Professeur docteur oussama chaalane

 

Dr Usama Fouad Shaalan MD; PhD. – من دفاتر الدكتور / أسامه فؤاد شعلان

نشرت مجلة "ميريا في عددها الصادر في يونيه 2000 دراسة رصد فيها مؤلفها "ميخائيل لاسكيير"(**) تطور العلاقات السرية بين إسرائيل ودول المغرب العربي الثلاث تونس والجزائر والمغرب بين سنتي 1950 و1970. ولأهمية المعلومات التاريخية الواردة في الدراسة لاسيما مع تصاعد حدة النقاش حول موضوع التطبيع مع إسرائيل وما أثارته مؤخرا الدعوة التي وجهها الرئيس التونسي لأرييل شارون لزيارة تونس، ارتأينا أن ننقلها إلى العربية، على أن نكتفي في هذا العدد بترجمة الفصل الخاص بالعلاقات التونسية الإسرائيلية هؤلاء الذين تربوا على موائد الغدر فى فرنسا ونجحوا فى عقدالصفقه وسموها كفاح فلا هو مسلح ولا هو وطنى اتركوا تونس فى الظاهر ونحن اتباعكم فى الخفاء مجرد تغير الاسماء.
والدراسة التي نقدمها للقارئ العربي يؤكد كاتبها أن العلاقات بين دول المغرب العربي وإسرائيل ليست جديدة وأن بداياتها انطلقت منذ الأيام الأولى لتأسيس الكيان الصهيوني. كما يبين بالاستناد إلى مجموعة من الوثائق والحوارات التي أجريت مع قيادات من هذه الدول في مراحل مختلفة من تطور تلك العلاقات أن الدوافع التي كانت وراءها اختلفت من بلد إلى بلد ومن مرحلة تارخية إلى مرحلة تاريخية أخرى. وفي ما يلي الترجمة العربية لهذه الدراسة
الكفاح لنيل الاستقلال بالتحالف مه اسرائيل وتجار المبادىء والسياسه القذره
حصلت أولى الاتصالات بين إسرائيل وتونس في نيويورك بين سنتي 1951-1952 حين كان كفاح تونس من أجل نيل الاستقلال يمر بمرحلة حاسمة، فقد التقت قيادات تونسية بالبعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة وعناصر قيادية من حزب العمل الإسرائيلي وتمت تلك اللقاءات في أحيان كثيرة بعد سعي الجهات التونسية لدى شخصيات سياسية أمريكية.(2) وكان من عناصر وفد الحزب الدستوري الجديد الذين التقوا بالإسرائيليين آنذاك الباهي الأدغم القيادي في المكتب السياسي للحزب وأكثر المقربين من الزعيم ورئيس الدولة لاحقا الحبيب بورقيبة. ففي لقاء جمع في الخامس والعشرين من يونيه 1952 بين الباهي الأدغم وجدعون رافائيل من البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة طلب الأدغم دعما إسرائيليا من أجل استصدار قرار أممي يسند مطلب تونس في الاستقلال، وفي المقابل أكد لرافائيل أن حزبه لا يقف وراء موجة التحركات المعادية لليهود التي كانت تملأ تونس آنذاك.(3) وقد كان لإسرائيل أيضا اتصالات بقيادي تونسي آخر هو صالح بن يوسف الذي أصبح ناصريا فيما بعد وتحول إلى أهم منافس سياسي لبورقيبة. فقد التقى ابن يوسف بإسرائيليين في التاسع من فبراير 1953 ليعبر عن غضبه إزاء غياب التأييد الإسرائيلي لتونس مؤكدا أن الدول العربية وحدها التي تقف إلى جانب بلاده في مسعاها لنيل الاستقلال وأن ذلك سيجعل تونس قطعا تقف معها في المستقبل.(4)
ولقد دافع بورقيبة نفسه عن التسوية مع إسرائيل في حوار مع جريدة لوموند في يونيه 1952. وبعد سنتين من ذلك، وأثناء وجوده بالمنفى في فرنسا، قال بورقيبة لـ"ألك ل. إيسترمان، رئيس المكتب السياسي للمؤتمر اليهودي العالمي في لندن أن الحكومة التونسية المستقبلية ستنضم إلى الجامعة العربية ولكنها لن تتقيد بالضرورة بسياساتها أو تساند أنشطتها السياسية. وفي سياق تعبيره عن رأيه الخاص قال بورقيبه لمحدثه إنه يتفهم القومية اليهودية، ولكنه كعربي، يجد نفسه مدفوعا للنظر إلى قيام دولة إسرائيل باعتباره شكلا من أشكال الاحتلال. ومع ذلك، وفي إطار السياسة العملية فإنه لا يتبنى فكرة إلغاء إسرلئيل وإنما سيسعى لتحقيق السلام في الشرق الأوسط وسيلعب دورا حيويا في توجيه الدول العربية هذه الوجهة.(5)
وقد انقسم الساسة الإسرائيليون حينذاك حول نجاعة الاحتفاظ بعلاقات سرية مع تونس والمغرب في مرحلة ما قبل الاستقلال. ففي حين اعتبر بعضهم أن ذلك مفيد لتأمين وضع اليهود المغاربة، رأى آخرون أن تلك الاتصالات ستتسبب في توتير العلاقات مع فرنسا خاصة إذا تخذت شكلا علنيا مثلما حصل في لقاء الأدغم ورافائيل.(6)
وحين تولى موشي شارات رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الإسرائيلية من نهاية سنة 1953 إلى أكتوبر 1955 عارض الاستمرار في تلك لاتصالات السرية ولكنه دعا إلى ربط علاقات مستقبلية مع دول المغرب العربي من أجل "الحيلولة دون امتداد المقاطعة العربية إلى شمال افريقيا، وحتى تكون هناك سابقة في علاقاتنا مع البلدان العربية".(7) أما إبان حكومتي دافيد بن غوريون ولفي اشكول فقد سعت إسرائيل لربط علاقات مع المغرب العربي بصيغتيها العلنية والسرية خاصة بعدما منحت فرنسا الاستقلال لكل من تونس والمغرب سنة 1956. وقد رأى الإسرائليون في الشرخ الحاصل في علاقات بورقيبة وعبد الناصر اتجاها يمكن أن يضعف الوحدة العربية.
وفي فبراير 1956 حين كانت تونس والمغرب تستعدان لنيل استقلالهما عقد بورقيبة ويعقوب تسور سفير إسرائيل لدى فرنسا اجتماعا سريا أبدى فيه بورقيبة امتعاظا واضحا وجليا من عبد الناصر، وفي ذلك الاجتماع أدرك تسور مدى حاجة بورقيبة لدعم اليهود الأمريكان من أجل الحصول على مساعادت اقتصادية أمريكية.(8)
وتواصلت بعد ذلك اللقاءات الإسرائيلية التونسية بشكل غير رسمي إلى حدود تفجر أزمة قناة السويس في آخر تلك السنة. ففي الثالث من أكتوبر 1956التقى تسور بوزير المالية التونسي الذي طلب منه مساعدة إسرائيلية لإنشاء وحدات فلاحية تعاضدية. وقد حصل تسور، الذي التقى مساعدا آخر من مساعدي بورقيبة، على موافقة بلاده والاستجابة للطلب التونسي بغرض إضعاف سياسة المقاطعة الاقتصادية الع
ربية لإسرائيل ودخول المجال المغاربي. واتفق الطرفان على أن تكون باريس مركز التنسيق لتنفيذ المشروعات المشتركة تحت إشراف وزير التجارة والصناعة الإسرائيلي بنهاس سابير.(9)
وقد بررت وزارة الخارجية الإسرائيلية تقديم المساعدات لتونس بأن بورقيبة لا يتبنى السياسات الاقتصادية للجامعة العربية وأن التعاون الاقتصادي الثنائي يمكن أن يكون مفيدا للطرفين، كما أن الاتحاد الإسرائيلي للشغل يمكن أن يتعاون مع نظيره التونسي بشكل غير رسمي من أجل تهيئة الأرضية لأنواع أخرى من التعاون المؤسساتي.(10) إلا أن شيئا من تلك الاحتمالات لم ير النور بسبب الهجوم الأنجلو-فرنسي-إسرائيلي على مصر في أكتوبر- نوفمبر 1956 ثم انضمام تونس لجامعة الدول العربية في أكتوبر 1958.
ورغم انضمام تونس إلى الجامعة العربية إلا أن بورقيبة لم يكن يخفي عدم ارتياحه لمشروع الوحدة العربية. وباستثناء فترة الهدوء القصيرة التي دامت ما بين 1961 و1963 والتي عبر خلالها عبد الناصر عن تضامنه مع كفاح تونس ضد القوات الفرنسية التي كانت تشرف على قاعدة بحرية في مدينة بنزرت التونسية، فإن الشرخ الذي أصاب علاقة الزعيمين مع منتصف الستينات لم يعد بالإمكان رتقه. وقد قاطع بورقيبة اجتماعات الجامعة العربية لأسباب تتعلق بشؤون العلاقات العربية العربية. بل وصل إلى حد السماح لليهود بالهجرة إلى إسرائيل عبر فرنسا وسمح للوكالة اليهودية بتنسيق عملياتها انطلاقا من تونس. غير أن بورقيبة لم يكن دائما قادرا على تحمل تبعات علاقاته مع إسرائيل، وبالفعل فقد كان أحينا يقف منها موقفا متشددا. فقد ورد على لسانه في مقابلة مع صحيفة لبنانية عام 1959 أنه "إذا كنتم تريدون محو دولة من الوجود، عليكم بإعداد الاستراتيجيات الكفيلة بالقضاء عليها" مؤكدا في الوقت نفسه أنه "ليست لنا علاقات تجارية وديبلوماسية مع إسرائيل".(11) هذه المواقف وما تلاها من تصريحات أخرى أثارت شكوكا حول صورة تونس كقوة اعتدال في العالم العربي.(12) وفي محاولة لتبديد مخاوف إسرائيل من تلك التصريحات أرجع أحد خبراء الخارجية الفرنسية المختصين في منطقة المغرب العربي هذا السلوك المتشدد لبورقيبة إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي إلى رغبته في إثارة إعجاب الدول العربية الأخرى، إذ أن ذلك سيمكنه في المستقبل من لعب دور الوسيط بين إسرائيل والعرب.(13)
ولقد دفع انهيار الجمهورية العربية المتحدة سنة 1961 وما تلاها في 1963من جهود مصرية لتحقيق الوحدة العربية، وما أعقب ذلك من تدخل عسكري مصري في اليمن ثم بروز مؤتمرات القمة العربية كقناة لتأطير الحوار العربي – العربي، كل ذلك دفع ببورقيبة إلى اعتماد سياسة تقدم المصلحة القطرية على حساب المصلحة العربية القومية.(14) وفي مطلع العام 1964 عبر بورقيبة عن تشككه من إمكانية تحقيق السلام في الشرق الأوسط، واقترح على الفلسطينيين أن ينظموا مقاومتهم على شاكلة حركة التحرير الوطني الجزائرية، وأكد أن أفضل حل للصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن أن يتم إلا بإعادة توطين اليهود خارج المنطقة العربية. لكن بورقيبة كان يدرك أيضا أن إعادة التوطين ليست مسألة واقعية، ولم يكن على ثقة في القدرة الفعلية للعرب على مواجهة إسرائيل عسكريا، وكان فوق ذلك يؤمن بأن الغرب لن يسمح للعرب إطلاقا بالانتصار على اليهود.(15)
وفي مارس من سنة 1965 طرح بورقيبة على القادة العرب تحديا حقيقيا في خطاب ألقاه في الأردن عرض فيه علنا الاعتراف بإسرائيل مقابل البدء في مفاوضات على أساس القرار الأممي 181 الصادر سنة 1947 والقاضي بتقسيم فلسطين، وكذلك القرار 194 الصادر سنة 1948 والداعي إلى عودة اللاجئين العرب إلى مساكنهم.(16) بينما في شهر أكتوبر 1966 هاجم إسرائيل باعتبارها دولة صهيونية اغتصبت حقوق العرب من مسلمين ومسيحيين ودعا إلى "حل عادل" للصراع العربي الإسرائيلي"(17)
لقد كان بورقيبة يتمتع بقدرات هائلة وبدرجة عالية من الذكاء، ولكن نرجسيته كانت أيضا عالية. فقد كان يضيق بحجم تونس الصغير الذي يمنعها من لعب دور بحجم دور مصر في الشؤون الدولية.(18) البعض يرى أن بورقيبة كان مضطرا لتبني سياسات جديدة وغير مألوفة حتى يجلب لنفسه الاهتمام خاصة في ظل هامشية تونس في السياسة العربية، وكذلك ليحصل من الغرب على مساعدات اقتصادية. كما أن دعوته للمفاوضات العربية الإسرائيلية وتزعمه للدول العربية القليلة التي رفضت قطع علاقاتها الديبلوماسية مع ألمانيا الغربية حين فتحت سفارة لها في تل أبيب، كان يرمي من ورائها تأمين الدعم الاقتصادي الأمريكي والأروبي، وفي الوقت نفسه، ضرب مصداقية عبد الناصر من خلال تصويره على أنه معاد للغرب وداعية للحرب.
وبالفعل، فقد زار وزير الخارجية الحبيب بورقيبة الابن واشنطن في مايو 1965 طلبا للمساعدة المالية لدعم الخطة الاقتصادية التنموية الرباعية، فأوعزت الخارجية الأمريكية للإسرائيليين بـ"إقناع" الألمان والفرنسيين لمنح تونس مساعدة بقيمة عشرين مليون دولارا، كما طلبت من إسرائيل أن تشتري الخمر التونسي. فتدخل الإسرائيليون نيابة عن تونس ودون تنسيق مسبق معها. مقابل ذلك كان ينتظر من بورقيبة، رغم دور تونس الهامشي نسبيا في ما يتعلق بالشؤون العربية، أن يحصل على تأييد القادة العرب المعروفين باعتدالهم لإجهاض أو عرقلة المساعي المصرية السورية للوحدة العربية.
أما فيما يخص عدم واقعية بورقيبة في دعوته لتطبيق القرار الأممي 181، فإن بعض المراقبين يعتقدون أن بورقيبة لم يكن يوما جادا في إيمانه بأن القرارات الأممية الصادرة قبل س
نة 1949 يمكن أن تكون قاعدة للمفاوضات، وكل ما أراده هو كسر الحواجز النفسية التي ظلت تمنع الحوار العربي الإسرائيلي.
ومع ذلك فإن بعض أهدافه قد تحققت، من ذلك أن جولدا مائير وزيرة خارجية إسرائيل وخلفها أبّا إبان لم يدخرا جهدا في التقرب منه وتلميع صورته. ففي نوفمبر 1965 وبمناسبة زيارة بورقيبة لليبيريا، وبناء على طلب مصالح الأمن الليبيرية، وبعلم من مسؤول الأمن التونسي، قام جهاز الموساد بتعزيز الأمن المحلي والأمن الخاص لبورقيبة.(20)
وعلى نفس الدرجة من الأهمية، كانت جهود وزارة الخارجية الإسرائيلية لترشيح بورقيبة لنيل جائزة نوبل للسلام عام 1966. ومن أجل تفادي إحراجه، تم الاتفاق على أن يتولى طرف ثالث هذه المهمة. وهكذا، وبالتنسيق بين ناثان روتنشترايخ البروفيسور في الجامعة العبرية والسفير الإسرائيلي في واشنطن تم اختيار مدير جامعة البرازيل لاقتراح اسم بورقيبة لدى الهيئة المشرفة على إسناد الجائزة. وقد كان واضحا منذ البداية أن بورقيبة لن يحصل على جائزة نوبل، إذ هي تسند لأولئك الذين أسهموا عمليا في حل نزاعات. غير أنه، وكما لاحظ أحد مسؤولي الخارجية الإسرائيلية: "من الأهمية بمكان أن نجعل بورقيبة يدرك أننا وراء هذه المبادرة".(21)
وبداية من سنة 1966 بدأ سفير إسرائيل لدى فرنسا والتر إيتان، بمساعدة من الموساد، محادثات سرية في أوروبا مع محمد المصمودي السفير التونسي في باريس، وكان ذلك بمباركة من بورقيبة. وفي الوقت نفسه كان إيسترمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي يجري اتصالات مباشرة مع بورقيبة وابنه بالإضافة إلى المصمودي. وكان بورقيبة وابنه يفضلان أن تظل علاقاتهما الشخصية مع إسرائيل تمر بشكل غير مباشر عبر إيسترمان، بينما تمر بقية القنوات المباشرة بين تونس وإسرائيل عبر ديبلوماسيين في أوروبا. وبما أن الخارجية الإسرائيلية لم تتمكن من إقامة قناة مباشرة مع بورقيبة سواء الأب أو الابن إلى حدود العام 1967، فقد واصلت التعويل على إيسترمان، ولكن دون إعلامه بعلاقتها الخفية مع المصمودي. ويبدو أن المصمودي وكلاّ من بورقيبة الأب والابن قد نسقوا مع إسرائيل للوصول إلى تلك الصيغة من العلاقة. إضافة إلى ذلك فقد التقى أبّا إبان مع المصمودي على الأقل في مناسبة واحدة في منزل البارون إدموند دي روثستشايلد.
كان هناك ما لا يقل عن خمس قضايا تم التداول بشأنها عبر تلك القنوات الخلفية: أولا، لقد تم إبلاغ المسؤولين التونسيين أن الإسرائيليين يقدرون تحدي بورقيبة للناصرية رغم معارضتهم للقرارات الأممية الصادرة قبل سنة 1949 والتي أسس عليها بورقيبة مقترحه للسلام. وفي لقاء جمع بين إيسترمان وبورقيبة وابنه في تونس في مارس 1966 قال إيسترمان إن وزير الخارجية إبان كلفه بتقديم الشكر لبورقيبة على "الجهود الحكيمة التي يبذلها كرجل دولة وعلى رؤيته الجديدة للسلام والمصالحة بين الدول العربية في الشرق الأوسط وإسرائيل". وكذلك على "كفاحه من أجل وضح حد لسياسات عبد الناصر الديماغوجية المتصلبة والتي تحرض العرب على محاربة إسرائيل وتدميرها". فرد بورقيبة على إيسترمان بأن كثيرا من القادة العرب يدركون صواب رؤيته ولكنهم لم يمتلكوا الجرأة بعد لإعلان تأييدهم له، كما أنهم لا يزالون مهوسين بـ"وهم القوة الناصرية". كما أشار إلى الوحدويين العرب واصفا إياهم بالغباء وبأنهم يعملون على إفشال كل تحرك يسعى لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي بطرق تصالحية. وعلى كل حال، فإن إسرائيل وتونس كانتا تحتاجان للتحرك بحذر وربح مزيد من الوقت والسماح لأفكار بورقيبة أن تحتل موقعها بثبات في الذهنية العربية. لقد كان بورقيبة على استعداد لربط علاقات تعاون على مستوى عال، لكنه كان يرفض أن يفعل أي شيء من شأنه أن يقود مباشرة أو بشكل غير مباشر إلى الدخول في علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل.(22)
ثانيا، في لقائه مع إيسترمان في باريس بتاريخ 4 أكتوبر 1966 طالب المصمودي بأن يتم تنسيق الاتصالات التونسية الإسرائيلية عن طريق اليهود الغربيين مع التأكيد أن تحظى فرنسا بموقع حيوي في ذلك. وهكذا فإن تلك الترتيبات الملتوية ستضمن لتونس وإسرائيل تفادي الانتقادات التي يمكن أن يثيرها "أعداؤهما" علما وأن تلك الصيغة تحمل إمكانية الاستفادة الاقتصادية المتبادلة من العناصر اليهودية غير الاسرائيلية.(23) وفي نفس الغرض التقى محمد صفر بالإسرائيليين في باريس لتنسيق موضوع الاستثمارات "اليهودية". علما وأنه لم يُبلغ قط مسؤولي البنوك والصناعيين في تونس بأن ما يعدهم به من استثمارات "يهودية" تقف وراءه إسرائيل، إذ كان ينبغي التغطية على أي دور إسرائيلي مباشر. وكان من بين المشاريع التي تمت مناقشتها مع صفر إنشاء فندق في المهدية كمشروع تعاوني بين صفر من جهة وشركة مملوكة لإسرائيل والبارون إدموند دي روثستشايلد من جهة أخرى، وكذلك مشروع تطوير معمل للزجاج في تونس، ومشروع تأثيث الفنادق على أن تقوم على ذلك إسرائيل عبر شركة بريطانية.(24)
ثالثا، كان التونسيون يأملون من الإسرائيليين أن يضغطوا على فرنسا من أجل تحسين العلاقات الفرنسية التونسية التي تدهورت منذ العام 1961، كما كانوا يأملون منهم أن يمارسوا تأثيرهم على الولايات المتحدة وألمانيا الغربية من أجل منح تونس معونات اقتصادية ومساعدات عسكرية.(25)
رابعا، لم تكن تونس تخفي رغبتها في توسيع نشاط قطاعها السياحي، وفي هذا الصدد، وقبل انتهاء مهمتها كوزيرة للخارجية بأشهر معدودة، كلفت جولدا مائير السفير الإسرائيلي في واشنطن با
لبحث في سبل الاستجابة للرغبة التونسية وذلك بالطلب لليهود الأمريكان أن يضيفوا تونس إلى قائمة أولوياتهم السياحية. وكان مما قيل للسفير آنذاك أنه في حالة نجاح هذه المساعي، فـ"إننا سنجد الطريقة المناسبة لإبلاغ التونسيين أن هذه العملية تمت بمبادرة منا كعلامة حسن نية".(26) وبالفعل، فقد وصلت إلى تونس في العام 1965 مجموعات سياحية من تنظيم اليهود الأمريكان.(27) ومن جهته فقد أبلغ إيسترمان الحبيب بورقيبة الابن أن إسرائيل على استعداد لتقديم خبرتها في مجال السياحة لتونس وأن ارتفاع نسبة السياح اليهود وخاصة اليهود الأمريكان يمكن أن تمثل مصدر دخل هام لحركة السياحة التونسية.(28)
المسألة الأخيرة تتعلق بالمساعدة في مجال التنمية الفلاحية. فقد ذكر إيسترمان خلال لقائه بورقيبة الابن أن إسرائيل معروفة على الصعيد العالمي بقدراتها في تطوير الصناعات الفلاحية الحديثة، وقد نقلت تجربتها وتقنياتها إلى عدد من الدول الافريقية الناشئة. كما أكد له "استعداد إسرائيل لوضع كل ذلك في خدمة تونس".(29)
وفي الأخير، فإن بورقيبة لم يكن متحمسا لإقامة علاقات مباشرة وطويلة الأمد مع إسرائيل، ولذلك فمن الصعب معرفة ما إذا كان قد تحقق أي شيئ من تلك المقترحات على أرض الواقع. كما أن وقوع أراضي عربية تحت الاحتلال وقيام منظمة التحرير الفلسطينية أوجدا حقائق جديدة لم تترك للتسوية السلمية فرصا كثيرة. ومع ذلك فإن بورقيبة لم يفقد الأمل، فقد أسر لإيسترمان في أكتوبر 1967 بأن القادة العرب سيرضخون في النهاية للتفاوض مع إسرائيل غير أنه استبعد إمكانية تحقيق السلام الدائم طالما ظلت إسرائيل تصر على مبدأ "الاحتفاظ بالأراضي التي تم احتلالها". وأشار إليه أيضا أنه في ضوء الظروف المستجدة يحسن به أن يخفف من تأييده المعلن لمبادرة السلام في الشرق الأوسط.(29)
وخلال حرب أكتوبر 1973 أيد بورقيبة الهجوم المصري السوري على إسرائيل، وعلى غرار ما فعلته بقية الدول المغاربية، فقد أرسل قوات لدعم الجانب العربي. ورغم تفضيله لفكرة "الدولة القطرية" على حساب الوحدة العربية إلا أنه، وابتداء من سنة 1970 أخذ ينسق مع معمر القذافي باتجاه إقامة وحدة تونسية ليبية. وفي أكتوبر 1976 جدد تأكيده للدول العربية ولمنظمة التحرير الفلسطينية على ضرورة القبول بالقرار الأممي 181 القاضي بتقسيم فلسطين. غير أن مبادرة السادات للسلام في العام 1977 أقبرت تلك المقترحات وإلى الأبد. وفي الثمانينات من القرن الماضي أظهر بورقيبة تضامنا عميقا مع منظمة التحرير حيث سمح لها سنة 1982 بإقامة مقرها الرئيسي فو تونس بعد طردها من لبنان، وقد أدى ذلك في سنتي 1985 و1988 إلى ضربات عسكرية وعمليات انتقامية نفذتها قوات كومندس إسرائيلية على الأراضي التونسية. كما وافق أيضا على نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس في سياق عزل مصر بسبب توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل. وهذا لا يعني انقطاع الاتصالات السرية بين تونس وإسرائيل بعد سنة 1967، إلا أن تلك الاتصالات، إن حصلت، لن تكون ذات أهمية كبرى. وفي الأخير فإن سياسة بورقيبة المعادية للإسلام قادت إلى الانقلاب الذي قاده من داخل القصر زين العابدين بن على في السابع من نوفمبر 1987. وقد انخرط ابن علي في اتفاقيات أوسلو 1993، ثم سار على خطى المغرب في فتح مكتب اتصال لتونس في تل أبيب عام 1995 والسماح لإسرائيل بنفس الأمر. إلى أنه في سنة 1997 تم استدعاء مدير ذلك المكتب احتجاجا على سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الشرق الأوسطية. وفي أعقاب الانتخابات الإسرائيلية سنة 1999 أرسلت تونس طارق عزوز مبعوثا جديدا لدى إسرائيل.
——————————————————————————–
تعقيب
إسرائيل والمغرب العربي في أوج الصراع العربي الإسرائيلي (1950-1970
لم تكن إسرائيل ودول المغرب العربي: الجزائر والمغرب وتونس في حالة حرب على الإطلاق ولا هي تمتعت أبدا بسلام حقيقي. ومع ذلك فإن اتصالت سرية بين إسرائيل وهذه الدول قادت على مدى عقود إلى تفاهم أكبر وأدت إلى تعاون محدود بينها على خلاف ما كانت تولده السياسات العربية – الإسرائيلية المضطربة من مضاعفات سلبية.
تعود بداية العلاقات بين إسرائيل وكل من القيادات الوطنية/القومية لتونس والجزائر والغرب إلى الخمسينات بمبادرة من مسؤولين رسميين في الحكومة الإسرائيلية وديبلوماسيين، بما في ذلك الموساد، عبر أطراف وسيطة مثل الصحفيين والمثقفين الإسرائيليين وممثلي المنظمات اليهودية العالمية خاصة المؤتمر اليهودي العالمي. وكذلك عبر شخصيات يهودية تونسية ومغربية مؤثرة وذات صلات قريبة بالدوائر السياسية اليسارية في بلدانها الأصلية، وأيضا عبر ديبلوماسيين غربيين.
وكانت إسرائيل تسعى من خلال تطوير تلك العلاقات إلى تحقيق هدفين: أولاهما إبعاد دول المغرب العربي عن الجامعة العربية، وثانيهما تجنب العزلة التي كانت مضروبة حولها من بلدان العالم الثالث، خصوصا وقد بدا لإسرائيل أن القيادات المغاربية، وتحديدا أولئك المتشبعين منهم بالثقافة الفرنسية، أكثر اعتدالا من أقرانهم في المشرق العربي. وفي المقابل، فإن تلك القيادات سعت لربط علاقات مع إسرائيل بغرض حشد الدعم لكفاحهم من أجل الاستقلال عن فرنسا. وكثيرا ما كانت بعض المبادرات الخاصة التي تصدر عن صحفيين إسرائيليين تقدميين لدعم ذلك الكفاح لا تتفق مع الرغبة الإسرايلية في عدم توتير علاقاتها مع فرنسا.(1)
المراجع
1) Interviews with Uri Avneri (23 October 1996); Elkana Galli (18 September 1996).
2) Michael M. Laskier, North African
Jewry in the 20th Century. (New York: New York University Press, 1994), p. 283.
3) Ibid, pp. 284-285.
4) Israel UN Delegation, February 18, 1953, Israel State Archives (ISA), Foreign Ministry (FM), 3043/18.
5) Conversation with Bourguiba, August 9, 1954, secret, ISA/FM, 2541/21A.
6) See footnote 2 (p. 284-285).
7) A. Barkai to the Bern Legation, Jerusalem, February 14, 1956, ISA/FM, 2542/7.
8) Y. Tsur to FM, Paris, February 6, 1956, top secret, ISA/FM, 2541/26.
9) R. Dubek to FM, Jerusalem, October 3, 1956, ISA/FM, 2541/26.
10) R. Dubek to FM, October 12, 1956, ISA/FM, 2541/26.
11) al-Hayat (March 19, 1959).
12) Oslo Dagbladet (June 2, 1961).
13) Z. Zak to FM, June 13, 1961, ISA/FM, 3316/3.
14) Avraham Sela, The Decline of the Arab-Israeli Conflict. (Albany: State University of New York Press, 1998), p. 81.
15) Y. Vered to Y. Meroz, Jerusalem, secret, February 7, 1964, ISA/FM, 3549/4.
16) Sela, The Decline of the Arab-Israeli Conflict, p. 80.
17) Habib Bourguiba’s Speech at the UN General Assembly, October 10, 1966.
18) Peter Mansfield, Egypt’s Nasser, (Baltimore: Penguin Books, 1969), p. 91.
19) D. Yenon to the FM, Washington, May 4, 1965, secret, ISA/FM, 3549/4.
20) Embassy in Monrovia to FM, November 24, 1965, secret, ISA/FM, 3549/2.
21) S. Bar-Hayyim to A. Harman, Jerusalem, October 20, 1965, ISA/FM, 3549/2.
22) A. L. Easterman to A. Eban, London, March 1966, ISA/FM, 4027/6.
23) Conversation with Muhammad Masmudi, London, October 21, 1966, ISA/FM, 4097/4.
24) Note sent to FM, ISA/FM, 4097/4.
25) M. Gazit to A. Eban, Jerusalem, May 3, 1966, top secret, ISA/FM, 4077/3.
26) Bar-Hayyim to A. Harman, Jerusalem, June 4, 1965, top secret, ISA/FM, 4077/3.
27) Same as Footnote 22.
28) Ibid.
29) Ibid.
30) Easterman to A. Eban, London, October 27, 1967, ISA/FM, 4097/4.
(*) Middle East Review of International Affairs – Volume 4, No. 2- June 2000
(**) Professor Michael M. Laskier chairs the Political Science Department at Ashqelon College and teaches at Bar-Ilan University. His eight books include North African Jewry in the 20th Century (New York, 1994, recipient of the “National Jewish Book Award”) and Middle Eastern Jewry in the Modern Period, co-authored with Reeva S. Simon and Sara Reguer, Columbia University Press, in press. He recently completed Israel and the Arab World: Israeli-Maghrebi Common Interests and Encounters during the Arab-Israeli Conflict.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم

%d مدونون معجبون بهذه: