصنيع ومشاركة عدد كبير من التقنيين الأجانب، ووضع نظام كامل وصارم (عقوبات ومكافآت ورواتب أفضل للعمال…) للحصول على أقصى إنتاج ممكن، وأدى تنفيذ هذه الخطة إلى شيوعية الزراعة (شملت 48.5٪ من الفلاحين) وازدهار التعاونيات الزراعية ومزارع الدولة ونشر التعليم العام والتقني بين الشباب، والقضاء التام على القطاع الصناعي الخاص، وقيام نهضة صناعية سريعة ارتفع فيها نصيب الصناعة في الإنتاج الوطني من 42٪ إلى 70٪ وتضاعف إنتاج الصناعة الثقيلة من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، وتضاعف إنتاج الفحم الحجري والحديد، وأحدثت الصناعة الكيمياوية وفتحت طرق مواصلات جديدة. إلا أن الصناعات الاستهلاكية حققت تقدماً بسيطاً. ولم تحقق بعض الصناعات الثقيلة المعايير المقررة بسبب التأخر التقني، ونقص وسائل المواصلات، وعدم التنسيق بين القطاعات الصناعية المختلفة، وفقدان قطع الغيار.. كما أنشئ عدد من المدن، وانفتح الكثير من الأقاليم السيبيرية على الصناعة حتى أن مركز الثقل الصناعي في الاتحاد السوفييتي أخذ ينتقل إلى الشرق.

وتابعت الخطتان الخمسيتان، الثانية (1933-1937) والثالثة (1938-1942) الهدفين الرئيسيين للخطة الخمسية الأولى. وجرى تلافي الأخطاء السابقة، فخفضت النسب، ورفعت حصة الزراعة ووسائل النقل في الميزانية، وشدد على تحسين نوعية الإنتاج، وبذلت جهود لزيادة عدد الآلات الزراعية في محطات الآلات والجرارات الزراعية للنهوض بالتعليم التقني لأعضاء المزارع التعاونية. ومنح الفلاحون قطعاً صغيرة من الأرض لزراعتها بالخضار والفواكه وتربية المواشي فيها لإثارة اهتمامهم بالإنتاج، مما زود البلاد بقسم مهم من الإنتاج المسوق، وفي نهاية الخطة الخمسية الثانية أصبح إنتاج الحبوب أكثر أهمية، وحقق إنتاج القطن والسكر نتائج جيدة، لكن أعداد المواشي ظل غير كاف وظل الإنتاج العام قاصراً على تلبية حاجات السكان.

وفي مجال الصناعة، جعلت الخطة الخمسية الثانية الأولوية للصناعة الثقيلة وتطوير الصناعات التحويلية والمنتجات الاستهلاكية. وفي عام 1937، أصبح الاتحاد السوفييتي الدولة الصناعية الثالثة في العالم، واستدرك جزئياً تأخره في طرق المواصلات بتوسيع شبكة السكك الحديدية وإنجاز بعض القنوات الملاحية كقناة ستالين، وقناة موسكو – فولغا، وتم تمديد أول خط من مترو موسكو. غير أن النتائج المأمولة لم تحقق في جميع المجالات، فقد دفع خطر النازية [ر] ستالين إلى تخصيص جزء كبير من التوظيفات المالية للتسليح.

كان هدف الخطة الخمسية الثالثة تجاوز الدول الرأسمالية الكبرى في الإنتاج القومي للفرد. لكن الأولوية منحت للتسليح. فتقدم الإنتاج العسكري 300٪ في العام، وأدت الحرب في عام 1941 إلى تعليق تنفيذ الخطة.

ومع ذلك فقد حقق الاتحاد السوفييتي حتى عام 1941 تقدماً هائلاً، فارتفعت قيمة الإنتاج الزراعي 41٪ منذ عام 1913. وسجلت الصناعة الثقيلة أفضل النتائج، فبلغ إنتاج الاتحاد السوفييتي 12٪ من الإنتاج العالمي (مقابل 4٪ عام 1913) كما تحقق تقدم عظيم في المجال الثقافي. فاختفت الأمية بين الشباب، كما اختفت تقريباً بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً. وشهد التعليم الابتدائي والثانوي تقدماً مدهشاً. فأصبح أكثر من عشرة ملايين طفل يتابعون تحصيلهم العلمي لمدة سبع سنوات، وتمتع التعليم المهني بحظوة خاصة.

السلطة السياسية – الستالينية (1929-1941): استصدر ستالين دستوراً جديداً عام 1931 توخى فيه تطوير البنية الاقتصادية والاجتماعية الذي عرفته البلاد منذ عام 1924، وأكد بوضوح السمات الديمقراطية للنظام، وتحول ديكتاتورية البروليتارية إلى ديكتاتورية الحزب. إلا أن السلطة الحقيقية كانت في يد ستالين الذي مارس ديكتاتورية مطلقة، خلف قناع دستوري، فأخضع الحزب لإرادته بعد سلسلة من عمليات «تطهير» أقصى فيها كل الذين يستطيعون أو قد يستطيعون نقد سياسته أو تأليف فريق بديل. فكان عام 1934 عام إرهاب اتسم بموجة من «المحاكمات الكبرى» لم تطل معارضي النظام فحسب بل طال البلاشفة أيضاً، وذهب ضحيتها رفاق لينين القدامى وفيهم زينوفيف وكامينيف، ومعارضو البرنامج الاقتصادي (بوخارين) وكبار الموظفين، وعدد من الفنانين والأدباء والعلماء والموسيقيين وقادة الجيش الأحمر.

السياسة الخارجية: اتصفت هذه المرحلة من حكم ستالين بتفاقم خطر الحرب لتفاقم خطر النازية. وقد سعى الاتحاد السوفييتي في البدء إلى عزل هتلر بتحالفه مع الدول الغربية. وبعد أن أصبح الاتحاد السوفييتي عضواً في عصبة الأمم (1934) أبرم معاهدات تعاون متبادل مع كل من تشيكوسلوفاكية وفرنسة (1935). لكن جهوده للتقارب مع الدول الغربية الأخرى اصطدمت بمناهضة غالبية قادتها للشيوعية. إذ رفضت بريطانية إبرام أية اتفاقية مع الاتحاد السوفييتي واكتفت فرنسة بمعاهدة عامة جداً من دون أية التزامات عسكرية. وعلى الرغم من ذلك فقد وقعت فرنسة وبريطانية معاهدة مع هتلر وموسوليني تخلت بموجبها لألمانية عن إقليم السوديت التشيكوسلوفاكي (أيلول 1938). وأدى عدم إخطار الاتحاد السوفييتي بهذه المعاهدة إلى تعزيز شكوك تسالين في نوايا الغربيين بإطلاق يد ألمانية في الشرق، مما دفع ستالين إلى عقد معاهدة عدم اعتداء متبادل مع هتلر (آب 1939). وتضمنت هذه المعاهدة بنوداً سرية منحت الطرفين حق «تحديد مناطق منفعة متبادلة»: بلدان البلطيق وفنلندة والجزء الشرقي من بولندة وبسارابية، وهي أقاليم كانت تشكل جزءاً من الإمبراطورية الروسية عام 1913.

المرحلة الثانية (1941-1953): على إثر احتلال هتلر بولندة (أيلول 1939) احتل الجيش الأحمر الجزء الشرقي من تلك البلاد الذي كان قد اقتطع من الاتحاد السوفييتي عام 1921. وكانت الحرب التي بدأت بين الاتحاد السوفييتي وفنلندة في 3 تشرين الأول 1939، قد انتهت في آذار 1940 باستسلام فنلندة وتنازلها للاتحاد السوفييتي عن مضيق كاريلية والقاعدة البحرية هانغو. وفي حزيران 1940، اضطرت رومانية إلى التنازل للاتحاد السوفييتي عن إقليمي بسارابية وبوكوفين اللذين تكونت منهما جمهورية مولدفيه الاشتراكية السوفييتية (آب 1940). وفرض الاتحاد السوفييتي معاهدات تعاون متبادل على بلدان البلطيق التي ما لبثت أن أصبحت تؤلف جمهوريات اشتراكية سوفييتية جديدة داخل الاتحاد (تموز 1940). وفي الوقت ذاته، تطورت العلاقات الاقتصادية مع ألمانية إلى درجة بدت فيها متينة مع اقتراب عام 1940 من نهايته. إلا أن هتلر كان قد أوعز إلى قادة جيشه بإعداد الخطط لاجتياح روسية منذ شهر تموز 1940. وقد بدأ الاجتياح فعلاً في ليلة 21-22 حزيران 1941.

الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية (1941-1945): كانت الأسابيع الأولى من الحرب كارثة على الاتحاد السوفييتي فقد أصيبت آلة الحرب السوفييتية بالشلل التام على الرغم من المقاومة العنيدة، واحتلت القوات النازية في أقل من أربعة أشهر أراضي جمهوريات البلطيق الثلاثة وبيلوروسية والجزء الأكبر من أوكرانية وجميع الأقاليم الواقعة إلى الغرب من خط ليننغراد وموسكو تقريباً. غير أن القوات السوفييتية نجحت في خاتمة المطاف في احتواء القوات النازية عند ضواحي ليننغراد وعلى أبواب موسكو، واستطاع الاتحاد السوفييتي أن يتمالك نفسه بعد كارثة الأشهر الأولى. وتمكن في بضعة أسابيع، من تفكيك آلاف المنشآت الصناعية ونقلها إلى منطقة الأورال وما وراءه وتركيبها هناك من جديد، لتصبح مراكز حيوية للإنتاج الحربي، وتحمل الاتحاد السوفييتي وحده عبء الحرب في مواجهة هتلر طوال أربع سنوات. ففي تموز 1942، توغل الألمان في القفقاس حتى وصلوا إلى مدينة ستالينغراد (فولغاغراد) ونجح الجيش الأحمر مرة أخرى في احتواء هذا التقدم، وفي ستالينغراد وعلى ضفاف الفولغا شنت القوات السوفييتية هجوماً معاكساً انتهى إلى تطويق 22 فرقة عسكرية ألمانية وإبادة القسم الأكبر منها واستسلام 96 ألف رجل مع قائدهم المارشال فون باولوس (2 شباط 1943).

وفي موقعة كورسك التي بدأها الألمان بهجوم قوي (تشرين الثاني 1943) تمكن الجيش الأحمر من احتواء الهجوم والقيام بهجوم عام معاكس أدى إلى تحرير مدينة كييف، وفك الحصار عن ليننغراد (كانون الثاني 1944). وفي صيف عام 1944 وخريفه تمكنت القوات السوفييتية من تحرير جميع الأراضي السوفييتية المحتلة، وشرعت في تحرير بولندة، في حين طلبت رومانية الهدنة (23 آب)، وأعلنت الحرب على ألمانية، بعد أن تخلصت من حكومتها الفاشية. وفي كانون الثاني 1945 توغل الجيش الأحمر في بروسية الشرقية وسيليزية العليا، وحرر كل أراضي أوربة الشرقية تقريباً وقسماً من أوربة الوسطى، ودخل برلين في 2 أيار عام 1945. ووقعت ألمانية صك استسلام الجيش الألماني من دون قيد أو شرط في رانس (فرنسة) في السابع مع أيار 1945. وفي ظروف الحرب هذه تحسنت العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والحلفاء وازدادت وثوقاً بعد مؤتمر طهران (تشرين الثاني 1943) الذي حضره كل من تشرشل وروزفلت وستالين، واتفق هؤلاء في مؤتمر يالطة على شاطئ القرم (شباط 1945) على تنظيم عالم ما بعد الحرب. وفي آب 1945، حررت القوات السوفييتية منشورية من الاحتلال الياباني، وباستسلام اليابان في 2 أيلول انتهت الحرب العالمية الثانية.

خرج الاتحاد السوفييتي من هذه الحرب منتصراً، لكن خسائره المادية والبشرية كانت فادحة. فقد قضت الحرب على أكثر من 10٪ من سكانه، و50٪ من ممتلكاته العقارية، و70٪ من منشآته الصناعية، و60٪ من معدات النقل وتجهيزاته الزراعية وأصبح أكثر من 70٪ من أراضيه الزراعية غير قابل للإنتاج في المدى القريب وقضت الحرب على 30 إلى 70٪ من مواشيه من مختلف الأجناس. فانخفض إنتاجه في كل الميادين. أما الجانب الإيجابي في هذه المحصلة المأساوية للحرب فتمثل بالتطور الاقتصادي في المناطق الشرقية من الاتحاد وفي آسيا بدءاً من عام 1941. وفي عام 1945 أصبحت منطقة الأورال المركز الصناعي الأول للاتحاد السوفييتي وينتج 58٪ من الصلب و53٪ من الفولاذ وكان الجيش الأحمر في هذا الوقت يحتل شرقي ألمانية والنمسة، وحررت قواته رومانية وبلغارية وبولندة وكورية الشمالية وشمالي الصين.

الاتحاد السوفييتي في نهاية المرحلة الستالينية:

استأنف الاتحاد السوفييتي بعد الحرب سياسة التخطيط الاقتصادي، واستطاع في مدى أربع سنوات (1945-1949)، إعادة بناء ما خربته الحرب، وأجرى تعديلات جوهرية على الدستور (1946)، وظلت الأولوية للصناعة الثقيلة، التي بلغت حصتها 88٪ من التوظيفات المالية، ولتطوير خطوط السكك الحديدية ووسائط النقل.

وتضمنت أولويات الخطة الخمسية الرابعة (1946-1950) تطوير الزراعة والتقدم التقني في جميع الفروع الاقتصادية، وإعادة تجهيز الأقاليم التسعة التي أصابها الدمار، وتطوير الجمهوريات الاتحادية، لكن الإنتاج الزراعي في نهاية الخطة لم يتجاوز إنتاج 1940 إلا بقليل، وظل إنتاج الزراعات الغذائية والمنتجات الحيوانية أقل من التوقعات بكثير. وبقيت الزراعة نقطة ضعف الاقتصاد، في حين أن إعادة البناء في المجال الصناعي سجلت نقاطاً إيجابية، إذ تجاوز الإنتاج التوقعات في كل فروعه باستثناء الصلب. وتمثلت الناحية الإيجابية الثانية بتقدم المشاريع الكبرى، أي بناء الأقنية (قناة لينين، قناة ري تركستان). وفي عام 1949، صنع الاتحاد أول قنبلة ذرية. في حين كان العجز واضحاً في الصناعات الاستهلاكية نتيجة لاهتمام ستالين بتعزيز القدرة القتالية للاتحاد السوفييتي أكثر من اهتمامه بتوفير حياة رغد لمواطنيه، ولاهتمامه بالمستقبل أكثر من الحاضر، واتسمت الخطة الخمسية الخامسة (1950-1955) بمساوئ الخطة السابقة في ميدان الزراعة والإنتاج الزراعي. لكن غداة وفاة ستالين كان الاتحاد السوفييتي قد عاد من جديد دولة صناعية كبرى. وكان الثمن الاختلالات التي وسمت المرحلة الستالينية كالتضحية بالريف، وضعف مستوى معيشة السكان، وتعميم استخدام الطرائق القسرية. فبعد الحرب، مارس ستالين ديكتاتورية مطلقة شاملة: فاضطهد الأقليات القومية وسعى إلى طمس معالمها الثقافية والدينية، وألزم الشعوب السوفييتية الالتفاف حول الشعب الروسي. فقضى بذلك على جميع التطلعات القومية. وبدأت عملية إعادة المثقفين الذين أصابتهم عدوى الأفكار الغربية إلى «صوابهم» وتعين على الأدباء والمفكرين أن يصبحوا «مهندسي النفوس» ومن لا يلتزم منهم توجيهات النظام يخضع لعمليات «التطهير» وحلت «الستالينية» محل الماركسية – اللينينية.

ومع أن ستالين احتفظ بزعامته للحزب الشيوعي، إلا أنه تخلى عن منحه الأهمية التي كانت له في عهد لينين، وجعله مجرد قناة لنقل الأوامر والسهر على تنفيذها: فأهمل المكتب السياسي للحزب، ولم تجتمع اللجنة المركزية منذ عام 1947 حتى وفاته، كما حصر سلطة اتخاذ القرارات بشخصه ومستشاريه الشخصيين. وأصبحت عبادة شخصية ستالين بلا حدود، ونصب ستالين نفسه منظراً للاشتراكية.

وفي المجال الدولي، ظهر الانقسام واضحاً بين الحلفاء المنتصرين في الحرب في مؤتمر بوتسدام (1945). وبإسدال الستار الحديدي على تشيكوسلوفاكية مساء انقلاب براغ (25 شباط 1948) أنجز ستالين القضاء على تحالفه مع الغرب، وتنامى شعور الاتحاد السوفييتي بتخلي حلفائه الغربيين عنه (خطة مارشال وزير خارجية الولايات المتحدة وتقديم المساعدات إلى دول أوربة الغربية وفنلندة)، فبدأت الحرب الباردة (1946) بين الشرق والغرب. واتسمت فيما اتسمت به بإنشاء الكومنفورم، أي مكتب الإعلام  (تشرين الأول 1947)، بهدف دعم الاضطرابات الثورية في فرنسة وإيطالية، ونشبت أزمة برلين (1948)،والحرب الكورية (1950). كما عزز الاتحاد السوفييتي موقعه في دول المعسكر الاشتراكي بإنشاء الكوميكون أو مجلس التعاون الاقتصادي (1949) رداً على خطة مارشال. ودعم علاقاته مع الصين الشعبية بعد انتصار الثورة الشيوعية فيها بقيادة ماوتسي تونغ (1949).

عهد خروشوف (1953-1964)

بعد وفاة ستالين 5 آذار 1953، حرص قادة الاتحاد السوفييتي على العودة إلى نظام القيادة الجماعية. فعهد إلى مالنكوف برئاسة الحكومة السوفييتية (6 آذار)، وإلى نيكيتا خروشوف بمنصب الأمين العام للحزب (14 آذار). لكن خروشوف سرعان ما أقصى حلفاءه من الستالينيين (مولوتوف) ومن ذوي النفوذ الخطرين (الماريشال جوكوف) وذوي الميول الليبرالية السياسية والاقتصادية (مالنكوف) فعين المارشال بولغانين رئيساً للحكومة (1955) ثم أقصاه في عام 1957 ليجمع في يده الأمانة العامة للحزب ورئاسة الحكومة، وسيطر على الحياة السياسية في الاتحاد في المدة بين 1957و1964. وعمل خروشوف على تخفيف التعسف البوليسي، وحاول القضاء على فساد الإدارة، ثم وجه ضربة قاضية إلى الستالينية حين تقدم بتقريره «السري» الشهير إلى المؤتمر العشرين للحزب (1956)،وكشف فيه فظائع حكم ستالين والأخطاء السياسية والتقنية التي اقترفها منذ عام 1935، واستنكر فيه «عبادة الشخصية» مذكراً أنها اتخذت أبعاداً هائلة لأن ستالين شجع على تعظيم شخصه وأحاط نفسه بهالة من العبقرية، وخلص التقرير إلى ضرورة العودة إلى مبادئ الديمقراطية اللينينية بكاملها.

استهل خروشوف حكمه بسياسة اقتصادية أكثر ليبرالية مما في السابق وكان هدفها تحسين أوضاع المواطنين المادية وتمثلت بتخفيض أسعار المواد الغذائية والسلع المصنعة، ورفع الأجور الدنيا. كما حاول حل مشكلة السكن في المدن، وتخفيف الأعباء عن الفلاحين، وتحسين أسعار منتجاتهم الزراعية، لكن إزالة الستالينية لم تطل مبدأي تشييع الأراضي والتخطيط الاقتصادي. وكان شعار الخطة السبعية (1959-1965) «استدراك تأخر الاتحاد السوفييتي وتجاوز البلدان الرأسمالية المتقدمة». وركزت هذه الخطة على تطوير الأقاليم الشرقية، والصناعة الكيمياوية والطاقة الحرارية وكهربة وسائل النقل. وكذلك اتخذ خروشوف سلسلة من الإصلاحات لتعزيز السلطات المحلية وتخفيف وصاية السلطة المركزية. إلا أن نتائج هذه السياسة كانت مخيبة للآمال فاضطر إلى التراجع عنها. وأدت نتائج الإصلاحات في القطاع الزراعي إلى أزمة اقتصادية نجمت عن تقهقر الإنتاج الزراعي، وانخفاض عائدات المزارعين واستيائهم، وحمل خروشوف مسؤولية ذلك، كذلك أثار برنامج خروشوف للتغيير في الحياة السياسية والاجتماعية بهدف زيادة الاهتمام بحاجات المواطنين وتطلعاتهم وزيادة مشاركتهم في الحياة السياسية، وتحسين العلاقات بين الشعوب التي يتكون منها الاتحاد السوفييتي والقضاء على مراكز القوة التي تعرقل جهوده الإصلاحية – أثار هذا البرنامج غضب مجموعة القادة التقليديين الذين كانوا يريدون الحفاظ على امتيازاتهم. وأدت محاولته جعل الحزب مجرد أداة تنفيذية إلى إثارة عداء الحزب بكامله. وفي تشرين الأول 1964 أجبر أعضاء مجلس الرئاسة خروشوف على الاستقالة وعينوا ليونيد بريجنيف خلفاً له.

وفي مجال السياسة الخارجية حرص خروشوف على الحفاظ على ما حققه الاتحاد السوفييتي من مكاسب على المستوى الدولي بعد الحرب العالمية الثانية باقتسام العالم مع الولايات المتحدة الأمريكية. واستأنف العلاقات مع يوغوسلافية، وأقام حلف وارسو (1955) مع دول الديمقراطيات الشعبية في أوربة الشرقية باستثناء يوغوسلافية وعارض إدخال إصلاحات ليبرالية على النظام السياسي في دول المعسكر الاشتراكي (تشرين الأول – تشرين الثاني 1956) بالتفاوض حيناً (في بولندة) وبالقوة حيناً آخر (في هنغارية). ويبدو أن هذه الليبرالية كانت من أسباب حل الكومنترن (نيسان 1956). في حين أن خشية الاتحاد السوفييتي من رغبة بكين في تبني سياسة المد الشيوعي الثوري، دفعت خروشوف والولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب الباردة وتبني سياسة التعايش السلمي (1954).

وفي شباط 1960 أبرم الاتحاد السوفييتي معاهدة تجارية مع كوبا، ووقف إلى جانبها في أزمتها مع الولايات المتحدة 1960، وأعلن عن استعداده للدفاع عنها، ولو اضطر إلى استخدام السلاح الذري إذا اقتضى الأمر، (أيلول 1962)، وأكد عزمه هذا بإرسال سفن تحمل صواريخ سوفييتية إلى كوبا، مما أدى إلى تأزم في العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة كاد يؤدي إلى حرب ذرية بينهما لولا تراجع خروشوف وإصداره الأوامر إلى السفن بالعودة إلى الاتحاد السوفييتي، وسحبه الصواريخ والقاذفات السوفييتية من كوبا. وفي الوقت نفسه أخذت علاقات الاتحاد السوفييتي تسوء مع الصين الشعبية بسبب الخلاف على عدد من النقاط تتعلق بالسياسة الداخلية في الصين ومعارضة الصين سياسة التعايش السلمي. وانتهى الأمر إلى القطيعة التامة بينهما (1960).

عهد بريجنيف (1964-1982)

بعد تعيين ليونيد بريجنيف أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي أصبح كوسيغن رئيساً للحكومة، وميكويان [ر] رئيساً لمجلس رئاسة الدولة حتى عام 1966 ثم خلفه في هذا المنصب بودغورني [ر] وبذلك عاد الاتحاد السوفييتي إلى القيادة الجماعية من جديد. لكن سرعان ما انفرد بريجنيف بالسلطة عندما جمع في يده الأمانة العامة للحزب ورئاسة الدولة (1977).

لم يؤد رحيل خروشوف إلى تغييرات جذرية في الخيارات السياسية والاقتصادية ومع ذلك عرف الاتحاد السوفييتي في عهد بريجنيف بعض التحولات. ففي المجال الاقتصادي استؤنف العمل بالخطط الخمسية. وبدأ تطبيق الإصلاحات التي نادى بها ليبرمان في المصانع (إدخال مفهوم الربح في إدارة المنشآت الصناعية وإجبارها على تنظيم برنامجها الإنتاجي تبعاً لطلبات زبائنها، والتسيير الذاتي). ثم في المجال الزراعي. وأعطت هذه السياسة نتائج مرضية نسبياً. وبعد سنوات من التردد، ساعد استخدام الحوافز المادية، وتحسين تقنيات الإدارة، وتحديد الأسعار بربطها بسعر الكلفة الحقيقية للإنتاج على الحصول على نتائج مؤكدة مع الخطة الخمسية الثامنة (1966-1970). والتاسع (1971-1975). وازداد إنتاج الأدوات الاستهلاكية موازياً إيقاع إنتاج الصناعة الثقيلة.

وفي الميدان الأيديولوجي، تعزز في عهد بريجنيف العمل بالواقعية الاشتراكية في الوقت الذي تزايدت فيه معارضة المنشقين بدءاً من عام 1970.

وفي مجال السياسة الخارجية، حقق الانفراج الدولي تقدماً مهماً بدءاً من عام 1965. فتحسنت العلاقات السوفييتية – الأمريكية ولاسيما بعد معاهدات 1972 الخاصة بالحد من الأسلحة النووية وتوقف حرب فييتنام. كما تحسنت العلاقات السوفييتية مع ألمانية الاتحادية (1970) في حين توترت العلاقات مع دول المعسكر الاشتراكي بسبب استمرار الاتحاد السوفييتي في سياسة الحفاظ على وحدة العالم الاشتراكي وفقاً للمعايير التي حددها بنفسه. وهذا ما يفسر تدخله في تشيكوسلوفاكية (1968). واستمر الاتحاد السوفييتي ببسط نفوذه في إفريقية وأمريكة اللاتينية، وفي تدعيم موقفه في الشرق الأوسط وتأييده للبلدان العربية في مواجهة العدوان الإسرائيلي (1967). ومنذ كانون الأول 1979، تدخل عسكرياً في أفغانستان بهدف مساعدة الحكومة الماركسية فيها على الحفاظ على السلطة, وقد اتسمت مدة حكم بريجنيف بالجمود والمحافظة ومقاومة كل جديد. وتمثل ذلك باستقرار الأطر نفسها في أجهزة الحكم, والتمسك بالتخطيط الاقتصادي، مع الرغبة في تقريب شروط معيشة أبناء الأرياف من أبناء المدن عن طريق تطوير «المدن في الأرياف» وكذلك مواصلة الأهداف السياسية الخارجية نفسها.

عهد أندروبوف (1982-1984)

بعد وفاة بريجنيف (تشرين الثاني 1982)، أصبح الرئيس السابق للاستخبارات السوفييتية KGB يوري أندروبوف [ر] أميناً عاماً للحزب الشيوعي ثم رئيساً للدولة، وقد اصطدمت محاولاته الإصلاحية بثقل المؤسسات البيروقراطية، ومقاومة الجهاز الذي أنشأه سلفه، وسياسة الترقب التي تبناها القادة السوفييت الذين ترددوا في دعم أندروبوف المصاب بالشلل والذي لم يعد يظهر في المحافل العامة منذ صيف 1983 إلى أن توفي في 9 شباط 1984.

عهد تشيرنينكو (1984-1985)

بعد وفاة أندروبوف، أصبح قسطنطين تشيرنينكو [ر] أميناً عاماً للحزب، فأعاد الطمأنينة إلى رجال الجهاز الذي أنشأه بريجنيف وأزال قلقهم من أطياف الإصلاحات التي حاول أندروبوف القيام بها، ورأى هؤلاء في تشيرنينكو عنصر توازن بين الفئات المختلفة داخل الحزب، وظهر تقدمه في السن عاملاً يضمن الاستقرار، ولا يحول دون تحقيق طموحات القادة الأصغر سناً. وكان طبعه المتواضع وعدم خبرته بالمشكلات الداخلية يبشر بالعودة إلى القيادة الجماعية. وقد اضطر أكثر من مرة إلى الرضوخ للآخرين في تسيير الأمور، ولا سيما أندريه غروميكو في المجال الدبلوماسي، وديمتري أستينوف في أمور الدفاع، حتى بات من الممكن القول بأن ثلاثة رجال كانوا يملكون مقاليد السلطة في الكرملين، وكانت سياسة الكرملين الداخلية والخارجية حصيفة تمثلت بالاستمرار على صعيد السياسة الداخلية بسبب الاعتماد على عناصر من عهدي بريجنيف وأندروبوف وحافظت على بقاء المؤسسات القديمة والأيديولوجية، مع تأكيد انتظام العمل والبحث عن الفعالية في البنى القائمة.

أما على صعيد السياسة الخارجية فيمكن تمييز مرحلتين، اتسمت الأولى منهما بالتشدد في أفغانستان وبفرض شروط قاسية لاستئناف الحوار بين موسكو وواشنطن حول الحد من انتشار الأسلحة النووية بعد توقفه في تشرين الثاني 1983 إثر وصول الصواريخ الأمريكية بيرشينغ perching إلى أوربة الغربية. واتسمت الثانية «بتسخين» العلاقات بين موسكو وواشنطن بعد انتخاب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة، وبذل الجهود لاستئناف المفاوضات بينهما حول الحد من الأسلحة الدفاعية والهجومية والأسلحة النووية عابرة القارات والمتوسطة المدى.

في 10 آذار 1985، توفي تشيرنينكو. وانتخب محله ميخائيل غورباتشوف أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي.

عهد غورباتشوف (1985-1991)

شهد الاتحاد السوفييتي مع وصول غورباتشوف [ر] إلى السلطة سلسلة من التحولات شملت كل جوانب الحياة، ففي البداية عزز غورباتشوف سلطته بصفته أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي، بتعيين ثلاثة شخصيات موثوقة في المكتب السياسي للحزب هم رئيس الحكومة ريجكوف، ليجاتشف، وتشيبريكوف. وأقصى من المكتب السياسي ثم من الأمانة العامة للحزب منافسه الأول رومانوف، ووزير الخارجية غروميكو.

وبعد شهر من تسلمه السلطة، وفي الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب، تحدث غورباتشوف عن ظواهر الركود التي يعيشها المجتمع السوفييتي منذ الستينات (الانخفاض المستمر في نسبة النمو الاقتصادي، وانخفاض نسبة متوسط الدخل القومي الفردي وغيرهما) ورأى وضع استراتيجية لتقويم تشوهات هيكل المجتمع وإزالة ما لحق بالنظام من عيوب منذ الثلاثينات وتسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية لإخراج المجتمع من أزمته. وبعد مضي نحو ثلاث سنوات على تسلمه دفة الحكم، أدرك غورباتشوف أن «إجراءات التجميل وحدها لا تكفي» وقادته دراسة الأسباب الجذرية للأزمة التي يعيشها المجتمع السوفييتي، وما تحدثه ثورة العلم التقني في العالم، وما يوليه هذا العالم من اهتمام للحفاظ على الحضارة المعاصرة إلى طرح استراتيجية «إعادة البناء» (البيريسترويكا) peristroika على أنها عملية «تجديد ثوري للاشتراكية وللمجتمع السوفييتي كله» واقترح برنامجاً متكاملاً للبيريسترويكا يشمل الميادين السياسية والأيديولوجية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والقانونية بهدف تحقيق الرفاه ورغد العيش وحرية التطور الشامل لكل أفراد المجتمع.

استمدت استراتيجية البيريسترويكا أسسها من المبادئ اللينينية بعد إزالة ما لحق بها من تفسير «دوغماتي» وجمود عقائدي وتشوهات وبعد إغنائها بالمستجدات التي يطرحها تطور المجتمع وتمليها روح العصر، فجاءت برنامجاً شاملاً للمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقومية والتنظيمية الحزبية. يدعو هذا البرنامج إلى الانتقال من النظام التسلطي – البيروقراطي القائم على الأمر والنهي إلى النظام الاشتراكي الإنساني الديمقراطي القائم على سيادة حقوق الإنسان وحماية حرياته الأساسية، واحترام مبدأ سيادة الشعب وممارسة رقابته على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإشاعة الديمقراطية، وتنمية روح الحوار والنقد، وجعل هذا النظام في خدمة الإنسان لا العكس، والقضاء على «عبادة الشخصية».

وفي المجال الاقتصادي كان هدف البيريسترويكا الانتقال إلى اقتصاد السوق، بتحويل جميع الحلقات الاقتصادية إلى العمل طبقاً لنظام «الحساب الاقتصادي» والتمويل الذاتي، أي بناء «اقتصاد قانوني» والفصل بين إشراف الدولة على الاقتصاد وإدارة الاقتصاد بحيث تعطى المؤسسات والاتحادات الإنتاجية والشركات المساهمة والتعاونيات دوراً رئيسياً في الاقتصاد، في حين يقتصر دور الدولة على وضع الأطر المعيارية العامة، وتوفير الشروط اللازمة لنشاطات الحلقات الاقتصادية، وحماية البيئة، وتسخير الاقتصاد لخدمة الإنسان والعناية بمتطلباته، والوفاء بحاجاته الأساسية، وإعادة الإنسان الزراعي إلى الأرض وتسليمه وسائل الإنتاج وجعله سيد هذه الأرض وحفز اهتمامه الشخصي بذلك، وتقوية مصلحته المادية في زيادة الإنتاج الزراعي، وتهيئة أسباب الرفاه الاجتماعي في القرية.

أما في المجال الاجتماعي فهي تعني العمل على رفع المستوى المعيشي للسكان الأقل يسراً، وتحسين الرعاية الطبية، وحل مشكلة توفير المستحضرات الطبية، وحل مشكلة السكن والمشكلات التي تعاني منها المرأة، والاهتمام بحماية البيئة، واجتثاث المساواة الظاهرية والاتكالية أخذاً بمبدأ (من كل بحسب قدرته ولكل بحسب عمله).

وفي المجال الثقافي ترمي البيريسترويكا إلى العمل بالمفهوم اللينيني للثقافة الشامل لكل مجالات تعامل الإنسان مع العالم والمجتمع، ومع نفسه، والنبذ الكامل لأساليب الأمر والنهي وفرض التصورات الذاتية، وعدّ العمل الذهني ثروة يمتلكها المجتمع لا تقدر بثمن، وقوة هائلة محركة له في درب التطور، وانتهاج الموقف نفسه في الميادين العلمية الأخرى والتعليم، وكذلك تشجيع التبادل الثقافي والعلمي الواسع والحر مع البلدان الأجنبية، وتطوير نظام التعليم العام والتقني بكل مراحله وفقاً لمتطلبات العصر السريعة التغيّر، وتربية ثقافة إنسانية رفيعة لدى اختصاصيي الغد.

وفي المجال القومي، تعنى البيريسترويكا تحديث السياسة القومية بالعودة إلى السياسة القومية اللينينية القائمة على مبدأ حرية القوميات في تقرير مصيرها، وإيجاد اتساق حقيقي في العلاقات القومية يضمن مصالح كل أمة على حدة ومصالح الشعب عامة، ويكون ذلك بتوسيع حقوق الجمهوريات والكيانات القومية الأخرى، ورفع درجة استقلالية الأجهزة الجمهورية والمحلية، وتحديد صلاحياتها ومسؤولياتها وصلاحيات الحكومة الاتحادية بدقة، وتنسيق العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد والجمهوريات على أساس الجمع العضوي بين الاستقلال الاقتصادي والمشاركة الفعالة في تقسيم العمل على صعيد الاتحاد، والاعتراف الفعلي بتنوع الثقافات القومية وعدم الانتقاص منها أو التفريط بها لأن كل واحدة منها فريدة في بابها.

ومن جملة اهتمامات البيريسترويكا إصلاح الحزب من الداخل والفصل الدقيق بين وظائف هيئات الحزب والدولة والأجهزة الاقتصادية… ووضع الحزب تحت رقابة الهيئات المنتخبة، وإعادة بناء العمل الحزبي أيديولوجياً انطلاقاً من الجذور بحيث يصبح عملاً مبدعاً وجهته الناس وقضاياهم.. والاستعاضة عما تعوده الحزب في الماضي من حوار مع الذات بحوار واسع مع المجتمع في ظل تعددية الرأي وإشاعة الروح الديمقراطية داخل الحزب نفسه.

وفي مجال السياسة الخارجية، تنطلق البيريسترويكا من مبدأ التحرر من التصورات القطعية والاعتراف بأولوية المصالح والقيم البشرية العامة، والقيم الأخلاقية العامة لتكون معياراً إلزامياً لكل سياسة، وكذلك الاعتراف بحرية الاختيار الجماعي التي تستبعد التدخل في شؤون الدول وبضرورة تخليص العلاقات بين الدول من المجابهة الأيديولوجية.

أما المبادئ التي قامت عليها السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي في ظل البيريسترويكا فكان في مقدمتها ضمان أمن الاتحاد السوفييتي بالوسائل السلمية ضمن مكونات الأمن الشامل المتكافئ وتجريد العلاقات الدولية من النزعة العسكرية وإشاعة المبادئ الديمقراطية الإنسانية فيها، استناداً إلى نفوذ الأمم المتحدة وإمكاناتها، وتصفية السلاح النووي عن طريق مفاوضات تستهدف نزع السلاح وتقليص الطاقات الدفاعية للدول إلى حدود الكفاية المعقولة، وعدم جواز استعمال القوة أو التهديد باستخدامها من أجل تحقيق غايات سياسية واقتصادية، واحترام سيادة الدول واستقلال أراضيها وسلامتها في العلاقات مع الدول، وتبني الحوار والمفاوضات وسيلة وحيدة لحل القضايا وتسوية النزاعات الدولية، والنظر إلى التعايش السلمي بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي على أنه مرحلة يصعب رؤية حدودها في الزمن، فالتاريخ سيقرر أياً من النظامين أكثر قدرة على العيش، ودمج الاقتصاد السوفييتي في الاقتصاد العالمي على أسس متكافئة والمشاركة الفعالة في صوغ قواعد تقسيم العمل الدولي المعاصر والتبادل العلمي والتقني والتجارة والتعاون مع من يبدي الاستعداد لذلك.

صباح كعدان

تفكك الاتحاد السوفييتي

تزامن اختيار غورباتشوف عام 1985 أميناً عاماً للحزب الشيوعي مع تزايد المخاوف من استفحال أزمة النقص في المواد الغذائية التي أعلن عن بدايتها عام 1980، واستمرت مع تطبيق خطة زراعية جديدة من 1982 وحتى 1990 كان هدفها الحد من استيراد الحبوب ولاسيما القمح من الولايات المتحدة. وعلى الرغم من لقاء غورباتشوف أربع مرات عام 1987 مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، وانتهاجه خطة إصلاحات جذرية وإطلاقه الحريات ونشر الديمقراطية بتطبيق سياسة «الانفتاح» و«إعادة البناء» فقد أخفق غورباتشوف في تحقيق أهدافه، وواجه معارضة شديدة من بعض دول الكتلة الشرقية وأكثر أنصار الشيوعية محافظة داخل الاتحاد السوفييتي. ومع هذا فقد عقدت جلسة للبرلمان السوفييتي عام 1989 لأول مرة منذ عام 1918 كانت نتائجها في صالحه. إلا أنه واجه في عام 1990 مشكلات اقتصادية حادة واضطرابات عرقية وقومية في الجمهوريات، زادت في حدة المصاعب الاقتصادية التي لم يعرف الاتحاد مثيلاً لها منذ الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى ازدياد النقمة على غورباتشوف من اليمين واليسار على حد سواء. وفي 19 آب عام 1991 عاشت البلاد انقلاباً عسكرياً تسلم فيه نائب الرئيس السلطة وعزيت هذه التدابير الاستثنائية إلى مرض غورباتشوف في منتجعه الصحي في القفقاس في الوقت الذي كان فيه غورباتشوف يستجم في القرم، وأعلن الانقلابيون تأليف حكومة خلاص لمدة ستة أشهر. لكن رئيس جمهورية روسية الاتحادية بوريس يلتسن شجب الانقلاب وقاومه علانية ودعا إلى إضراب عام دعمه نحو 50.000 متظاهر أمام البرلمان الروسي ونجح في مساعيه فاستسلم الانقلابيون بعد ثلاثة أيام وأعيد غورباتشوف رئيساً للدولة. وفي 24 آب عام 1991 استقال غورباتشوف من رئاسة الحزب الشيوعي وأوصى بحل اللجنة المركزية للحزب، وأعلنت جمهوريات الاتحاد السابقة استقلالها عن الاتحاد في شهري آب وأيلول من العام نفسه عدا تركمنستان (تركمانية)التي أعلن استقلالها في 27 تشرين الأول 1991.

وجاءت الضربة القاصمة للحزب الشيوعي السوفييتي في 29 آب 1991 حين صوت البرلمان السوفييتي على إيقاف جميع نشاطات الحزب وإغلاق مكاتبه. وبذل غورباتشوف محاولة لإحلال اتحاد سوفييتي جديد محل الاتحاد المنهار، فأعلن في الثاني من أيلول 1991 أن الأمة على شفير كارثة واقترح نقل جميع السلطات المركزية إليه وإلى رؤساء الجمهوريات العشر ومجلس تشريعي معين.. ولكنه أخفق في مسعاه مرة أخرى وأقصي عن مناصبه كلها، وآل الأمر إلى تفكك الاتحاد السوفييتي تماماً وحل الحزب الشيوعي، ونشأت في مقابل ذلك 15 جمهورية مستقلة وعدد من الجمهوريات الصغيرة التي أعلنت استقلالها في شمالي القفقاس وما وراء القفقاس. وأعلن غورباتشوف بنفسه نهاية الاتحاد السوفييتي في خطاب تاريخي وجهه إلى شعوب الاتحاد السوفييتي في نهاية عام 1991.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: