Professeur docteur oussama chaalane

  الشام

 Dr Usama Fouad Shaalan MD- PhD MiniEncyclopedia الموسوعه المصغره للدكتور  أسامه فؤاد شعلان

كانت بلاد الشام تاريخيا كيانا جغرافيا وسياسيا واحدا، فالتقسيمات السياسية كانت دوما ترتكز على اعتبار هذه المنطقة كتلة واحدة لا يمكن الفصل بينها ، غير أن الاحتلال البريطاني- الفرنسي واتفاقية سايكس بيكو أدت إلى تقسيم بلاد الشام ( سوريا الكبرى ) إلى دول صغيرة فقسمت إلى ما هي عليه الآن من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين .

يطلق أيضا اسم سوريا الكبرى أو سوريا العظمى على بلاد الشام.وهذة تسمية غير دقيقة لان الشام كلها جزء من سورية الكبرى التي تعني أرض السريان وتضم الشام والعراق والاحواز والقرين أي الكويت حاليا بالإضافة لسيناء

الشام الان

بلاد الشام عام 800 قبل الميلاد

Picture

الممالك الاولى فة بلاد الشام

أهم مدن الشام

ترتيب المدن تنازليا حسب عدد السكان

كما تتخذ بعض كبريات المدن في المنطقة أهمية خاصة ، مثل طرطوس ، حمص ، الرقة ، دير الزور ، درعا ، ادلب ، السويداء في سوريا و اربد ، عجلون ، جرش ، السلط ، مادبا ، الكرك و العقبة في الأردن و حيفا ، عكا ، يافا ، نابلس ، بيت لحم ، الناصرة و الخليل في فلسطين و طرابلس ، صيدا ، زحلة ، البترون ، بعلبك و صور في لبنان . بالإضافة إلى مدن شامية توزعت في دول مجاورة مثل ماردين وديار بكر وعنتاب واضنه ومرسين وكلس ….

هناك عدة نظريات حول مصدر كلمة الشام وهي حسب التسلسل التاريخي للمصدر

  • إنها مشتقة من الشخصية التوراتية سام بن نوح أي أرض أبناء سام بن نوح والاسم يلفظ بالسريانية شام وقد أطلق اسم شام على مدينة دمشق أو ديماسكو نسبة إلى بانى المدينة ( سام ابن نوح) حسب الروايات التاريخية . < تاريخ مدينة دمشق > .
  • سبب التسمية يعود لهجرة بني كنعان إليها.
  • طبيعة أرض الـشام (لا يوجد مصادر تحدد التاريخ)
  • تعد دمشق (الشام) أقدم عاصمه ماهوله في التاريخ.
  • يوجد في دمشق العديد من الديانات ف بالإضافة إلى الإسلام يوجد المسيحيون واليهود وبعض الديانات الأخرى.
  • كانت مكة في منتصف طريق التجارة بين اليمن والشام وكانت لها أهمية كموقع تجاري، ومركز استراحة لقوافل التجار لوجود المسكن والمأكل والمشرب، وكان لها أهمية دينية لوجود الكعبة فيها ويقصدها الكثيرون من مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية . فأصبحت مركزا منذ أن حلت به قبيلة جرهم واحتضنت النبي إسماعيل وأمه هاجر. كما كان لأهل مكة رحلتان للتجارة واحدة في الصيف والأخرى في الشتاء، مرة إلى الشمال باتجاه الشام ومرة إلى الجنوب إلى يمين الكعبة وهو الاتجاه نحو اليمن. فالاتجاه شمالا إلي الشام أو بلادالشآم ( رحلة الرسول إلى دمشق ). وسمي ركن الكعبة في الجزء الشمالي منها بالركن الشامي وسمي الركن في يمين الكعبة باتجاه الجنوب بالركن اليماني فسميت البلاد في كلا الجهتين نسبة لموقعهما بالنسبة للكعبة.
    • في القاموس المحيط " ( الشَّأمُ ): بِلادّ عن مَشْأمَةِ القِبْلَةِ وسُمّيَتَ لذلك أو لأنَّ قَوماً من بني كَنْعانَ تَشاءَموا إليها أي تَياسَروا أو سُمِّيَ يِسامِ بنِ نُوحٍ فإِنَّه بالشينٍ بالسُّرْيانِيَّةِ أو لأنَّ أرْضها شاماتٌ بيضٌ وحُمْرٌ وسودٌ وعلى هذا لا تهْمَزُ وقد تُذَكَّرُ وهو (شامِيُّ وشآمِيُّ وشآم وأشْأَمَ) أتاها " موقع صخر المعاجم العربية القاموس المحيط.
    • في لسان العرب " الشأْم بلادٌ عن مشأَمة القبلة سُمِّيَت بهِ لذلك. أو لأن قومًا من بني كنعان تشاءَموا إليها أي تياسروا. أو سُمِّيَت بسام بن نوح فإنهُ بالشين بالسريانيَّة. أو لأن أرضها شاماتٌ بيض وحمر وسود. وعلى هذا لا تُهمَز وهي مؤَنَّثة وقد تُذكَّر " موقع صخر المعاجم العربية لسان العرب.
    • أيضا في موسوعة الإسلام "الشأْم بلادٌ عن مشأَمة القبلة سُمِّيَت بهِ لذلك".

    (1)

    كانت « بلاد الشام » على الدوام بالنسبة للعرب ـ قبل الإسلام وفي فجره ـ هي المنطقة الواقعة إلى الشمال من شبه الجزيرة العربية باستثناء الزاوية الشمالية التابعة « لأهل المصرَين: البصرة والكوفة ».

    التحديد الإداري
    « الشام » عند العرب يراد بها « سوريا » على العموم من دون تحديد تخومها بدقة، إلاّ أنها بعد الفتح الإسلامي لها بدأت هذه التسمية تأخذ عندهم أبعاداً جغرافية فعلية، فبات يُطلق هذا الاسم على المناطق التي تضمها « سبعة أجناد » تشكّل بمجموعها « بلاد الشام ». وهذه الأجناد هي: فلسطين والأُردنّ وحِمص ودمشق وقِنّسرين والعواصم والثغور.
    وفي العهد العثماني قبل عام 1839 ـ أي قبل « التنظيمات » ـ كانت بلاد الشام مقسّمة إدارياً على الوجه التالي:
    1 ـ ولاية سورية، ومركزها دمشق.
    2 ـ ولاية حلب، وكانت تشمل فوق حدودها الحاضرة أنطاكية وإسكندَرون وألوية عديدة في الشمال معظم سكانها من الترك والأرمن.
    3 ـ ولاية طرابلس.
    4 ـ ولاية صيدا، وكان ينتقل واليها عند إيجاب المصلحة إلى بيروت أو عكّا.
    5 ـ مُتصرّفيّة القدس: مركز إدارة فلسطين المرتبطة بالعاصمة أسوة بالولايات.
    6 ـ المقاطعات ذات الامتياز الإداري، وقد نالته بحكم الأمر الواقع منذ جاء سورية بعد الفتح الإسلامي أمراء عرب يمانيّون وقيسيّون وتَنوخيّون ومعَيّون وشهابيّون وإرسلانيّون وأيّوبيّون، بالإضافة إلى إقطاعيين ومشايخ محليين، فكان التنوخيون في اللاذقية، وبنو سيفا والأيوبيّون في شمال طرابلس، وآل حرفوش في بعلبكّ وجوارها، والشيخ ظاهر العمر في بلاد صَفَد وعكّا وبعض فلسطين، والأمراء المعنيون والشهابيون وغيرهم في لبنان، والوائليون في جبل عامل.
    وبعد مباشرة « التنظيمات »، أصاب بلادَ الشام حقبة من التغيير المتواصل للتقسيمات الإدارية التي يمكن القول بأنها استقرّت مع أواخر القرن التاسع عشر على الوجه التالي:
    ـ ولاية سورية، وتضمّ: لواء الشام، لواء حَماه، لواء حوران، لواء مَعّان.
    ـ ولاية بيروت، وتضم: لواء بيروت، لواء عكّا، لواء طرابلس الشام، لواء اللاذقية، لواء البلقاء.
    ـ ولاية حلب، وتضم: لواء حلب، لواء أُورفة، لواء مرعش.

    التحديد الجغرافي
    عرّف صاحب كتاب « خطط الشام » بلاد الشام تبعاً لتعريف الإدريسي الذي حدّد المنطقة جغرافياً على النحو التالي: تبدأ شمالاً عند السفوح الجنوبية لجبال طوروس بالامتداد إلى « ما وراء خليج الإسكندرونة لجهة أرض الروم (…) ومن السويدية إلى جبل رأس الخنزير عشرون ميلاً. وعلى هذا الجبل دير كبير، وهو أول بلاد الأرمن وآخر بلاد الشام. فما كان من جهة الشام على ضفة الفرات فهو شام، وما كان على الضفة الأخرى من الشرق فهو عراق؛ فصفّين مثلاً في الشام، وقلعة جعبر في الجزيرة الفراتية وبينهما مقدار فرسخ أو أقل. وتدخل بالس أو مسكنة الشام لأنها من غرب الفرات، وتدخل البيرة ( بيردحك ) في الجزيرة لأنها على الشق الآخر من الفرات. وما كان من دير الزور على الفرات إلى جهة الشام فهو من الشام، وما كان على الشاطئ الآخر إلى الشرق فهو من العراق، وكذلك يقال في الرقّة. وتدخل دُومَة الجَندَل المعروفة اليوم بالجوف في الجنوب في جملة هذا القطر، كما أن أيلة ( العَقَبة ) هي آخر الحجاز وأول الشام، فالعريش أو رفح أو الزعقة هي حد الشام الجنوبي الغربي ومعان نصفها للشام ونصفها للحجاز ».
    نلحظ من خلال قراءتنا لتعريفات بلاد الشام في مختلف المصادر أنّ الحدود الجغرافية لبلاد الشام أو لـ « سورية »، لم تكن مستقرة، وهي تختلف أحياناً اختلافاً جوهرياً عما هي عليه التقسيمات السياسية والإدارية الراهنة في المنطقة. إلاّ أننا نلتزم بما هي عليه حالياً هذه التقسيمات، ونعتبر أن « بلاد الشام » هي تلك المنطقة التي تضم حالياً الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية والمملكة الأردنية الهاشمية وفلسطين المحتلة. وهي المنطقة التي تنسجم حدودها لدرجة كبيرة مع ما اعتمده « المؤتمر السوري العام » في التقرير الذي رفعه إلى لجنة الاستفتاء الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى.

    (2)

    هي ما تُعرف اليوم بكلٍّ من سوريا ولبنان وفلسطين والأردنّ مضافاً إليها قسم من تركيا هو: عين تاب ومرعش وسيس وأضنه وإسكندرونة.
    تمتد بلاد الشام في العصور الوسطى، كما وصفها الجغرافيون العرب (1)، من الفرات إلى مصر، وظلت تعتبر كذلك حتّى نهاية العصر العثماني (2)، إذ تحدّها من الشرق البادية من أيلة (3) إلى الفرات ومن الغرب البحر المتوسط، أما غربها البرّي فيمتد من طرسوس غرب أذنه إلى رَفَح بين مصر والشام. ويحدّها شمالاً حدّ يمتد من بالس (4) مع الفرات إلى قلعة نجم ثم إلى البيرة إلى قلعة الروم إلى سمساط إلى حصن منصور إلى بهنس إلى مرعش إلى بلاد سيس إلى طرسوس. أما الحد الجنوبي فيمتد من رفح إلى تيه بني إسرائيل إلى ما بين الشوبك وأيلة إلى البلقاء (5).
    ولعل من أهم العوامل التي أثرت في تاريخ بلاد الشام، وضعها الجغرافي الذي يتكون من بيئات طبيعية متعددة متباينة تجمع بين المتناقضات جميعها؛ فهناك الجبل والسهل والصحاري والأراضي الزراعية. كما أن إقليم الشام يتميز بتنوع الأرض من ارتفاع وانخفاض يسيران في سَمْتٍ واحد آخذاً مساراً طولياً من الشمال إلى الجنوب. لذلك كان التقسيم الطولي هو أنسب التقاسيم لطبيعة بلاد الشام.

    التقسيم الطولي لبلاد الشام
    تنقسم بلاد الشام إلى خمسة أقسام طولية يحدّها من الشرق بادية الشام ومن الغرب البحر المتوسط.
    القسم الأول
    هو السهل الساحلي، وهو عبارة عن شريط يقع شرق البحر المتوسط وغرب الجبل، ويمتدّ من ساحل شبه جزيرة سيناء حتّى خليج الإسكندرونة، وهو متّسع في الشمال والجنوب فيبلغ اتساع السهل الساحلي عند عَسقَلان عشرين ميلاً وضيّق عند لبنان. وينقطع امتداد السهل الساحلي في نقطتين، الأولى إلى الجنوب من مصبّ نهر الكلب، فيصل الجبل إلى البحر. وقد أفاد السكان من هذه الميزة فائدة عظيمة، إذ أعطتهم موقعاً استراتيجياً هاماً، فقد شكّل ذلك مانعاً طبيعياً أمام القوات المعادية السالكة لهذا السهل. والنقطة الثانية عند جبل الكَرْمَل، حيث يتميز السهل بخصوبة أرضه وخاصة عند سهل صارونة وسهل فلسطين جنوباً ومنطقة الساحل عند لبنان شمالاً. وبرغم امتداد السهل لهذه المسافة الطويلة إلاّ أننا لا نجد خليجاً نهرياً عميقاً اللهمّ إلاّ خليج الإسكندرونة في الشمال. وقد ترتّب على ذلك عدم وجود موانئ هامة.
    القسم الثاني
    يقع إلى الشرق من السهل الساحلي الذي يمتدّ من جبل الأمانوس شمالاً حتّى جبل سيناء في الجنوب، مكوّناً سلسلة من المرتفعات التي تشكّل عائقاً أمام الاتصال بين البحر وداخل الشام، ويمكن عبور هذا العائق في عدة مواضع عن طريق الجسر السوري مع سهول ما بين النهرين، وعند تصدّع مَرْج ابن عامر شرقيّ عكّا وحيفا، وعن طريق وادي النهر الكبير وشماليّ طرابلس، ولذلك كان على الجيوش الصليبيّة المتّجهة إلى ظهير بلاد الشام أن تسلك أحد هذه الأبواب. على أن أهمّ جبال هذه السلسلة هو جبل الأمانوس الذي يفصل بين الشام وآسيا الصغرى، ويقطع هذا الجبل نهر العاصي في جزئه الجنوبي. ويُعرف هذا الجزء بجبل الأقرع، ويقطع طرقاً تمتد إلى أنطاكية وحلب مارّة بمضيق بيلان المعروف بأبواب سوريا ( Pyle syria ) (6). وتمر هذه الجبال باللاذقية إلى أن تصل إلى النهر الكبير الجنوبي (7).
    وتضمّ أودية عميقة وكثيرة، بعضها شديد الوعورة شديد الارتفاع وذات مَيل حادّ. وقد اتّخذ الصليبيون من هذه المواقع الحصينة مكاناً لبناء حصونهم وقلاعهم التي لا تزال خرائبها باقية حتّى اليوم، على أن أعلى قمم هذه السلسلة الجبلية: جبال لبنان.
    وتستمر هذه السلسلة في الاتجاه جنوباً في شكل مرتفعات وهضبات تسمّى الجليل الأعلى. وأقصى ارتفاع فيه عند جبل ( الجرمق ) شمال صفد، وهو أعلى قمّة في فلسطين، والجليل الأدنى وأعلى قمة فيه جبل طابور قرب الناصرة. وتنقطع هذه السلسلة عند مَرج ابن عامر.
    القسم الثالث
    يقع إلى الشرق من سلسلة الجبال الغربية، ويبدأ من الشمال بسهل العمق، فسهل البقاع، ويمتدّ في وادي الأُردنّ حتّى البحر الميت، ثم وادي عَرَبة حتّى خليج العَقَبة. على أن سهل البقاع يرتفع عند بعلبكّ حيث نقطة تقسيم، فيتجه نهر العاصي نحو الشمال، أمّا نهر اللَّيطاني فيتجه نحوالجنوب ـ وهما النهران الكبيرانِ الوحيدان في الشام ـ ثم يأخذ نهر الليطاني مسار نهر العاصي، فينعطف فجأة في مجراه الأسفل نحو الغرب عند سفح قلعة الشقيف ( التي كانت تُعرف بقلعة ( Belfort )، إلاّ أن مجرى هذا النهر منخفض مما يجعل الريّ متعذراً. وقد كان لهذين النهرين أكبر الأثر في خصوبة سهل البقاع؛ فإن أراضي هذا السهل من أجود أراضي الشام وأخصبها مرعىً.
    وتتميز هذه المنطقة بوجود الزلازل والبراكين فيها؛ فالهضبة الواقعة شرقيّ جبل حرمون وجنوبي دمشق تخترقها خطوط البراكين الخامدة. كذلك منطقة لبنان والوادي الكبير ووادي الأردنّ والبحر الميت تُعتبر منطقة الزلازل، فقد أصيبت أنطاكية خلال القرون الستة الأولى للميلاد بهزّات عنيفة (8) حوالي عشر مرات. كذلك تدل التصدّعات الموجودة في جدران معبد الشمس في بعلبكّ على تعرّضه لهزّات عنيفة نتيجة الزلزال. وكذا خراب سَدُوم وعَمُورة الشهير في الطرف الجنوبي الغربي للبحر الميّت، بالإضافة إلى النيران التي نجمت عن ترشيحات الزلازل من نفط وينابيع من الإسفلت، وغيرها من التصدعات التي حدثت للقلاع الصليبية التي ما تزال باقية.
    القسم الرابع
    يتكوّن من سلسلة الجبال الشرقية، وتبدأ من جنوبي حِمص، وتقابل جبل لبنان الغربي بجبل لبنان الشرقي ( سنير ) (9)، ثم تنحدر نحو هضبة حوران ومنها إلى هضبة الجولان في الغرب، ثم إلى شرقيّ الأردنّ حيث تِلال جلعاد وهضبة مُؤاب المرتفعة إلى جبل سعير جنوبيّ البحر الميت.
    والجدير بالذكر أن في هذا القسم نهر بَرَدى، يبدأ من مرتفعات وادي الزَّبَداني في جبال لبنان الشرقي ويتجه شرقاً ويسقي قسماً كبيراً من الأراضي، ويمر بمدينة دمشق ويروي بساتين دمشق المشهورة. ويتفرع هذا النهر إلى خمسة أفرُع تمرّ بدمشق. ويحدّ هضبة حوران من الشمال الشرقي منطقة اللَّجا المعروفة ( بالوعر ). ويُطلِق الجغرافيون العرب هذا الاسم على كل من منطقة اللجا ومنطقة الصفا (10). وقد اتّخذت القبائل المتمردة من منطقة اللجا ملجأ، ولعلّ هذا يفسّر اسم هذه المنطقة. وفي الجنوب الشرقي لهذه المنطقة يوجد جبل حوران أو جبل الدُّروز. وبرغم قلة مصادر المياه بهذه المنطقة إلا أنها تنتج القمح بكثرة كما تكثر بها المراعي الجيدة. ومن القمم البارزة في هضبة حوران: جبل عجلون، وجبل جلعاد الذي عرف عند الصليبيين باسم ( La Coac ).
    القسم الخامس
    إلى الشرق من سلسلة الجبال الشرقية سالفة الذكر نجد بادية الشام، وهي تكوّن مثلّثاً رأسُه عند حلب شمالاً وقاعدته عند خليج الكويت في الشرق وخليج العقبة في الغرب.
    أرض بادية الشام قاحلة، وهي امتداد لصحراء العرب وهي التي تفصل الشام عن العراق. وقد سُمّي الجزء الشرقي من البادية ببادية ما بين النهرين، أما الجزء الجنوبي فيعرف ببادية العراق أو السَّماوة. وكان سكان البادية منذ عهد قديم يقومون بالتجارة وأعمال الوساطة التجارية أو كأدلاّء للقوافل.

    أرض الشام وأرض جزيرة العرب
    بالنظرة العامة لطبيعة بلاد الشام وعلاقتها بشبه جزيرة العرب نجدهما تتفقان في مَيلَيهما العام من الغرب إلى الشرق، ومن الجنوب إلى الشمال، اللهمّ إلاّ تلك الهضبات الانكسارية التي تُشرف على الساحل من الشمال إلى الجنوب، إلاّ أننا نجد أن اتجاه الظهير السوري من الغرب نحو العراق في اتجاه من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي (11).

    المناخ
    أمّا عن مناخ بلاد الشام فهو معتدل، إذ يقع بين منطقة الرياح التجارية الجافة التي تهبّ على الجزء الجنوبي من الشام، ومنطقة الرياح الغربية المحمّلة بالرطوبة التي تهبّ على الجزء الشمالي من الشمال مسبّبة الأمطار. أمّا في فصل الصيف فتسود الرياح التجارية الجافة التي تجعل هواء الشام حاراً بعض الشيء. فالرياح الغربية التي تمر بالبحر المتوسط تكون محمّلة بالرطوبة، وتقابل جبال لبنان ومنطقة التلال الوسطى فترتفع، وبارتفاع الهواء يتمدد مما يتسبب في سقوط الأمطار، وهذا هو تعليل كثرة الأمطار التي تسقط على غرب جبال سوريا. على أن كمية المطر تتناقص كلما اتجهنا شرقاً، فدمشق مثلاً الواقعة خلف الحاجز المزدوج لجبال لبنان لا يصيبها إلاّ القليل من المطر، كذلك الحال كلّما اتجهنا جنوباً فتقلّ الأمطار بعد مرتفعات فلسطين الوسطى وتلال شرق الأردنّ. أما القسم الشرقي من شرقيّ الأردنّ فلا يصيبه إلاّ النزر القليل من المطر.
    وفي الشتاء تأتي البرودة الجافة الآتية من آسيا الوسطى فوق منطقة الهضاب الشرقية في سوريا، وتكوّن الصقيع والثلوج. ويقع تأثير البرودة كلّما اتجهنا صوب الساحل. وتعمل سلسلة الجبال على منع تسرب الرياح البحرية الباردة من الوصول إلى داخل بلاد الشام. وفي الصيف تأتي الرياح الحارة الآتية من الشرق والجنوب الشرقي، وتسبب ارتفاع درجة الحرارة. أمّا رياح السَّموم أو الشرقية فتهبّ في فصلَي الربيع والخريف.

    المياه
    نشير إلى أنّ مياه الأمطار تتسرّب في الصخور الكِلسيّة، فيتجمع بعضها تحت الأرض ويخرج على شكل ينابيع؛ ففي الجديدة على مقربة من بحيرة الحُولة عشرات من العيون حيث ( مَرْج العُيون )، وفي ريحا بجانب حلب. أمّا المياه التي لا تتسرّب في الطبقات الكِلسية فتكون جداول وأنهاراً تتحول إلى سيول بعد هطول الأمطار بغزارة. أما في فصل الصيف حيث الجفاف فإنها تقلّ إن لم تجفّ تماماً. ولا شك أن السيول التي كانت تتدفق من المرتفعات العالية قد ساعدت على عامل التعرية والتآكل في بعض الأراضي التي كانت خصبة فأمست قاحلة اليوم، الأمر الذي حدا ببعض العلماء إلى الاعتقاد بحدوث تغيّرات طبيعية تتّجه بالمنطقة نحو الجفاف عبر العصور التاريخية. على أن انخفاض قدرة الأرض على الإنتاج نتيجة تعرية سفوح المرتفعات، بفعل مياه الأمطار والرياح، وتضاؤل بعض الينابيع والرعي، وزوال الغابات التي كانت جذورها تساعد على تماسك التربة الرخوة، وإهمال وتخريب أعمال الريّ نتيجة لهجمات البدو والغزوات، وإنهاك التربة، لم يكن هو العامل الوحيد في فقر المنطقة بل زاد الطين بلّة.
    أمّا في الجنوب فقد كان يغطي جبالَ لبنان أشجار الأرْز وغابات السَّنديان الفضية والصَّنوبر، وقد أتت عليها يد الاستغلال والنهب والتخريب في عصور التاريخ المتعاقبة فلم يَبقَ منها إلا مساحات ضئيلة من الأرْز. ولم يَنمُ محلَّ الغابات المزالة غيرُها، بل حلّ محلها الماكي، وهي شجيرات قصيرة كثيفة ينتجعها رعاة الماعز والفحامون. وقد ساهموا في تخريب تلك الشجيرات، وعرّضوا بذلك التربة للتعرية وحيوان الماعز؛ فالماعز خفيف الحركة يتسلّق الصخور والجروف، ويصعد إلى القمم العالية فيقرض الأخشاب وفروع الأشجار والشجيرات.

    في تاريخ الحضارة
    لقد كانت لطبيعة وجغرافية بلاد الشام بالإضافة إلى موقعها المتوسط بين دول الشرق الأوسط أثر كبير على تاريخها؛ فقد كانت منذ زمنٍ بعيد تقوم بدَور الوسيط بين الحضارات النهرية الكبرى: حضارة الرافدين وحضارة وادي النيل، وبين الحضارات البحرية التي كانت تتخذ البحر المتوسط طريقاً لها، كالحضارة اليونانية. ولم يكن هذا الموقع الجغرافي مسؤولاً عن دور الوسيط الذي لعبته فحسب، بل كان مسؤولاً عن مزاجها الحضاري، فقد كانت في موقع وسط بين العالم السامي من ناحية، وبين العالم الإيجي من ناحية أخرى، كما أنها كانت متأثرة بآسيا الصغرى وحضاراتها المختلفة. وكان لموقع بلاد الشام أكبر الأثر في عبور كثير من الهجرات خلال فترات التاريخ المختلفة؛ فقد عبرته كل الطرق البرية بين البحر المتوسط والخليج الفارسي عن طريق ممرات طبيعية خاصة هيأتها الطبيعة حيث عُرِفت سورية باسم المعبر السوري.

    طريق التجارة
    كانت تسلك هذا المعبر قوافل التجّار وجحافل الجيوش، فقد كانت القوافل لا تجرؤ أن تسلك بادية الشام المجدبة، بل كانت تتخذ طريقها عبر نطاق الحشائش شمالاً ثم تتّجه جنوبا بشرق. وقد نجم عن هذا نشوء عدّة مُدن على حافة الصحراء توازي الساحل من الشمال إلى الجنوب، وهي مدن حلب وحِمص ودمشق وعَمّان. كما قامت كلٌّ من تَدمُر وسَلْع ( البتراء ). في ذات الوقت كانت هذه المدن محطات ونهايات القوافل البرية متصلة باستمرار بالموانئ الساحلية.
    وقد ساعدت طبيعة بلاد الشام لكي تكون حلقة وصل بين قارات العالم القديم حيث تكاد تلتقي أذرُع المياه الداخلية بالبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج، مما جعل من الساحل الشرقي للبحر المتوسط أهميَ أهميّة طريقٍ يصل بين الخليج والبحر لأي دولة قامت في العالم القديم.

    وفود البدو
    وقد أتى البدو إلى بلاد الشام عن طريق ممرّات: هي حلب ـ الإسكندرونة في الشمال، واليرموك ومرج ابن عامر في الوسط، ثم النقب. فمن الممرّ الأول اتصل البدو بغيره من الشعوب التي تسكن هضبات آسيا الصغرى، لذلك أمسى إقليم حلب مستودعاً للعديد من الثقافات. أما الفتحة الجنوبية فكانت أسهل الممرات إلى بلاد الشام، وعن طريقها تم استعراب جنوب فلسطين قبل غيره من أقاليم بلاد الشام.

    القوميات والأديان القديمة
    والتقسيم الطبيعي لبلاد الشام بخطوط مستقيمة تأتي من الشمال إلى الجنوب وخطوط انكسارية أخرى تسير عمودية عليها من الشرق إلى الغرب، كان سبباً في وجود قوميات مختلفة بين سكان بلاد الشام، فلقد كان سكان بلاد الشام في العصور الوسطى معظمهم من بقايا الأراميين الأصليين، وهم السريان في الشمال والشرق، والسامريون في الجنوب، وبقايا الأنباط في الغرب، يليهم العرب الغساسنة والمناذرة، ثم قبائل إياد وربيعة. ويتخلّل هذه الجموعَ شَتاتٌ من أمم أخرى وأخلاط من مولد اليونان والرومان على الشواطئ ومولّدي الفرس والأكراد في الشمال. وكانت جامعة الدين قد غلبت على جامعة النسب أو الجنس أو اللغة، فأصبحت الطوائف تنتسب إلى مذاهبها الدينية كالنصارى واليهود والسامريين. وينقسم النصارى إلى ملكيين ويَعاقبة ونَساطِرة ومَوارنة.

    العوامل المؤثرة في المجتمع الشامي
    على أنّه من المفيد هنا أن نُجمل أهم العوامل التي تركت أثراً عظيماً في المجتمع الإسلامي ببلاد الشام في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، ولعل من أهم هذه العوامل: وضع البلاد الجغرافي، فهي تتكون من بيئات طبيعية متعددة متباينة تجمع بين المتناقضات جميعها، فهناك الجبل والسهل والصحاري والأراضي الزراعية والأنهار والبحار. وقد سكن هذه المناطق المتباينة خليط من السكان والجماعات المتباينة الأجناس والحضارات واللغات والديانات وكذا المذاهب.
    أما العامل الثاني الذي أثر في تاريخ الشام وفي مجتمعه فهو: موقعه كحلقة اتصال بين القارّات الثلاث، ومن ثَمّ كان طريقاً للهجرات التي ارتحلت من قارة إلى أخرى، كما أنه كان عُرضة للحروب والغزوات التي وفدت على الشرق الأوسط، كما أن حدوده الطبيعيّة جعلته في مهبّ الأطماع.
    أما العامل الثالث فلعله أكثر العوامل تأثيراً في المجتمع الإسلامي في بلاد الشام، ونعني به: الطرق التجارية الكبرى التي تتصل به، منها الطريق الكبير أو كما يسميه بعضهم الطريق الدولي العظيم الذي يبدأ من دلتا النيل ماراً بسيناء حيث يتفرّع منه فرع يذهب إلى مناجم النحاس والفيروز، والفرع الثاني يذهب إلى أراضي البخور وجنوبي الجزيرة العربية ومن سيناء يتحول الطريق شمالاً نحو ساحل فلسطين حتّى الكرمل على مسافة من البحر، ومن هناك يتفرع الطريق مرة أخرى إلى فرعين، أحدهما يتجه إلى الساحل فيصل صور وصيدا وجبيل وسائر الموانئ الشامية. ويسير الفرع الآخر إلى الداخل، فيجتاز سهل مجدو ويعبر الأردنّ في واديه الشمالي، ثم يتجه رأساً إلى دمشق في الشمال الشرقي. وفي مدينة دمشق يتفرع الطريق الكبير إلى ثلاث شُعب، أحدها يعبر بادية الشام ماراً بتدمر حتّى يصل إلى بلاد الرافدين، والثاني يتجه نحوالغرب فيعبر لبنان إلى البحر المتوسط، والثالث يصعد شمالاً عبر سوريا متّبعاً نهر العاصي إلى شمال سورية.
    كان هذا الطريق تُحمَل منه مباشرة أحمال العاج والذهب من إفريقية، والمرّ والبَخور والتوابل من الهند وجنوبي بلاد العرب، والكهرمان والحرير من آسيا الوسطى والصين، والقمح والأخشاب من سهول سوريا وجبالها. وأنه كان ينقل بطريقٍ غير مباشر الحضاراتِ والثقافاتِ المختلفة التي أثرت دون شك في الحضارة السورية.
    ويكاد يكون العامل الرابع من العوامل التي انفردت بها الشام، هو: الصراع المتواصل بين البدو والحضر المستقرّين وخاصة في أطراف الشام الشرقية والجنوبيّة. فقد كانت هناك غزوات متكررة يقوم بها البدو والطامعون في حياة الرخاء التي يتمتع بها سكان الحضر في الأراضي المجاورة. والمتصفح لتاريخ سوريا يجد أنه قصة متصلة الحلقات للموجات المتتالية التي كان يقوم بها سكان البادية، محاولين تارة بالطريق السِّلمي وأخرى بالعنف والقوة احتلالَ الأراضي الزراعية، وذلك أن الأقوام الرحَّل الذين ينتقلون من مكان إلى آخر سعياً وراء الكلأ والمراعي، كانوا أسرع حركة وأشد احتمالاً مِن أهل الحضر المستقرين

    العروبه الشاميه

    إن بلاد الشام، كوادي النيل والعراق، من مهاجر الجنس العربي الطبيعية، وأوطانه الثانية، لأنها الجناح الغربي للهلال الخصيب الذي كان يجذب هذا الجنس من جزيرة العرب بصورة مستمرة، وهي متصلة بالجزيرة من جنوبها اتصالاً مباشراً.

    وإذا كان الباحثون لا يستطيعون أن يجزموا في أمر هوية سكان هذه البلاد في العصور الحجرية والظرانية السابقة للتاريخ، أو إذا كان منهم من يذهب إلى أن هؤلاء السكان مزيج من عناصر آرية أو أرمنوية، كما يسميها فيليب حتي، تسربت من الشمال، وعناصر حامية تسربت من الجنوب، فليس هناك من يماري في طروء جماعات أو موجات متلاحقة عديدة عليها، منذ أقدم الأزمنة التاريخية المعروفة، ممن سموا "ساميين"، وسميناهم الجنس العربي، وغلبة طابعهم على هذه البلاد، وعلى من كان فيها قبل طروئهم المعروف، أو جاء إليها بعد أن أخذوا يطرأون عليها، وعدّوها بذلك من مهاجر هذا الجنس، وأوطانه الثانية.

    وإذا كان هناك من لا يقول بمجيء تلك الجماعات أو الموجات التي سميت بالساميين من جزيرة العرب، فإن جمهرة الباحثين يقررون العكس، ويقولون أنه مهما اختُلِف في أصل مهد الساميين الأول، فإن مهدهم الثاني كان جزيرة العرب، وإن الموجات والجماعات التي طرأت على بلاد الشام من ناحية باديتها، أو من طريق العراق، إنما جاءت في الأصل من الجزيرة العربية، حيث نزح بعضها من جنوبها إلى شواطئها الشرقية على بحر الهند فالخليج العربي فالعراق فبلاد الشام أو إلى بلاد الشام مباشرة عن طريق البادية.

    وهذا ما تؤيده الشواهد والوقائع، حيث كان التشارك في اللغة والخصائص والتقاليد قوياً بين هذه الموجات، وبين سكان جزيرة العرب قبل تطورهم من العروبة غير الصريحة وبعده، وحيث عُرِف يقيناً في دور العروبة الصريحة قبل الإسلام الذي بدأ في الألف الثاني قبل المسيح، انسياح الموجات من جزيرة العرب إلى بلاد الشام، وإقامتها الدول العديدة من عريبية وقيدارية ورهاوية وايطورية ونبطية وتدمرية وتنوخية وضجعمية وغسانية… الخ، فضلاً عن الموجات التي تلاحق ورودها من جزيرة العرب، من طريقي العراق والبادية إلى هذه البلاد، تحت راية الإسلام، والتي لم يكد تلاحقها ينقطع في دور من أدوار الحقبة الطويلة الممتدة إلى اليوم، والتي انطبعت بلاد الشام بها بطابع العروبة الخالد المقدس، مما هو متسق مع طبيعة جزيرة العرب منذ أقدم الأزمنة، ومما يصح أن يعد دليلاً حياً لا يمكن دحضه، مهما بلغت المكابرة والتزمت في بعض الباحثين من مبلغ.

    وقد تكون دماء الموجات العربية التي طرأت على بلاد الشام قبل دور العروبة الصريحة، اختلطت بدماء من كان قبلها فيها، أو من جاء إليها بعد أن أخذت تطرأ عليها من غير جنسها، كما كان شأن أمثالها في العراق ووادي النيل، وقد تكون اكتسبت شخصية خاصة نوعاً ما في الأرض الجديدة التي حلت فيها. غير أن هذا لا يغير من الأمر شيئاً كبيراً، ما دامت هذه الموجات قد جاءت من جزيرة العرب، وظل طابعها العربي هو الغالب على بلاد الشام، ومن فيها من غير جنسها، وظلت تحتفظ بكثير من خصائص جنسها ولغته وتقاليده.

    لقد لبثت بلاد الشام تحت حكم اليونان والرومان نحو ألف عام (من 331 ق.م إلى 640 ب. م)، وجاء إليها منهم الألوف المؤلفة، واستقروا فيها، ونشروا لغتهم وثقافتهم… وقد جمع بينهم وبين أهل البلاد دين واحد هو النصرانية منذ القرن الرابع الميلادي، وترجمت إلى اليونانية الكتب المقدسة، وصارت من اللغات التي تؤدى بها طقوس العبادة، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يطبعوا البلاد وأهلها بطابعهم، بل وكانت جمهرة الشاميين منقبضين عنهم، متحاشين الامتزاج بهم، في حين أن الموجات العربية الصريحة التي جاءت إلى بلاد الشام قبل الإسلام، أخذت تطبع البلاد وأهلها بالطابع العربي الصريح بسهولة ويسر، واشتد هذا الطابع في عمله حينما جاءت موجة الفتح الكبرى تحت راية الإسلام، فلم يمض بضعة أجيال حتى تم له السيادة الخالدة المقدسة. وليس من تفسير لهذه الظاهرة، إلا صدق نظرية وحدة الدم والأرومة والمنبت والروح التي كانت تجمع بين سكان هذه البلاد وجزيرة العرب والجنس العربي كما هو المتبادر.

    ولقد كان من تلاحق الموجات المعروفة يقيناً إلى بلاد الشام، في دور العروبة الصريحة قبل الإسلام وبعده، وما قام وظل يقوم من صلات وثيقة بين هذه البلاد وجزيرة العرب، وما كان من استمرار التشارك في اللغة والخصائص والتقاليد والعقلية بين هذه الموجات الصريحة العروبة، وبين الموجات التي قبلها، ما أكد ذلك الطابع وقواه وخلده، وجعل دعوى انتماء تلك الموجات إلى العروبة وجزيرة العرب محكمة حاسمة.

    فهذه قائمة احتوت مئات من أسماء القرى والقصبات والمدن في مختلف أنحاء بلاد الشام الساحلية والداخلية والجنوبية والشمالية، بما فيها فلسطين، منقولة عن معجم البلدان لياقوت الحموي، المتوفى في القرن الهجري السابع، مما يحمل اللمحة العربية القديمة من اللهجات أو اللغات الكنعانية الفينيقية والعمورية والآرامية السريانية والعبرانية:

    [هنا يضع دروزة أسماء مئات الأماكن في بلاد الشام نقلاً عن ياقوت الحموي حسب الترتيب الأبجدي، من آبل وابتر إلى يحمون ويرموك – إ. ع].

    واللمحة العربية المتقدمة على دور العروبة الصريحة الفصحى بادية على هذه الأسماء، كما هو ظاهر. وقد تركنا ما غلبت عليه اللمحة الأعجمية، أو ما جاء بالعربية الفصحى، وهو مع ذلك قليل. ومن المحتمل أن تكون الأسماء الجديدة المطلقة مؤخراً على أعيان قديمة، وننبه على أن ياقوت لم يذكر جميع الأسماء، بدليل وجود أعيان كثيرة قائمة اليوم، لم يرد ذكرها فيه.

    وعلى كل حال، فإن كون جل ما أورده مما يحمل لمحة العروبة القديمة، يدل على أن الموجات القديمة الطارئة على بلاد الشام فروع جنس واحد، هو الجنس العربي، تمت في أصلها إلى موطن واحد هو جزيرة العرب، وأنها طبعت بلاد الشام، كما قلنا، بطابعها الذي ظل غالباً إلى زمنه.

    ولقد ظلت هذه الأسماء، مع كثير غيرها يفوق ما أورده ياقوت بأضعاف، مستعملةً إلى اليوم، تقوم كدليل حي على ما كان للموجات العربية القديمة في بلاد الشام، أي سورية ولبنان وشرق الأردن وفلسطين، حسب التقسيم الجغرافي السياسي الحاضر، من أثر وطابعٍ خالدين.

    وهذه قائمة مقتبسة من نشرة وزارة الاقتصاد الوطني في الحكومة السورية، صدرت سنة 1952 باسم التقسيمات الإدارية في الجمهورية السورية. ولقد احتوت هذه النشرة (5476) اسماً للمدن والقصبات والقرى السورية عدا (4707) اسماً للمزارع الصغيرة. وثلث هذه الأسماء تقريباً يحمل اللمحة العربية القديمة الآرامية-السريانية، وثلثها يحمل أسماء عربية فصحى، ربما أطلق كثيرٌ منها على أعيان آرامية-سريانية قديمة. ومنها ما ورد في معجم ياقوت، ومعظمها لم يرد فيه. ونقلها جميعاً تطويل لا ضرورة له، ولهذا سنكتفي بإيراد جملة ما يحمل اللمحة العربية القديمة الآرامية السريانية منسوبةً إلى القسم الإداري الرئيسي الذي يسمى "المحافظة" والذي هي فيه:

    [هنا يورد دروزة نقلاً عن نشرة وزارة الاقتصاد الوطني في سوريا أسماء عشرات الأماكن لكل من المحافظات التالية: دمشق، حوران، السويداء، حمص، حماة، اللاذقية، حلب، الفرات، والجزيرة – إ. ع].

    ففي هذه الأسماء ومثيلاتها التي تزيد عنها أضعافاً كثيرة، والمذكورة في نشرة الحكومة السورية، توكيد لما قلناه من أن الموجات العربية القديمة قد طبعت بلاد الدولة السورية من بلاد الشام بطابعها الغالب، بل الشامل الذي ظلت شواهده مستمرة إلى الآن.

    وهذه قائمة مقتبسة من كتاب "لبنان" الذي ألفه نخبة من الأدباء بأمر متصرف لبنان سنة 1914، ولقد احتوى هذا الكتاب قوائم بأسماء نحو ألف قرية وقصبة ومدينة من قرى وقصبات ومدن جبل لبنان، ومعظمها يحمل اللمحة العربية القديمة الآرامية-السريانية والكنعانية الفينيقية، ومنها ما ورد في معجم ياقوت، ومعظمها لم يرد فيه، ونقلها جميعها تطويل لا ضرورة له أيضاً، ولهذا سنكتفي بإيراد جملة من كل حرف:

    [هنا يورد دروزة نقلاً عن كتاب "لبنان" أسماء عشرات الأماكن في لبنان، حسب الترتيب الأبجدي، من اجبع وادما إلى يا ريتا ويحشوش – إ. ع].

    وفي هذه الأسماء ومثيلاتها التي تزيد عنها أضعافاً، والمذكورة في كتاب لبنان توكيد كذلك لما قلناه من أن الموجات العربية القديمة الآرامية-السريانية والكنعانية-الفينيقية قد طبعت جبل لبنان من بلاد الشام بطابعها الغالب الذي ظل مستمراً إلى الآن أيضاً.

    وهذه قائمة احتوت أسماء عشرات القرى في أقضية صيدا وصور ومرجعيون والشقيف في جبل عامل الذي لم يكن داخلاً في حدود إدارة لبنان حينما كتب مؤلفو كتاب لبنان كتابهم. وهي تحمل كسابقاتها اللمحة العربية القديمة الآرامية والكنعانية، منها ما ورد في معجم ياقوت ومنها ما لم يرد. ولم نذكر الأسماء الفصحى، والأسماء التي تلوح عليها لمحة الأعجمية، مع أن هناك احتمالاً أن تكون قد أطلقت على أعيان قديمة:

    1 – قرى قضاء صور [حسب الترتيب الأبجدي، من أرزون إلى يارون ويانوح ].

    2 – قرى قضاء مرجعيون [حسب الترتيب الأبجدي، من بلاط وبويضه وبنت جبيل إلى مركبا وميس وهونين].

    3 – قرى قضاء صيدا [ حسب الترتيب الأبجدي، من أزريه وبراك التل إلى مجدليون ومجدله].

    4 – قرى قضاء الشقيف [ حسب الترتيب الأبجدي من أرنون إلى يحمر – إ. ع ].

    وهذه قائمة مقتبسة من كتاب جغرافية فلسطين لحبيب خوري وحسين روحي فيها أسماء مئات القرى والقصبات الفلسطينية المستعملة اليوم والتي تحمل اللمحة العربية القديمة الآرامية والكنعانية والعمورية والعبرانية منها ما ورد في معجم ياقوت ومعظمها لم يرد. ولم ننقل الأسماء العربية الفصحى ولا الأسماء التي تلوح عليها لمحة الأعجمية وهي كثيرة مع احتمال أن تكون هذه الأسماء قد أطلقت على أعيان قديمة. وقد رتبنا الأسماء حسب الأقضية التابعة لها:

    [هنا يضع دروزة قائمة ببعض القرى الملحقة بكل من الأقضية التالية: غزة، المجدل، الخليل، القدس، بيت لحم، رام الله، أريحا، يافا، الرملة، نابلس وجماعين، طولكرم، جنين، بيسان، حيفا، عكا، الناصرة، طبريا، وصفد – إ. ع ].

    وهذه قائمة بأسماء كثير من مدن وقصبات وقرى شرق الأردن المستعملة اليوم والتي تحمل اللمحة العربية القديمة الآرامية والعمورية والكنعانية والعبرانية منها ما ورد في معجم ياقوت ومعظمها لم يرد مع التنبيه على أن هذه الأسماء ليست كل الأسماء التي تحمل تلك اللمحة لأنها كثيرة هي الأخرى.

    [هنا يسرد دروزة أسماء الأماكن المحيطة بالأقضية التالية: جرش، عمان، الكورة، الطفيلة، معان، الكرك، مادبا، عجلون، السلط، إربد. على سبيل المثال، أماكن وأعلام إربد دونها دروزة كما يلي: أيدون، صريح، حوارة، بشرى، سال، البارحة، إربد، كفريوبا، جمحة، زحر، كفرعان، كفررضا، دوفرة، سوم، بجين، فم، قميم، خراج، قصفا، عرزيت، أسعرا، حيدور، ثقيلة، سما، فوعرة، حور، ابدر، رفيد، بارشنا، كفرسوم، عقربا، حرنا بلا، حريما، خرجا، مرو، حكما، علعال، عمراوة، ملكا، كتم، شطنا، ناطغة، بنية، حبكة، صمد باقورة، دير السعنة، مخربا، مندح، صما، سحم، مخيبة، سمر طرة، رمثا، حوشة، صرة، فاع، بريفة].

    والتماثل شديد عجيب بين اللغات الكنعانية الفينيقية والآرامية السريانية والعبرانية التي كان يتكلم بها الموجات العربية التي استقرت في مختلف بلاد الشام وبين اللغة العربية مما فيه الدليل القوي على أصالة عروبة هذه الموجات، وعلى أن هذه اللغات إنما كانت لهجات للغة أم واحدة.

    وهذه قائمة بمفردات كنعانية مأخوذة من الأمير موريس شهاب مدير عام الآثار اللبنانية:

    أب، أخ، أحد، أكل، أم، آمة، أنس، أنت، أرض، بيت، بن، بنى، برا، برح، برك (بارك)، جلى، جمل، دلل (دليل)، دم، عم، دقق (دقيق)، هو، هيكل، هم، ذبح، ذكر، ذرع، خدر، حدث، حي، حلب، حلل، حلة، خلص، خمسى، حية، ختم، طبخ، طبع، يد، يوم، يم، يتم (يتيم)، كاهن، كلب، كنى، كف، كرسي، كتب، كتن (كتان)، لسن (لسان)، مئة، موت، ملح، ملاح، ملك، منحة، ندر، نحس (نحاس)، نفس، نصب، عيد، عبر، عين، علا، عامود، عضم، عقب، مغارة، عشر، فلح، فعل، فتح، صدق، قبر، قول، قرن، راس، رب، أربع، رصب، رعن، سبع، ثلاث، ثمان، ثاني، شرش، تحت، تين، تمر، وتسع.

    وهي تكاد تكون عربية فصحى كما هو ظاهر…

    [وليلاحظ القارئ الكريم أنه لو نسخ ولصق هذه القائمة الصغيرة من الكلمات الكنعانية في مستند في الحاسوب، فإن كل ما لا يظهر تحته خط أحمر مكسر هو كلمة عربية فصيحة، وأن ما يظهر تحته خط أحمر مكسر هو عادة لفظ شائع في كلامنا العامي، مثل عضم بدلاً من عظم، وراس بدلاً من رأس، وشرش بدلاً عِرق، الخ… وكذلك الأمر في بقية الوطن العربي، والعبرة أن معظم العامية، ما عدا اللحن الداخل حديثاً من لغات أخرى، عبارة عن قواعد ومفردات لغات عربية قديمة كانت سائدة يوماً ما في العراق وبلاد الشام ووادي النيل والمغرب العربي. إ. ع].

    وهذه قائمة مفردات آرامية وعبرانية مع ما يقابلها من العربية القديمة في جنوب الجزيرة العربية والعربية الفصحى:

    [هنا يضع دروزة جدولاً طويلاً بمفردات عربية فصحى، حسب الترتيب الأبجدي، مع ما يقابلها من مفردات عربية جنوبية قديمة ومفردات آرامية وعبرانية – بعضها سبق أن رأيناه في الجدول السابق في القسم المتعلق بالعراق – للدلالة على مدى التقارب فيما بينها، مع الإشارة أن إفراد قسم خاص للمفردات العبرانية لا مبرر له لأن العبرانية القديمة ليست سوى لهجة آرامية خسيسة، لكن المستشرقين الذين درسوا اللغات السامية القديمة تعاملوا مع العبرانية كلغة منفصلة بسبب تحيزهم المسبق… ومنهم إسرائيل ولنغستون مؤلف كتاب تاريخ اللغات السامية الذي يقتطف منه دروزة بعد الجدول فقرات من نصوص كنعانية-فينيقية وآرامية نقشت على أحجار في مختلف أنحاء بلاد الشام تعود لفترات مختلفة قبل الميلاد – إ. ع].

    خلاصة عامة: وإذا نحن اهتممنا، للتدليل على الوحدة الجنسية التي تربط بين موجات جزيرة العرب الطارئة على بلاد الشام ببعضها من جهة، وبغيرها من الطارئين على البلاد الأخرى من جهة، وبالذين بقوا في جزيرة العرب من جهة، ثم على الطابع العربي الذي طَبَعَت به هذه الموجات بلاد الشام بالمظهر اللغوي الذي يتمثل بالمفردات اللغوية، وأسماء الأعلام الكثيرة التي أثبتنا قوائمها آنفاً، فليس معنى هذا أن التشارك اللغوي هو وحده الجامع، وإنما لأن جمهرة من الباحثين اعتبروا هذا التشارك من أبرز مظاهر الوحدة الجنسية، على ما ذكرناه في المقدمة، وهو حق ما دام قائماً بين جميع الموجات التي خرجت من الجزيرة، وبين الذين بقوا فيها. ولقد قرر جمهرة من الباحثين مع ذلك أن التشارك قائمٌ في العقائد والتقاليد والأفكار أيضاً، وهو ما سوف تأتي الشواهد عليه في ثنايا هذا الجزء.

    ولقد سلك المؤرخون العرب، وغير العرب، النبطيين والتدمريين في هذه البلاد في سلك التاريخ العربي، ولم يكونوا يسمون عرباً بصراحة. وكانت لغتهم ما تزال بين العروبة الصريحة والعروبة غير الصريحة. وذلك بسبب انتمائهم إلى جزيرة العرب والجنس العربي والطابع العربي للغتهم وأسمائهم ومنقوشاتهم، وليس من فرق في الواقع بين هؤلاء، وبين الموجات التي جاءت قبلهم من جزيرة العرب إلى بلاد الشام. فإذا ما سلكت تاريخها في سلك تاريخ الجنس العربي، فإنما تفعل ذلك اتساقاً مع الحقيقة التاريخية المتصلة بالواقع المستمر منذ عشرات القرون قبل الإسلام، والمؤيَّدة بالشواهد المتنوعة، وأقوال جمهرة من العلماء والباحثين وتقريراً لها، وتصحيحاً للخطأ المشهور، والتوجيه التاريخي، وتدليلاً على أن عروبة بلاد الشام الحاضرة هي امتداد لما كان من عروبتها الصريحة وغير الصريحة التي سبقت الإسلام بعشرات القرون، ثم إحباطاً لمكر المستعمرين والمبشرين المغرضين، وأعداء العروبة الشعوبيين، والمتأثرين بدعايتهم وتلقيناتهم في بعض أنحاء الشام، وخاصةً لبنان كما هو الشأن في مصر، حتى تتجاوز مكابرة بعضهم كل حد ومنطق، فيتجاهلون الأصل العربي القديم الذي تفرع منه سكان بلاد الشام القدماء الكنعانيون الفينيقيون والآراميون السريان، ويتجاهلون السيل العربي الصريح الذي أخذ يتدفق على هذه البلاد، بما فيها لبنان قبل الإسلام وبعده، ويغمر مدنها وقراها، والذي تفوق أعداده سكان لبنان، بل والشام جميعها قبل العروبة الصريحة، ويطبعها بطابع العروبة الشامل منذ ثلاثة عشر قرناً، والذي يتمثل في كل ناحية من أنحاء الشام، بما فيها لبنان، سواء أكان في اللغة أم في كل تقليد من تقاليدها وكل مظهر من مظاهر حياتها تمثلاً قوياً، ويحاولون فصل تاريخها عن تاريخ الجنس العربي، ليوقروا في أذهان سكانها، وخاصة نصاراه، وبنوع أخص موارنته، الذين هم من الجنس العربي يقيناً، سواء أكانوا آراميين أم فينيقيين، أم من قبائل بني مراد العرب الصرحاء، وهن الصلة بينهم وبين العروبة الأصيلة، وليجعلوهم يعتبرون العرب غزاة كسائر الغزاة الذين طرأوا على بلاد الشام، ووطدوا حكمهم عليها بالفتح العسكري فحسب، وكون ما هنالك من فرق، هو أنهم أعطوها دينهم ولغتهم، كما كان وما يزال يبث همساً وصراحةً تارةً أخرى، وفي حين تكفي في نظرهم المئتان والثلاثمائة من السنين لتجعل سكان بلاد ما متنوعي الأصل والجنس أمة ذات قومية واحدة، لأنها صارت تتكلم بلغة واحدة، وتعيش في جو تاريخي واحد.

    وهناك ظاهرة يجدر التنويه بها في هذا المقام، وهي أنه لم يذكر أحد من الباحثين أنه كان غرابة لسانية بين سكان مختلف أنحاء الشام، شمالها وجنوبها وشرقها وساحلها، أو أنه كان بينهم وسطاء ومترجمون، حيث يفيد هذا أنهم كانوا يتكلمون لغةً واحدة، وإن اختلفت لهجاتها. ولما كانت هذه اللغة أو اللهجات متقاربة أو متماثلة مع اللغة العربية، فقد عدت شقيقات لها.

    فكل ما تقدم يدل أحسن الدلالة على صلة معظم سكان بلاد الشام، وخاصةً معظم الطارئين عليها منذ أقدم العصور التاريخية المعروفة، إلى منتصف الألفية الثانية قبل المسيح الذي أخذت العروبة فيه تتطور من عروبة غير صريحة إلى عروبة صريحة، يمتون إلى الجزيرة العربية، وبالتالي إلى الجنس العربي، ويسوغ بصورة لا تصح المماراة فيها سلك تاريخهم في سلك تاريخ الجنس العربي. وهذا بالإضافة إلى أننا حينما نقرر صلة سكان بلاد الشام القدماء بالجنس العربي، أو بكلمة أدق، حينما نبرز هذه الصلة، نكون قد أبرزنا سعة نطاق الجنس العربي وحيويته في مختلف المجالات الفكرية والأدبية والحضارية والسياسية والعسكرية، حينما برز هذا الجنس على مسرح هذه البلاد، التي كانت مصدراً رئيسياً من مصادر الحضارة البشرية التي شعت على العالم وكانت من مشاعل هداية البشر وحضارتهم الأولى من جهة، ونكون من جهة أخرى قد وصلنا بين حيوية العروبة في دورها الصريح على مسرح هذه البلاد، وبين حيويتها عليه قبل هذا الدور، فصار من سلسلة متصلة الحلقات يمسك بعضها بعضاً من جهة أخرى.

    وليس هناك ما يمكن أن يساعد على تعيين مبدأ تاريخي لانسياح الموجات العربية إلى بلاد الشام، ولقد كان فيها قبل انسياح الموجة الكنعانية، التي تسجل كأول موجة معروفة ومعينة الاسم، ومتصلة التاريخ والأحداث، والتي يخمن تاريخ انسياحها في أوائل الألف الثالثة قبل المسيح، سكان يرجح المؤرخون والأثريون أنهم، أو أن منهم موجات جاءت من جزيرة العرب. وهذا الترجيح في محله، لأن انسياح الموجات من جزيرة العرب إلى وادي النيل والعراق قد بدأ قبل الألف الثالثة قبل الميلاد بأمدٍ طويل. ومن المعقول أن تكون بلاد الشام من المناطق التي انساحت إليها موجات من جزيرة العرب مثلها.

    ولقد جاء في كتاب الإسلام والمسيحية في لبنان، معزواً إلى المؤرخ الإنكليزي فيليب فان، والأمير موريس شهاب مدير الآثار اللبنانية، أن علماء الآثار اكتشفوا أن هجرات كثيرة متتابعة جاءت من جزيرة العرب إلى مصر والعراق وسورية ولبنان قبل أزمنة التاريخ، وأن من أقدم هذه الهجرات المكتشفة، بالنسبة إلى لبنان، هجرة فوج كنعاني أول قبل مجيء الفوج المعروف يقيناً. ومن الأدلة التي ساقها على ذلك كون تأسيس مدينة بيروت – وهو أسم عربي اللمحة ويرجح أن يكون أصله بئروت – كان في الألف الرابع قبل المسيح، أي قبل قدوم الموجة الكنعانية التي نحن في صددها.

    وقد ذكر هذا المطران الدبس في كتابه تاريخ سورية، وأضاف إليه مدينة جبيل وهو كذلك أسم عربي اللمحة، ويرجح أن يكون أصله جب إيل أي حصن الإله، أو مقر الإله – وقال أن منشئيهما ومنشئ مملكتيهما كانوا في لبنان قبل حلول الكنعانيين المعروفين، وساق على ذلك أدلة متنوعة. وهو يقرر في ثنايا كلامه أن هؤلاء المتقدمين على الكنعانيين المعروفين هم أيضاً من الجنس السامي أي العربي.

    ولقد ذكر فيليب حتي أن خوفو أول ملوك الأسرة الرابعة نقش اسمه على آنية وأرسلها كهدية إلى سيدة جبيل. وحكم الأسرة التي ينتسب إليها خوفو كان ما بين 2900 – 2750 ق. م، وهو أول أو ثاني ملوكها، أي أن حكمه كان في القرن التاسع والعشرين قبل الميلاد. وهذا الزمن يسبق الزمن المخمن لطروء الموجة الكنعانية المعروفة واستقرارها ونشاطها. والخبر يتسق مع ما ذكره المطران الدبس في صدد جبيل، كما هو المتبادر.

    ولقد جاء في كتاب مصر القديمة، استناداً إلى الآثار المصرية، أن سنفرو أحد ملوك الأسرة الرابعة، أو آخر ملوك الأسرة الثالثة، حسب استنباط مؤرخين آخرين (أي حوالي القرن الثلاثين قبل الميلاد)، قد سير حملة بحرية عظيمة إلى الموانئ السورية، رجعت محملة بالأخشاب التي قطعت من غابات لبنان. ولعل هذا أقدم ذكر لموانئ سورية وأخشاب لبنان. والمتبادر أن هذه العملية لم تكن لتتم إلا بمساعدة أهل البلاد وجهودهم، حيث ينطوي في هذا حقيقة وجود سكان في هذه السواحل ذوي نشاط زراعي، قبل الوقت المخمن لمجيء الموجة الكنعانية المعروفة. وليس ما يمنع أن يكون من موجات عربية سابقة، مما أشار إليها مؤلف كتاب الإسلام والمسيحية في لبنان.

    ولقد جاء في كتاب تاريخ سورية ولبنان وفلسطين للدكتور فيليب حتي أن الديانة اللغة الكنعانية تبدءان بالظهور من غياهب العصور السامية القديمة، حوالي مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. غير أن أسلافهم كانوا غالباً يحتلون الأقسام الساحلية الجنوبية من بلاد الشام، قبل ذلك بألف سنة أو أكثر. ويمكن استنتاج ذلك من أسماء الأماكن، على ما أظهره علم الآثار الحديث. وقد تأسست المدن مثل أريحا وبيت شاب ومجدو التي أسماؤها كنعانية قبل عام 3000 ق. م.، وظهر في الكتابات الأثرية في النصف الأول للألف الثاني مدن أخرى لها أسماء سامية معروفة، يمكن اعتبارها كنعانية، مثل عكو وصور وصيدون وجبلة (جبيل) وأركة وسيميرا.

    ولقد جاء في كتاب تسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار أن سكان بلاد الشام ولبنان كانوا قبل المسيح بثلاثة آلاف سنة قبائل سامية من البابليين، ثم طرأ عليهم الكنعانيون، وأن اللغة البابلية ظلت اللغة السائدة لأن الكنعانيين ليسوا إلا فرعاً من البابليين، ومما استدل به على ذلك رسائل تل العمارنة التي كانت ترسل من أمراء وحكام سورية باللغة البابلية والخط المسماري، والتي ترجع إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد المسيحي.

    ولقد ذكرت أسفار العهد القديم أسماء أمم وقبائل عديدة كانت تسكن فلسطين وشرق الأردن إلى جانب الكنعانيين والآموريين، كالعماليق والحوريين والأيميين والرفائيين والحوييين والفرزيين والجرجاشيين واليبوسيين، حيث يدل اختصاصهم بالذكر مستقلاً عن ذكر الكنعانيين والأموريين على أنهم من غيرهم. ومن المحتمل كثيراً أن يكونوا فروع موجات أخرى، جاءت قبلهم من جزيرة العرب. وقد قال مؤلف كتاب الإسلام والمسيحية في لبنان عن الجرجاشيين أنهم فخذ من الفوج الكنعاني الأول.

    ولقد كان قدوم موجة معروفة يقيناً إلى بلاد الشام الداخلية والشمالية، وهي الموجة الآمورية أو العمورية، بعد قليل من قدوم الموجة الكنعانية. وقد اكتشفت في هذه الأقسام الشامية آثار لسكان أقدم من العموريين، يخمن كذلك أنهم، أو أن منهم موجات عربية الجنس وهو تخمين في محله، لأنه متسق مع ظروف انسياح موجات جزيرة العرب قبل الألف الثالثة السابقة للميلاد المسيحي إلى بلاد العراق ووادي النيل وأنحاء الشام الساحلية والجنوبية، على ما ذكرناه سابقاً.

    ومما يؤكد هذه الترجيحات والتخمينات أن موجات جزيرة العرب ظلت تنساح متلاحقة إلى بلاد الشام بعد موجتي الكنعانيين والعموريين، وقبل دور العروبة وبعده، بحيث يصح القول بشيء من الجزم أنه لا يعقل أن تكون الموجتان المذكورتان هما أولى موجات الجزيرة إلى بلاد الشام، ولاسيما أنها متاخمة للجزيرة مباشرة، وأن الانسياح من الجزيرة إلى الأقطار المجاورة لها قد بدأ من زمنٍ أقدم بكثير من الزمن المخمَّن لانسياح الموجتين، على ما شرحناه في الجزء السابق.

    أضف تعليقاً

    Please log in using one of these methods to post your comment:

    WordPress.com Logo

    أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

    صورة تويتر

    أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

    Facebook photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

    Google+ photo

    أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

    Connecting to %s

    معرض الوسوم

    %d مدونون معجبون بهذه: