Professeur docteur oussama chaalane

Dr Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان
 
والموريسكيون هم المسلمون من أصول إسبانية الذين تم تعميدهم قصرا بمقتضى مرسوم ملكي المؤرخ بتاريخ 14 من فبراير/ شباط 1502، لكن الموريسكيين حافظوا على ثقافتهم العربية وديانتهم الإسلامية ولكنهم اضطروا لكتمنها مما جعلهم محط ملاحقة ومتابعة من طرف الكنيسة و الملكية إلى أن تم طردهم. واختلف المؤرخون الأسبان حول عدد المطرودين فهناك من يحدد العدد في ثلاثين ألفا وهناك من يختزله في عشرة آلاف

.
القصيدة المؤثرة في وصف أنواع الاضطهاد والتعسف الذي نزل بالموريسكيين، بعد ديباجة نثرية قصيرة وديباجة شعرية طويلة في تحية السلطان العثماني بايزيد:
سلامٌ كريمٌ دائمٌ متجددُ أخص به مولانا خير خليفة
سلام على مولانا ذي المجد والعلى ومن ألبس الكفار ثوب المذلة
سلام عليكم من عبيد تخلفوا بأندلس بالغرب من أرض غربة
وانطلاقاً من هذه الأبيات يبدأ مشهد المأساة الموريسكية من مختلف الجوانب الإنسانية والحضارية والثقافية، فمن خلال المادة الشعرية التي بين أيدينا، يمكننا حصر هذه المأساة من خلال ثلاث مراحل كبرى):
1 ـ التنصير القسري:
تؤكد الوثائق المكتشفة في أرصدة محاكم التفتيش أن الإسبان لم يحترموا بنود معاهدة تسليم غرناطة، وحاربوا كل ما هو غير كاثوليكي، ووزعت محاكم التفتيش بياناً كاشفاً عن مظاهر أتباع الدين الإسلامي للوشاية بالمسلمين. وقد تسبب هذا البيان في محاكمة الآلاف من المتهمين الذين وقعوا في فخ الوشاية والحقد والانتقام، وحكم على الباقين بالسجن والجلد والاسترقاق والتهجير
فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم بدا غدرهم فينا بنقض العزيمة.
وخان عهوداً كان قد غرنا بها ونصرنا كُرْهاً بعنف وسطوة.
غُدرِنا ونُصّرنا وبُدل ديننا ظلمنا وعُوملنا بكل قبيحة
كان الأندلسيون بين رحى التعذيب والهجرة قبل فرض سياسة التنصير وحيث وجب ألا يغيب عنا أن الدين قد أثر على فكر الإسبان وسلوكهم خلال القرن السادس عشر. وعليه فإن التعصب الديني كان قابعاً في سياسة ملوك إسبانيا إذ تولد عنه الخوف المستمر من بقاء المسلمين بإسبانيا وتواصل الفتوحات العثمانية في شرق أوروبا، لهذا لجأت الحكومة الإسبانية إلى تعميم الإرغام على التنصير، والواقع أن النصوص الشعرية صورت مختلف الواجهات لسياسة التنصير:
أ ـ الاحتفال بالشعائر الدينية:
كان لزاماً على الموريسكيين حضور مختلف الطقوس المسيحية، وإلا تعرضوّا لمصادرة أملاكهم أو السجن وهذا ما سجلته الأبيات:
ومن لم يجي منا لموضع كفرهم يعاقبه اللباط شر العقوبة
ويلطم خديه ويأخذ ماله ويجعله في السجن في سوء حالة
وللسير قدماً في تطبيق سياسة الاندماج، قررت السلطات الإسبانية تحت إشراف الأساقفة، أن كل الموريسكيين يجب عليهم تلقي مراسيم دفن كنسي وأنه يتحتّم عليم دفن موتاهم في نفس مقابر المسيحيين:
ومن جاءه الموت ولم يحضر الذي يُذكرهم لم يدفنوه بحيلة.
ويترك في زبل طريحاً مجلداً كمثل حمار ميت أو بهيمة
وقد لاحقَ المورسكيين رجالُ الكنيسة وأعوان محاكم التفتيش على الصلاة والصوم، ومنعوهم من تأدية الشعائر الإسلامية:
ومن صام أو صلى ويعلم حاله ففي النار يلقوه على كل حالة.
وفي رمضان يفسدون صيامنا بأكل ورب مرة بعد مرة
وظل الموريسكي متسكعاً بعبادته، وهو في السجن وتحت وطأة التعذيب وسيتحول هذا الشعور إلى حقد المسيحيين على الموريسكيين، وبتطور بشكل سريع ليتنقل من حقد ديني إلى حقد عام وشامل لجميع التقاليد والعادات الموريسكية.
ب ـ التقاليد والعادات:
أجبر المسيحيون المرأة الموريسكية على التبرج وأكل الخنزير والجيفة وبالاختلاط مع الأجانب بالإضافة إلى عدم التلفظ باسم النبي محمد عليه الصلاة والسلام بل بشتمه أيضاً وهذا ما يوضحه البيت التالي:
وقد أمرونا أن نسب نبينا ولا نذكره في رخاء ولا شدة
2 ـ الإقصاء الحضاري:
تميزت هذه المرحلة بقيام الموريسكيين بعشرات الثورات ضد التعسف، فكانت نتيجة السياسة اندلاع ثورة في حي البيازين بغرناطة عام 1502م ومما لا شك فيه فإن الملكين الكاثوليكيين (إيزابيلا وفرديناند: 1474 ـ 1516م) كانا على اتفاق مع رجال الدين على أعمال التنصير القسري. فقد كان هؤلاء يؤمنون بأن وحدة العقيدة والروح هي الأساس الأول الذي يمكنه من توحيد إسبانيا المجزأة، وتمسك المسلمين بدينهم يقوي أواصر الصلة بينهم وبين إخوانهم بالمغرب وفي العالم الإسلامي، ولاسيما مع الدولة العثمانية، ومن ثم فإن تنصير المسلمين أو إخراجهم هو الضمان الوحيد لسلامة إسبانيا ووحدتهاوقد واكب هذه السياسة أن اقتلعت إسبانيا جذور الموريسكيين التاريخية من الناحية الدينية والثقافية والاجتماعية:
أ ـ الناحية الدينية:
تعمقت روح الكراهية عندما أصدرت السلطات الأوامر بحرق المصاحف والآلاف من الكتب العربية الحاملة للعلوم والثقافات والتي قدرها المؤرخون بعشرات الألوف. وكان الهدف من وراء هذه العمليات الإقصائية هو طمس معالم الحضارة العربية الإسلامية بالأندلس وفي هذا السياق تشير القصيدة:
وأحرق ما كانت لنا من مصاحف وخلطها بالزبل أو بالنجاسة
ب ـ الناحية الثقافية:
لقد تم القضاء على الموروث الحضاري الإسلامي الذي خلدته الأندلس عبر الأجيال زهاء ثمانية قرون، حيث تشير القصيدة إلى ذلك صراحة:
ولم يتركوا فيها كتاباً لمسلم ولا مصحفاً يخلى به للقراءة
ج ـ الناحية الاجتماعية:
منعت السلطات الإسبانية الموريسكيين من ارتداء الملابس العربية وأجبرتهم على تغيير أسمائهم العربية
لإسلامية إلى أخرى إسبانية مسيحية.
وقد بدلت أسماؤنا وتحولت بغير رضا منّا وغير إرادة
وبإلحاح من البابا بروما أصدر ملك إسبانيا فيليب الثاني (1556 ـ 1598م) قرارات ذات تدابير صارمة في حق الموريسكيين منها توصيات اقترحها رجال الكنيسة يمكننا إجمالها في النقاط التالية:
ـ منع استعمال الألبسة العربية.
ـ إجبار الموريسكيين على ترك أبواب بيوتهم مفتوحة أيام الجمعة والأعياد.
ـ يمنع النساء من التنظيف ودخول الحمامات.
ـ يمنع على المرأة الزواج طبقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.
ـ منع الآباء من تلقين أبنائهم الشعائر الإسلامية.
ـ إجبار الأطفال على حضور الحفلات الدينية المسيحية في الكنائس
وقد تعرض الموريسكيّون الذين كانوا يعيشون في مختلف مناطق الأندلس إلى إبادة جماعية وهذا حسب ما ورد في القصيدة:
وقد بدلت أسماؤنا وتحولت
بغير رضا منا وغير إرادة
فسل وحرا عن أهلها كيف أصبحوا أسارى وقتلى تحت ذلّ مهانة.
وسل بلفيقاعن قضية أمرها لقد مزقوا بالسيف من بعد حسرة.
ومنياقة بالسيف مزق أهلها كذا فعلوا أيضاً بأهل البشرة
والدرش بالنار أحرق أهلها بجامعهم صاروا جميعاً كفحمة
3 ـ الطرد:
ومن المعروف أن ترتيبات إقصاء الموريسكيين من إسبانيا وطردهم كان من أسبابه الجوهرية المقاومة المستمرة التي أبداها المسلمون في الأندلس طوال خمسة أجيال (1492 ـ 1609م)، لذلك أصدر فيليب الثالث (1598 ـ 1621م) بتاريخ 22 جمادى الثانية 1018هـ الموافق لـ 22 سبتمبر 1609م، مرسوماً ملكياً يقضي بطرد جميع الموريسكيين. وجاء تبرير الملك حول هذا الطرد "… لقد حاولت منذ سنين طويلة تنصير موريسكييّ هذه المملكة وإصداري لقرارات العفو المتتالية في شأنهم وساعدني رجال الدين في تحويلهم إلى ديانتنا المقدسة لكنهم أصروا على التمسك بدينهم
ويتبين لنا عند دراسة بداية المأساة الموريسكية أن نداءات الاستغاثة بدأت بمراسلات مسلمي غرناطة للسلطات العثمانية ومطالبة بيازيد الثاني التدخل لدى البابا بروما، ومطالبة الإسبان باحترام حرية الأديان بمثل ما يحظى به الرعايا المسيحيون في البلاد الإسلامية ومن جهة ثانية السماح لهم بالهجرة وهذا تحدده الأبيات التالية:
فسل بابهم أعني المقيم برومةٍ بماذا أجازوا الغدر بعد أمانة.
وما لهم مالوا علينا بغدرهم بغير أذى منّا وغير جريمة.
وقد بلغ المكتوب منكم إليهم فلم يعلموا منه جميعاً بكلمة
والذي شجع الموريسكيين على الهجرة صدور فتاوى من طرف فقهاء المغرب والتي أكدت على وجوب الهجرة "… أن الهجرة من أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة… ولا تسقط هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى الطاغية (الملك) لعنة الله على معاقلهم وبلادهم إلا قصور العجز بكل وجه، وحال الوطن والمال، فإن ذلك كله ملغى في نظر الشرع…"([32]). وتجدر الإشارة هنا إلى أن القصيدة تنصح وتحذر الأندلسيين وتشجعهم أيضاً على الهجرة، وكأنها تحضر الأجواء النفسية والمادية لاستقبال اللاجئين في الضفة الأخرى من العالم الإسلامي وهذا على الصعيدين: الشعبي والرسمي.
ومن شاء من البحر مؤمناً بما شاء من مال إلى أرض عدوة
والواقع أن إسبانيا قد استغلت رخاء الأندلس من خلال هجرة الموريسكيين في بداية منتصف القرن السادس عشر، وهذا بفضل مصادرة أملاكهم وإرهاقهم بالضرائب. والتتبع للأحداث التاريخية يلاحظ أن الأجواء والخلفيات التي حفت صدور الطرد، كانت نابعة من إرادة سياسة محضة. لكن القصيدة التي أوردها المقري في "أزهار الرياض" تعكس وجهة القرار الذي كانت أبعاده أعمق بكثير حيث تتجلى في البعدين البسيكولوجي والاقتصادي معاً. فعلى الصعيد البسيكولوجي، كان قرار الطرد يسبب الخوف والقلق المستمر من طرف الإسبان شعباً وحكومة الذين شاهدوا بأعينهم تصاعد الثورات والرفض المطلق الذي أبداه الموريسكيون ضد سياسة التنصير والإدماج. أما على الصعيد الاقتصادي فيتضح من خلال الحقد والانتقام النابع من نفسية المسيحي تجاه الموريسكي الذي عرف بنشاطه التجاري والحرفي المميز بالرخاء في إسبانيا المسيحية.
ثانياً: الهجرة الأندلسية الأخيرة:
وفيما يتعلق بالمرحلة الأخيرة من الهجرة الأندلسية (1609 ـ 1614م) والتي أعقبت قرار الطرد الجماعي للموريسكيين من إسبانيا في فترة حكم فيليب الثالث، فإن الجهات الساحلية للجزائر قد استقطبت أعداداً كبيرة من المهاجرين قسراً بواسطة السفن الإسبانية. فبعد صدور مرسوم نفي مسلمي بلنسية بتاريخ 28 سبتمبر 1609م تم ترحيل 28 ألف موريسكي إلى ميناء دانية و15 ألف أخرى إلى ميناء بلنسية وقد حملتهم السفن الإسبانية على نفقاتها الخاصة إلى مدينة وهران، بينما اعتمد المهاجرون الآخرون على أنفسهم في استئجار السفن والإبحار صوب السواحل الجزائرية. ولجأت إسبانيا إلى نقل الموريسكيين رأساً إلى السواحل الغربية من إيالة الجزائر، خاصة وهران والمرسى الكبير وأرزيو ومستغانم، بحيث استغلت السلطات الإسبانية فرصة تواجدها العسكري في كل من وهران والمرسى الكبير لترحيل الآلاف من الموريسكيين نحو هذه المناطق. وقد عرفت الجزائر خلال هذه المرحلة هجرة مكثفة من الموريسكيين الذي بلغ عددهم في مطلع القرن السابع عشر حوالي 25 ألف موريسكي.ونظراً لأهمية الهجرة الأندلسية في المرحلة الأخيرة، أدت إلى تعبير المقري في كتابه "نفح الطيب": "… فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس
وقد كان من نتائج التركيز المتواصل على وهران ومرسى الكبير في هذه ال
عملية أن ضاقت المدينة وما جاورها بالموريسكيين. وتشير تقارير ربان السفن الذين شاركوا في هذه العملية الكبرى والموجودة بالأرشيف الإسباني (Simancas)، حيث تعرض علينا قوائم ومعلومات هامة حول عدد الموريسكيين الذين تم نقلهم وجنسهم (رجال، نساء، أطفال) ومكان نزولهم بالسواحل الجزائرية. فبتاريخ 17 أكتوبر 1609م، قاد المركيز سانتاكروز (El marquis de santa cruz) 17 سفينة أبحرت من إسبانيامتجهة نحو وهران، وهي تحمل على متنها حوالي 3406 موريسكي
وبعد أن ضاقت المدينة وما جاورها بالموريسكيين، طلب حاكم وهران الكونت "دي أقيلا" (Le duc d’aiguillon) بتاريخ 07 أكتوبر 1609م من القبطان المركيز سانتاكروز، قيادة ستة سفن لتحمل 6000 موريسكي، والعمل على نقلهم رأساً إلى المرسى الكبير. وبتاريخ 22 أكتوبر 1609، طلب الكونت دي أقيلا من ربان السفن الإسبانية لويس فراخدو (Luis Fajardo) وخوان خيرونيمو (J.Jeronimo)، قيادة سبعة سفن لحمل 3000 موريسكي إلى ميناء أرزيو ومزغران. كما تفاوض المسؤولون الإسبان مع قبائل المنطقة قصد مساعدتهم من أجل تسهيل عملية نقل الموريسكيين نحو تلمسان ومستغانم، وكانت هذه القبائل العربية تشمل (أولاد موسى، وأولاد إبراهيم، وأولاد سيدي عبد الله، وبني عامر
وأثناء انتقال المهاجرين الأندلسيين من وهران إلى المناطق المجاورة تعرض لهم الأعراب في الطريق ونهبوا أموالهم، حيث تذكر بعض المصادر أن بعض القبائل الوهرانية، كانت تقوم بأعمال وحشية ضد المهاجرين، فتبقر البطون آملة أن تجد فيها المجوهرات وتعمل على تجريدهم من كل ما يملكون وسار على هذا النهج المؤرخ أبو راس الناصري في كتابه "عجائب الأسفار" في حديثه عن المهاجرين الأندلسيين عما ارتكبته قبيلة (هبرة) بميناء أرزيو من تعذيب وتقتيل حتى أن هبرة بطشت بالأندلس: "… يبقرون بطونهم لما يظنون من ابتلاع جواهر. مما دفع بالشيخ محمد أقدار التوجيي الذي استنهض الشيخ أحميدة العبد وحثه على أن يغزو بعشائر سويد على قبيلة هبرة (بين المحمدية وسيق)). هذه الرواية فيها نوع من التزييف للحقائق والإفراط في المبالغة، فسوء المعاملة يمكن تخيله (وحتى قبوله)، لكنه يستبعد العمل الشنيع السالف الذكر صدوره من قبائل متحضرة، وعلى علم بإخوان لهم في الدين، ونظراً لما كان يتمتع به الأندلسيون من رغد ورفاهية في العيش قبل مرحلة سقوط غرناطة.
إن بعض الرواة الغربيين والمغاربة مجمعون على أن بعض الموانئ والمدن بالمغرب العربي قد أساءت استقبال الموريسكيين، وخاصة في وهران وتلمسان حيث قام البدو بسلبهم وقتلهم. وقد كتب المؤرخ الإنجليزي شارل لي (Lea) حول هذا الموضوع: "لم يكن مسلمو تطوان متسامحين… وقد أضيفت إلى الموريسكيين مأساة جديدة وهذا إلى درجة أن لم يكونوا فرحين ليعلموا أن هناك موريسكيين مسيحيين ثابتين في دينهم وقد رجموا أو قتلوا، وهذا نتيجة رفضهم دخول المساجد، وفي البلاد المغاربية وكقاعدة عامة، كانت آلام المهاجرين شنيعة جداً. وعندما نزلوا بوهران سعوا لتبني خطة إنشاء دولة موريسكية… ولا شك أن الموريسكيين لم يكونوا يدركون الوضعية العامة، إلى أن عاينوا بأنفسهم كره العرب البدو لهم، وأنهم لا يرغبون الآن إلا في الرجوع إلى إسبانيا ليموتوا مسيحيين
ولعل الصورة تبدو أكثر وضوحاً إذا حاولنا رصد ما كتبه المقري في "نفح الطيب" حيث لم يشر إلى عملية بقر البطون والتقتيل، بل ذكر: "… فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من هذه المعرة ويفهم من سياق هذه الرواية أن الموريسكيين لاقوا على أيدي إخوانهم بمنطقة تلمسان وفاس سوء المعاملة والمعاناة لا غير.
ومهما يكن من انتقادات لهذه الروايات، فإن بعض الباحثين المعاصرين تبنوا مثل هذه المواقف بهذه الفترة الحرجة، محللين إياها بشكل غير متوازن، وهو الأمر الذي جعلهم يركزون على الطابع غير الإنساني والسلبي لمواقف بعض الطبقات الاجتماعية للأهالي هذه الوضعية الناجمة عن الفوضى الإدارية والسياسية للمغرب، كونها ظاهرة تاريخية قديمة، والمتمثلة في الصراع القلبي ونهب الأملاك لم يستطع النظام العسكري العثماني القضاء عليها، على أساس أن الجزائر كانت دار جهاد ومحور صراع دائم مع القوى المسيحية في المنطقة
وإذا كان بدو وهران وتلمسان قد نهبوا أو سرقوا أملاك وثروات الموريسكيين الذين حلوا بالساحل الغربي للجزائر، دون أن يقع القصاص عليهم، فهذا غير معقول لأن الأهالي لم يكونوا على علم بمأساة الموريسكيين السياسية والدينية، وعلى الخصوص حول نتائج طردهم من الأندلس، بل تم نهب هؤلاء الموريسكيين بسبب مظاهر الثراء البادية عليهم. ومن هذا المنطق تطرح التساؤلات التالية:
ـ هل كانت السلطات تعلم بما ارتكبه البدو في حق الموريسكيين؟
ـ وهل كان هؤلاء واعين بعملية النهب والسلب التي مارسوها تجاه هؤلاء الموريسكيين الذين التجأوا إلى الساحل المغاربي لالتماس الأمن والحماية؟
لكي نموقع هذين الحدثين الهامين في هذه الدراسة، فإن قصيدة الاستغاثة المدونة في أزهار الرياض جاءت لتخليد الموريسكيين في الشعر الأندلسي وهو في لحظات الاحتضار الأخيرة. فهذه الأبيات الشعرية تنم بالرغم من ركاكتها عن دقة مدهشة، في تتبع أعمال السياسية الإسبانية بمطاردة العرب المتنصّرين وفيها إجراءات القمع من لدن محاكم التفتيش وعقوباتها. والظاهر أن صاحب القصيدة كان من الكبراء المتضلعين بالشؤون العامة زمنئذ.
وعليه فإن المعطيات التي ذكرها المقري في نفح ا
طيب بخصوص الهجرة الأندلسية الأخيرة، لا تترجم في الواقع إلا على مظهر من تفاصيل سوء المعاملة التي تعرض لها المهاجرون. ولا شك أن المعلومات التي أوردها المقري من شأنها أنْ تساعدنا على فهم نفسية المهاجرين وموقف الأهالي والسلطات من عمليات السلب والنهب التي مورست في حق الموريسكيين

لوحة للملك فيليب الثالث الذي وقع قرار طرد الموريسكيين في 9 أبريل 1609
لوحة للرسام مانويل مورينو غونثالث تمثل طرد الموريسكيين من غرناطة

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: