Professeur docteur oussama chaalane

تواريخ على طريق الصراع المرحله من سنه 1956م الى وقت قريب

Dr Usama Fouad Shaalan – من دفاتر الدكتور / أسامه فؤاد شعلان

800px-Arab-Israeli Map2.JPG
خريطة الشرق الأوسط تظهر موقع اسم_النزاع الأساسي و الدول المنخرطة

 

حرب 1956:
أحدثت حرب 1948 هزة كبيرة في الواقع العربي فتوالت الانقلابات العسكرية في سوريا، وأنهت ثورة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 العهد الملكي في مصر، واغتيل الملك عبد الله ملك الأردن في 20 يوليو 1950، وقام الملك حسين بطرد رئيس أركان الجيش الأردني جلوب باشا وبتعريب الجيش الأردني في مارس 1956.
وقامت الدول العربية بعقد اتفاقية الدفاع المشترك في 13 أبريل 1950، أتبعتها بعدد من اتفاقات الدفاع الثنائية والثلاثية بين بعضها خلال سنتي 1955- 1956. وسعت مصر وسوريا إلى كسر الاحتكار الغربي لتصدير الأسلحة، فعقدتا كلٌّ على حدة سنة 1955 صفقات أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا.
ثم إن مصر كانت تسيطر على خليج العقبة، وزادت من فعاليتها الرقابية سنة 1955 على كل السفن التي تدخل هذا الخليج، ومنعت الملاحة "الإسرائيلية" فيه، وبذلك شلَّت الحركة التجارية لميناء "إيلات" نافذة الكيان الإسرائيلي إلى دول آسيا وشرق أفريقيا. كما فرضت مصر قيوداً – على مرور السفن في قناة السويس – من شأنها تشديد الحصار الاقتصادي على الكيان الإسرائيلي. كما نشطت العمليات الفدائية الفلسطينية عبر قطاع غزة ـ وبدعم مصري – ضد الكيان الإسرائيلي خلال الفترة 1955-1956. كل ذلك أثار مخاوف وانزعاج الكيان الإسرائيلي الذي سعى لاقتناص أي فرصة لتوجيه ضربة إلى مصر.
وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة قد عرضت على مصر قرضا مالياً لبناء السد العالي ذي الحيوية الكبرى للاقتصاد المصري. لكن رفض مصر لإقامة حلف بغداد (الذي انضمت إليه العراق وتركيا وإيران وباكستان) والذي استهدف ربط مصالح المنطقة بالقوى الغربية، ومواجهة "الخطر الشيوعي"، مع إبعاد الأنظار عن الخطر الصهيوني- الإسرائيلي الذي يربض في قلب المنطقة، أدّى إلى سحب أمريكا عرضها في 19 يوليو 1956. وحتى تقوم مصر بتوفير الأموال اللازمة لبناء السد العالي، أعلن جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956 تأميم الشركة العالمية لقناة السويس. مما شكل ضربة كبيرة للمصالح الاقتصادية البريطانية. وكانت فرنسا – من جهتها – منـزعجة من الدعم المصري للثورة الجزائرية ضدها.[97]
وقد اتفق الكيان الإسرائيلي مع بريطانيا وفرنسا على توجيه ضربة إلى مصر، تؤدي للاحتلال الإسرائيلي لسيناء، والاحتلال البريطاني الفرنسي لقناة السويس. وقد انبنت الخطة، التي وقعت عليها الأطراف الثلاثة في سيغر (قرب باريس) في 23 أكتوبر 1956، على أن تبدأ القوات "الإسرائيلية" بشن هجوم واسع في 29 أكتوبر بهدف الوصول إلى قناة السويس. ثم تقوم بريطانيا وفرنسا بإصدار إنذار مشترك في اليوم التالي يطالب القوات المصرية والإسرائيلية بالانسحاب مسافة عشرة أميال (16كم) عن جانبي القناة، وبسماح مصر لبريطانيا وفرنسا باحتلال مؤقت لعدد من النقاط الرئيسية فيها، بحجة حماية الملاحة الدولية. وإذا ما رفضت مصر- وبالطبع سترفض -ستقوم القوات البريطانية والفرنسية بإنزال قواتها في القناة، والهجوم على مصر لإجبارها على الرضوخ.[98]
بدأ الكيان "الإسرائيلي" هجومه في 29 أكتوبر 1956 بعملية إنزال جوي لقوات المظليين في ممر متلا على بُعد 65كم شرقي قناة السويس.وحدثت معارك محدودة شرقي القناة، لكن صدور الإنذار البريطاني الفرنسي في 30 أكتوبر، ورفض مصر له أوجد الذريعة التي يحتاجانها، فبدأت بريطانيا وفرنسا في 31 أكتوبر عدوانهما على مصر، وخصوصا المطارات والموانئ، وتم تدمير جزء كبير من الطيران المصري. وقررت مصر من جهتها التركيز على حماية القناة ومثلث بورسعيد – القاهرة – السويس، فأمرت الجيش المصري بالانسحاب من قطاع غزة وسيناء والتركز غربي قناة السويس. وتمكن الكيان الإسرائيلي دون صعوبة من احتلال غزة خلال 31 أكتوبر – 3 نوفمبر 1956، ومن احتلال سيناء خلال ثمانية أيام (29 أكتوبر – 5 نوفمبر 1956).
وصدر قرار الأمم المتحدة في 2 نوفمبر بإيقاف الحرب وانسحاب قوات الغزو البريطاني الفرنسي من الأراضي المصرية، وانسحاب الكيان الإسرائيلي إلى ما وراء خطوط الهدنة.ورغم أن هذه القوات تلكأت في تنفيذ القرار إلا أن الضغط السوفيتي – الأمريكي اضطرهما لذلك، فانسحبت القوات البريطانية-الفرنسية في 22 ديسمبر 1956، وأكملت القوات الإسرائيلية انسحابها في 6 مارس 1957. وقد تعهدت مصر في المقابل بمنع عمليات الفدائيين من قطاع غزة، ووافقت على وضع قوات دولية على حدودها. كما ضمنت "إسرائيل" بتعهد القوى الكبرى حق الملاحة البحرية في خليج العقبة، وكذلك الطيران الجوي فوقه.[99]
كانت هذه الحرب إيذانا بانتهاء العهد الاستعماري البريطاني – الفرنسي في المنطقة، ووراثة أمريكا والاتحاد السوفيتي لحلبة التنافس فيها. ورغم أن هذه الحرب كشفت مدى تطور القوة العسكرية الإسرائيلية، وعجز الجانب المصري (في ظل المعادلات الدولية) عن حماية نفسه،فضلا عن تحرير فلسطين، فإن هذه الحرب جندت تعاطفا عربياً وإسلامياً واسعاً مع مصر، وأظهرت القيادة المصرية وخصوصا عبد الناصر "أبطالا" في المقاومة والدفاع عن الحقوق العربية، وبرز نجم عبد الناصر كأمل للجماهير العربية في النصر والتحرير.
حرب 1967:
لم يكن الكيان الإسرائيلي سعيداً بمساحة الأرض التي أقتطعها من فلسطين في حرب 1948، وكان يرغب في المزيد من التوسع لفتح الباب بشكل أكبر أمام الهجرة والاستيطان اليهوديين. كما كان يفتقد الشعور بالأمان في حدوده مع البلدان العربية التي يبلغ طولها 981 كيلومتراً، وكانت بعض المدن الساحلية تبعد حوالي 15كيلومتراً عن الحدود مع الضفة الغربية مما يسهل ضرب العمق "الإسرائيلي".
ومن جهة أخرى، فإن الإعلام العربي، وخصوصا المصري الناصري، كان يبالغ في الإمكانات العسكرية العربية، ويعد الجماهير العربية التي كانت تنتظر بصبر وحماس بإلقاء اليهود في البحر وتحرير فلسطين. غير أن الإستراتيجية العسكرية المصرية ظلت منذ حرب 1956 وحتى 1967 إستراتيجية دفاعية وليست هجومية، بخلاف ما كان يتحدث به الإعلام المصري صباح مساء. وحتى الخطة الدفاعية "قاهر" التي وضعتها القيادة المصرية في ديسمبر 1966 لم يطبق منها إلا جزء بسيط، إذ إن القسم الأكبر من ميزانية الدفاع كان يذهب إلى اليمن فلا يبقى إلا القليل لتحصين سيناء.[100]
ولم تكن الأوضاع الداخلية العربية ولا العلاقات العربية ـ العربية لتبعث على السرور، فقد عانت الشعوب العربية من أزمات فقدانها للحريات السياسية، ومن الفساد السياسي والاقتصادي، ومن الإعلام الموجه، وعاش عبد الناصر هاجس ملاحقة الإسلاميين، وضربهم وخصوصاً الإخوان المسلمين. وتم تقديم البديل الإيديولوجي الاشتراكي – القومي والذي لم ينجح في خطط التنمية، ولا في تحقيق أساس نهضوي عربي، ولا في تفجير طاقات الأمة بشكل يتوافق مع عقيدتها وتراثها وثقافتها. وإذا كانت الجماهير العربية قد عاشت لحظات من النشوة والحماس عندما تحققت الوحدة المصرية – السورية (الجمهورية العربية المتحدة) في فبراير 1958، فإنها سرعان ما صدمت عندما حدث الانفصال في سبتمبر 1961. واستنـزف الجيش المصري والميزانية المصرية في حرب اليمن ودعم الثورة فيها منذ 1963. وقد شهدت البلاد العربية نوعا من التضامن السياسي الظاهري خلال 1964 ـ 1965، حيث بدأت مؤتمرات القمة العربية بالانعقاد منذ يناير 1964. غير أن الخلاف سرعان ما دب بينها منذ 1966 وعادت الحرب الإعلامية لتكون مادة الإذاعات والصحف خصوصا في دول الطوق. وقد صادق الرؤساء والملوك العرب في يناير 1964 على تشكيل القيادة الموحدة لجيوش البلدان العربية، وتم تعيين الفريق المصري علي علي عامر قائداً عاماً، لكن الخلافات العربية منذ 1966 عطلت عمل هذه القيادة، كما افتقد عدد من البلدان العربية للجدية في التعامل معها. فإما أنها لم تلتزم بأوامرها، أو أنها لم تدفع نصيبها في الميزانية، أو أنها رفضت دخول قوات عربية أخرى إلى أراضيها، مما عطل تنفيذ عمل هذه القيادة وخططها.[102]
وكان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، وبدء حركة فتح عملياتها العسكرية منذ مطلع 1965 من العوامل التي دفعت الكيان الصهيوني لسرعة التحرك ومحاولة فرض واقع جديد، يضمن له التوسع والأمن، ويجر البلاد العربية إلى التسوية السلمية وفق الشروط "الإسرائيلية". وكان لقيام الكيان الصهيوني بمشروع تحويل مياه الأردن الذي بات معروفا للعرب منذ 1963، وضرب الصهاينة وتدميرهم لكل المشروعات العربية المقابلة لتحويل النهر، كان له أثره في ازدياد التوتر.[103]
بدأ الكيان الصهيوني تصعيد الأوضاع قبل عام من الحرب، فهاجم قرية السموع قرب الخليل في الضفة الغربية، وقام بمذبحة راح ضحيتها حوالي 200 شهيد. كما حدث تسخين متبادل على الجبهة السورية حيث كان الصهاينة يقومون بطلعات جوية لقصف المواقع السورية، بينما كانت المدفعية السورية تقصف المستوطنات اليهودية المجاورة. وتزايدت التهديدات "الإسرائيلية" لسوريا، وتواترت الأخبار عن حشود "إسرائيلية" على الحدود السورية خصوصا في أوائل مايو 1967.[104]
وقامت مصر، وفق اتفاقية الدفاع المشترك مع سوريا، بالإعلان عن عزمها الدخول في الحرب منذ أول دقيقة إذا ما تعرضت سوريا للهجوم. وتبع ذلك إجراء مصري بطلب سحب قوات الأمم المتحدة عن خطوط الهدنة مع الكيان الإسرائيلي فانسحبت في 23 مايو 1967، وقامت مصر في 23 مايو بإغلاق مضائق تيران (خليج العقبة) في وجه الملاحة الإسرائيلية، مما كان يعني عملياً أن مصر تجهز "لمعركة المصير" مع الكيان الإسرائيلي. غير أن الفرقتين العسكريتين اللتين حركتهما مصر إلى سيناء لم يكونا يكفيان بالكاد للدفاع عن الحدود المصرية، فضلاً عن تحرير فلسطين. وبتعبير آخر فإن الإجراءات التي كانت تتخذ على الأرض لم تكن متوافقة مع المواقف السياسية الحادة ولا التصريحات الإعلامية النارية. وكرر الرئيس المصري قبل الحرب بأيام استعداد بلاده للحرب … "إذا أرادت إسرائيل الحرب، فأهلا وسهلاً … " لن نتركهم ليقرروا الوقت ويقرروا المكان … علينا أن نستعد لننتصر … وقد تمت هذه الاستعدادات … ونحن على استعداد لمواجهة إسرائيل".[105]
وكانت الولايات المتحدة تعلم تفصيلات الهجوم"الإسرائيلي" المرتقب، والذي أعطته الضوء الأخضر، وأسهمت في تضليل الجانب المصري حول الاستعدادات "الإسرائيلية"، واستطاعت الحصول على تعهدات مصرية بألا تكون مصر البادئة في الحرب.[106] بل وصل الأمر بعبد الناصر أن يعلن بنفسه"نترك المبادأة والضربة الأولى لإسرائيل"،[107] وبذلك ضمن الكيان "الإسرائيلي" أن يكون صاحب الضربة الأولى. وقدمت الولايات المتحدة ضمانات لـ"إسرائيل" بحمايتها إذا ما تعرضت للخطر، كما وفّرت لها المعلومات اللازمة من خلال وسائلها الاستخباراتية والأقمار الصناعية. أما الاتحاد السوفيتي الذي كان يُعدُّ حليفاً لمصر، فإنه ضغط أيضاً على مصر بألا تكون البادئة في الحرب،ولم يساعدها في الحصول على المعلومات اللازمة عن التحشدات الإسرائيلية.[108]
كانت هناك قناعات كافية لدى "الإسرائيليين" والأمريكان والروس أن عبد الناصر لا يريد الحرب، بل وغير مستعد فعليا لها، على الأقل من خلال حساب تحركات الج
يش المصري واستعداداته. لقد كان قرار الحرب "إسرائيلياً" وبغطاء أمريكي.
بدأت "إسرائيل" الحرب[109] صباح 5 يونيو 1967 بقصف تسعة مطارات مصرية على شكل موجات متعاقبة بين كل موجة وأخرى عشر دقائق، وخلال ثلاث ساعات (8:45صباحا – 12ظهراً) كان قد تم تدمير 80% من الطيران العسكري المصري وهو قابع على المدرجات دونما حركة. ويشير حسين الشافعي، نائب الرئيس المصري في ذلك الوقت، إلى وجود "مؤامرة" أو"خيانة" على مستوى عال في الجانب المصري. ويدلّل على ذلك بأنه رأى بنفسه الطائرات العسكرية المصرية المدمرة وهي مصفوفة بجانب بعضها وكأنما كانت معدة للتدمير حسبما ذكره في حديث لبرنامج شاهد على العصر الذي بثه تلفزيون الجزيرة القطري في نوفمبر 1999 .
وعلى أي حال، فقد تم إخراج سلاح الجو المصري من المعركة منذ الساعات الأولى، كما تم تدمير معظم سلاح الطيران السوري والأردني بنفس الطريقة، ومنذ الساعات الأولى للحرب مع الأردن وسوريا. وبذلك فقدت الجيوش العربية غطاءها الجوي، وأصبحت وحداتها العسكرية البرية ودباباتها ومدرعاتها فريسة سهلة للطيران "الإسرائيلي".
وقد تمكنت القوات البرية "الإسرائيلية" منذ ظهر 5 يونيو من اختراق الحدود المصرية، وتغلبت على المقاومة المحدودة التي واجهتها في غزة ورفح وخروبة وأبو عجيلة وبير جفجافة وغيرها،وتقدمت باتجاه قناة السويس. وفي الساعة الثامنة من مساء اليوم الثاني للمعركة (6يونيو) أصدر القائد العام للقوات المصرية عبد الحكيم عامر أمراً بالانسحاب من سيناء، على أن يتم خلال ليلة واحدة!!
وأعلنت مصر مساء 7 يونيو قبولها لوقف الحرب، وأبلغته إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بينما استكملت "إسرائيل" احتلالها لسيناء في 8 يونيو 1967.
وفي الجبهة الأردنية بدأت المعارك في 5 يونيو بعد أن دمرت الطائرات الإسرائيلية 32 طائرة هوكر هنتر (هي كل سلاح الطيران الأردني) في مدرجاتها في مطاري عمان والمفرق. وحدثت معارك في مناطق القدس وجنين وقباطية والخليل،ومع مساء 6 يونيو كانت الدفاعات الأردنية قد انهارت، وصدرت الأوامر بالانسحاب إلى شرق الأردن وفي 7 يونيو كان الكيان الإسرائيلي قد أنهى احتلاله للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. ودخل جنوده حرم المسجد الأقصى وهم يهزجون"محمد مات … خلف بنات" أي يقصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصرخون "يالثارات خيبر" معلنين انتقامهم لهزيمة اليهود على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر سنة 629م – 7هـ، قبل نحو 1340سنة .
أما المعارك على الجبهة السورية، فبدأت في 9 يونيو بعد فراغ القوات الإسرائيلية من جبهتي مصر والأردن، وانتهت في 10يونيو باحتلال الصهاينة الجولان السورية. وكان ذلك صدمة كبرى لما تتمتع به الجولان من مزايا استراتيجية وإمكانات تحصينية هائلة بوصفها منطقة جبلية، ولأن القيادة السورية كانت تتوعد الصهاينة بمصير أسود إذا اندلعت الحرب، بل وصل الأمر بإعلامها حدّاً جعل أحد أهازيجه تقول إن طائرات الميغ "تتحدى القدر"[110] بينما ظهر مقال في افتتاحية مجلة جيش الشعب السورية في 25 أبريل 1967 يدعو إلى "خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد … الذي يؤمن أن الله والأديان … وكل القيم التي سادت المجتمع السابق، ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ"!!![111] لقد كانت الاستهانة بعقيدة الأمة وتراثها إشارة إلى حالة الخواء وضعف إرادة القتال التي يعانيها هؤلاء.
كانت هذه هي المعركة – الكارثة التي انتظرتها الجماهير العربية بشوق وشغف مدة 19 عاما، وصحت على هول الصدمة التي نبهتها إلى حجم التضليل والخداع الذي كان يمارسه الإعلام العربي وقياداتهم السياسية.
وفيما يلي قائمة بما أمكن معرفته من خسائر الأطراف المشاركة في الحرب، فقد كانت خسائر القوت المصرية حوالي 10 آلاف من القتلى والمفقودين، وأسر 5500، ودمرت 80% من أعتدة الجيش المصري بينها 800 دبابة، و450 مدفعاً، 10 ألاف مركبة 305 طائرات (من أصل 360 طائرة) وخسرت القوات الأردنية 6049 قتيلاً و792 جريحا و150 دبابة، وخسرت القوات السورية حوالي ألف قتيل و560 أسيراً و60 طائرة (من أصل 120 طائرة) و70 دبابة، كما استولى الصهاينة على 150 دبابة. وبلغ عدد قتلى القوات الإسرائيلية حسب هيرتزوج 764 منهم 338 على الجبهة المصرية و285 على الجبهة الأردنية و141 على الجبهة السورية. وبلغ عدد الجرحى الصهاينة (حسب الموسوعة الفلسطينية) حوالي 800 على الجبهة المصرية، و1453 على الجبهة الأردنية، و306 على الجبهة السورية.[112] كما خسر الصهاينة 26 طائرة قتال و10 طائرات نقل على كل الجبهات.[113]
أما أبرز نتائج حرب 1967 فكانت:
1. احتلال "إسرائيل" لما تبقى من فلسطين أي الضفة الغربية (5878 كم مربع)، وقطاع غزة (363 كم مربع)، واحتلالها لسيناء المصرية (61198كم مربع) والجولان السورية (1150كم مربع)، ليصبح مجموع الأرض التي يسيطر عليها الكيان الصهيوني 89359 كم مربع.
2. تشريد نحو 330 ألف فلسطيني.
3. سيطرة الكيان الإسرائيلي على منابع مياه الأردن، وفتح مضائق تيران وخليج العقبة للملاحة "الإسرائيلية".
4. تشكيل الكيان الإسرائيلي لخطوط دفاع جديدة، وتوفير عمق إستراتيجي يَسهُل الدفاع عنه بشكل أفضل.
5. فرضُ احتلال جديد للأراضي العربية، جَعَلَ هدف العرب فيما بعد استرجاع هذه الأراضي المحتلة سنة 1967، وليس تحرير فلسطين المحتلة سنة 1948.
6. تدمير القوات العسكرية لمصر والأردن وسوريا.
7. انكشاف ضعف القيادات العربية،وانعدام التنسيق فيما بينها، وعدم جديتها في تحرير فلسطين. 8. ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة وتعاظمها وبروز الهوية الوطنية الفلسطينية التي قرّرت أن تأخذ زمام المبادرة بعد أن تبين لها مدى الضعف العربي.
حرب أكتوبر 1973:
أحدثت حرب 1967 جُرحاً غائراً في الكرامة العربية، فحاولت الأنظمة العربية استيعاب الصدمة وتوقي غضب الجماهير، فاجتمع الزعماء العرب في الخرطوم في 29 أغسطس – 1 سبتمبر 1967 معلنين أن لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف بالكيان الإسرائيلي،وتعهدت الدول العربية بدعم دول الطوق لإعادة بناء قواتها المسلحة. ووجدت الأنظمة العربية نفسها – راضية أو راغمة – تفتح المجال للعمل الفدائي الفلسطيني، الذي نشط بقوة خصوصا في الفترة 1967- 1970 عبر ساحات دول الطوق. ودخلت مصر وسوريا في حرب استنـزاف مع الكيان الإسرائيلي خصوصا في الفترة من أغسطس 1968 إلى أغسطس 1970، أسهمت إلى حد ما في إعادة الثقة ورفع المعنويات لدى الجيشين المصري والسوري، بعد أن تمت مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية والقيام بعدد من الهجمات التكتيكية. وحسب هيرتزوج فقد خسر الصهاينة في حرب الاستنـزاف نحو 500 قتيل و2000 جريح.[113]
غير أن حرب الاستنـزاف لم تؤد إلى تسخين الوضع بما يكفي لتدخل دولي يجبر الكيان الإسرائيلي على الانسحاب. مما جعل تفكير قيادة الأنظمة العربية يتركز على شن حرب محدودة محسوبة الخطوات، لعلها تعيد الوضع إلى حدود ما قبل حرب 1967 سواء بنصر عسكري أو بضغط دولي ينشأ عن تحريك الوضع في المنطقة، بعد أن أرادت "إسرائيل" وأمريكا تجميد الوضع، ليحقق عامل الزمن أقصى درجات الفائدة للكيان الإسرائيلي.
لقد كان واضحا منذ البداية أن هدف العرب من حرب أكتوبر هو "إزالة آثار عدوان 1967"، وليس تحرير فلسطين والقضاء على الكيان الصهيوني.
شكلت القيادتان السياسيتان المصرية والسورية "المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية – السورية المشتركة". وعينتا الفريق أول أحمد إسماعيل علي، القائد العام للقوات المسلحة المصرية، قائداً عاما للقوات المسلحة الاتحادية (مصر وسوريا)، ورئيساً للمجلس بدءاً من 10 يناير 1973. وتولى هذا المجلس الإعداد والتخطيط للحرب. وفي 25 فبراير 1973 اجتمع الرئيسان السوري والمصري في برج العرب غرب الإسكندرية واتخذا قراراً بالحرب. وقد سميت خطة الحرب"خطة بدر"، حيث انتُهى من إعداد تصوراتها في صيف 1973.[114] وفي 24 سبتمبر 1973 لاحظ "الإسرائيليون" وجود استعدادات سورية – مصرية للحرب، وتم اتخاذ حالة التأهب الأدنى، وأخذت التقارير تتولى لدى القيادة "الإسرائيلية" لكنها كانت لا تزال تشك في جدية الهجوم وتوقيته، وقامت في 3 أكتوبر بدعوة الاحتياط، وأعلنت حالة التأهب في 5 أكتوبر. وتأكد لدى القيادة "الإسرائيلية" أن سوريا ومصر ستشنان الحرب في 6 أكتوبر لكنها كانت مترددة في توجيه الضربة الأولى. وعندما اندلعت الحرب في الساعة بعد ظهر 6 أكتوبر لم تفاجأ بها القيادة الإسرائيلية، لكن كان من الظاهر أنه كان لها وقع المفاجأة على القوات الإسرائيلية، خصوصا في قناة السويس، مما يدل على أن الإجراءات الإسرائيلية لم تكن جادة بما يكفي لدخول لحرب.[115]
بدأت الحرب بهجوم 300 طائرة مصرية وسورية ضد المواقع الإسرائيلية، وفتحت آلاف المدافع في الوقت نفسه نيرانها على طول جبهات القتال في قناة السويس والجولان. واندفعت القوات المصرية لتحطيم خط الدفاع الإسرائيلي شرقي القناة "خط بارليف" في بضعة ساعات، رغم أنه يعد من أقوى وأعقد خطوط الدفاع العسكرية. ونجحت القوات المصرية خلال ثلاثة أيام في الزحف لمسافة 12- 15كم على الامتداد الشرقي لقناة السويس. غير أنها قامت في الفترة من 9-13 أكتوبر "بوقفة تعبوية" أدت لهدوء نسبي على الجبهة المصرية المشتركة. وحسب الخطة المصرية – السورية المشتركة كان ينبغي على القوات المصرية الاستمرار في الزحف للسيطرة على منطقة ممرات متلا والجدي بعمق 50كم تقريباً شرقي القناة، ثم تطوير الهجوم بعد ذلك شرقاً حسب تحسن ظروف القتال. لكن القيادة المصرية (التي كانت تشهد بعض الخلافات في الرؤى العسكرية) أخفت نيتها عن سوريا بالتوقف على عمق حولي 12 كم فقط، لأنها ترى أن شبكة الحماية الصاروخية المضادة للطائرات لا تكفي أكثر من هذا المدى لتغطية تقدم القوات المصرية. وبسبب الضغط السوري قامت القوات المصرية باستئناف هجومها في 14 أكتوبر لكنها منيت بخسائر جسيمة، ففقدت حوالي 250 دبابة، بعد أن ابتعدت عن المظلة الصاروخية، فقررت في نهاية اليوم العودة إلى مواقعها.
استفادت القوات الإسرائيلية من الوقفة التعبوية المصرية، ومن الجسر الجوي الأمريكي الذي زودها بكميات هائلة من الأسلحة المتطورة، فأعادت ترتيب قواتها، وأخذت زمام المبادرة الإستراتيجية. وقامت مساء 15 أكتوبر بتنفيذ خطة "القلب القوي" التي اشتهرت باسم "الغزالة"، والتي تُنسب إلى الجنرال أرييل شارون. وقبل فجر 16 أكتوبر تمكنت بقيادة شارون من اختراق الخطوط المصرية وعبور قناة السويس، وفتح "ثغرة الدفرسوار" غربي القناة، إلى الجنوب من مدينة الإسماعيلية. وعندما صدر قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار كان أقصى عمق"إسرائيلي" غربي القناة يبلغ 25-30كم. غير أن القوات "الإسرائيلية" تابعت هجومها، فاستكملت تطويق قوات الجيش الثالث المصري شرقي القناة، واستولت على ميناء الأدبية جنوب غربي السويس، ووصلت إلى نقطة الكيلومتر 101، أي 101كم شرقي القاهرة. وتم توقيف إطلاق النار نهائيا في 28 أكتوبر 1973.[116] ولولا المقاومة الشعبية البطولية للشيخ حافظ سلامة وإخ
انه لسقطت مدينة السويس نفسها.
وعلى الجبهة السورية، حقق الهجوم السوري نجاحات أولية سريعة فاخترق خط الدفاع الإسرائيلي بعمق 20كم داخل هضبة الجولان، وجرت معارك ضارية، غير أن تفوق القوات الجوية "الإسرائيلية" ساعد القوات البرية على صد الهجوم السوري. وتحولت القوات الإسرائيلية إلى الهجوم المضاد في 8 أكتوبر، وبعد يومين كانت قد استعادت ما فقدته في الجولان. وأخذت تهاجم مناطق شمال شرق الجولان، وتمكنت من احتلال ما عرف "بجيب سعسع" الذي ذُكر أنه شمل 39 قرية سورية لم تكن محتلة من قبل وبمساحة 551كم مربع، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى مسافة 25كم من دمشق. ووصلت إلى سوريا قوات عراقية وأردنية للمساعدة، وقامت سوريا بالتجهيز لهجوم مضاد، غير أنه ذُكر أن موافقة مصر على قرار مجلس الأمن بوقف الحرب في 22 أكتوبر قد فاجأ السوريين، مما اضطرهم لإيقاف الحرب. وبعد ذلك استؤنفت حرب استنـزاف استمرت نحو 80 يوما (13 مارس ـ 31 مايو 1973) لتتوقف حين تم التوقيع على اتفاقية فصل القوات.[117]
وعقدت مصر اتفاقية فك الاشتباك مع الكيان الإسرائيلي في 18 يناير 1974 نصّت على انسحاب القوات الإسرائيلية من غربي القناة إلى مسافة تبعد 20-30كم من شرقي قناة السويس، واحتفاظ مصر بقوات محدودة في الأراضي التي استرجعتها شرقي القناة (بعمق 8 – 12كم). وفي 21 فبراير 1974 كانت القوات الإسرائيلية قد انسحبت من غربي القناة "ثغرة الدفرسوار". وعُقدت اتفاقية فصل القوات بين سوريا والكيان الإسرائيلي في 31 مايو 1974، وبناء عليها، انسحبت الإسرائيلية القوات من جيب سعسع (551كم مربع)، الذي احتلته في حرب 1973، ومن مدينة القنيطرة وبعض ما حولها، والتي احتلتها سنة 1967 (112كم مربع).[118]
وقد أظهرت الدول العربية تضامناً قوياً مع مصر وسوريا في الحرب وأرسلت تسع دول عربية قوات عسكرية محدودة للمشاركة في الحرب. واستخدام العرب لأول مرة سلاح النفط، فقررت الدول العربية المنتجة للنفط في اجتماعها في الكويت في 17 أكتوبر 1973 تخفيض إنتاجها بنسبة 5% شهرياً وتطبيق حظر كامل على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة وهولندا. وفي 22 أكتوبر قرر وزراء النفط زيادة نسبة خفض الإنتاج إلى 25%. وحرصت الدول النفطية في قراراتها ألا تتضرر الدول المؤيدة للعرب من حظر النفط. وقد أدى حظر النفط إلى مواجهة الدول الغربية أزمة شديدة في الإنتاج والتصنيع وشئون الحياة اليومية، وولّدت مخاوف كبيرة من أزمات اقتصادية حادة في تلك البلدان. ولفتت انتباه مواطني الدول الغربية إلى دعم بلدانهم للظلم الذي يقع في فلسطين، وإلى انعكاسات هذه القضية على حياتهم اليومية. ورغم أن الحظر النفطي استمر أشهراً قليلة إلا أنه كان ذا تأثير فعال.[119] واستفادت الدول العربية النفطية من تضاعف أسعار النفط مرات عديدة في مضاعفة إيراداتها وتحسين اقتصادياتها.
ولا تجنح المصادر العربية لذكر خسائر الحرب، وخصوصا خسائر الجانب العربي، وقد قدّرت مصادر غير عربية عدد قتلى الكيان الإسرائيلي بـ2552 قتيلا، والمصريين 7700 شهيداً، والسوريين 3500 شهيداً. وقال هيرتزوج إنه على الجبهة السورية قتل 772 "إسرائيلياً" وجرح 2453 وأسر 65، ودمرت 250 دبابة "إسرائيلية"، وأنه تم تدمير 1150 دبابة 222 طائرة سورية، أما على الجبهة المصرية فتم تدمير 292 طائرة مصرية،وقال إنه تم تدمير 102 طائرة إسرائيلية على الجبهتين السورية والمصرية.[120] وقالت الموسوعة – الفلسطينية إن الإسرائيليين خسروا في الأيام الأولى خمسة آلاف قتيل و400 أسير و800 دبابة و120 طائرة.[121]
وكان من أبرز نتائج حرب 1973:
1. كسر أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، وتحطيم نظرية الأمن الإسرائيلية، وإثبات إمكان استعادة أجزاء من الأراضي المحتلة على الأقل بالقوة العسكرية.
2. أخذ العرب زمام المبادرة، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم الإستراتيجي، وإثبات كفاءة وشجاعة المقاتل العربي.
3. تحقيق قدر عال من التضامن العربي، من خلال المشاركة العسكرية، ومن خلال استخدام سلاح النفط.
4. تحقيق شعور بالثقة بالنفس،وارتفاع المعنويات بعد سنوات من الهزيمة والإحباط.
5. استخدام الأنظمة العربية – خصوصا مصر – النتائج السابقة لتحريك الأوضاع السياسية، ومحاولة الوصول إلى تسوية سلمية مع الكيان الإسرائيلي، تضمن عودة الأراضي المحتلة سنة 1967.
المقاومة الفلسطينية 1949 – 2001
أولا: مرحلة المد القومي العربي 1949- 1967
علق الفلسطينيون آمالهم بتحرير فلسطين-في هذه المرحلة بشكل عام على الأنظمة العربية، وخصوصا مصر بزعامة جمال عبد الناصر، وكان شعار "الوحدة طريق التحرير" هو الشعار البراق لهذه المرحلة. وقد تم تغييب دور القيادة الوطنية الفلسطينية بزعامة الحاج أمين الحسيني،في الوقت الذي ضُمَّت فيه الضفة الغربية إلى الأردن، ووضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية. غير أن شعور العديد من الفلسطينيين في النصف الثاني من هذه المرحلة بعدم جدية الأنظمة العربية في عملية التحرير دفعهم إلى إنشاء منظمات فدائية وطنية كان أبرزها حركة فتح، كما أن الأنظمة اضطرت لفتح المجال للفلسطينيين للتعبير عن "كينونتهم" وهويتهم ضمن أطر يمكن ضبطها ومتابعتها فكان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 بدعم مصري. والحديث عن هذه المنظمات والتنظيمات موجود في فصل آخر من هذا الكتاب.
لقد كان هول الصدمة عظيماً على الفلسطينيين إذ وجد 800 ألف منهم (60% من شعب فلسطين) أنفسهم لاجئين مشردين بعد أن فقدوا ما يملكون. وعاش معظمهم في خيام بالية دون عمل أو مصدر رزق في ظروف اقتص
ادية وصحية واجتماعية ونفسية قاسية. وكانوا يعرفون أرضهم ومساكنهم التي طردوا منها بدقة فما كانوا بحاجة لخرائط توضح لهم الطريق إليها، وكانوا ينظرون بحسرة وألم عبر حدود الهدنة مع الكيان الصهيوني. ولذلك تميزت الفترة 1949-1956 بكثرة عمليات اختراق الحدود الفردية لاسترجاع ممتلكات للعائلات، أو للانتقام من الصهاينة الغاصبين. واتخذت المقاومة الفلسطينية في هذه المرحلة أشكالاً بسيطة محدودة التأثير، بانتظار دور عربي حاسم. وتزايد الانتماء الفلسطيني للمنظمات التي ترفع شعارات التحرير سواء كانت قومية ناصرية أو بعثية، أو إسلامية (إخوان مسلمون وتحرير)، أو يسارية وشيوعية.
لقد كانت عمليات اختراق الحدود كثيرة جداً خصوصا قبل عام 1957 لدرجة أنها كانت تتم بشكل شبه يومي، وبالذات عبر قطاع غزة والضفة الغربية. وتشير التقارير التي كانت ترسلها السفارات البريطانية في تل أبيب وعمان والقاهرة، والتي كانت تحصل عليها عن طريق مصادرها الخاصة أو عن طريق لجان مراقبة الهدنة، إلى كثرة هذه العمليات وإلى شكاوى "إسرائيلية" مُرَّة بسببها، فينقل أحد التقارير أن حوادث الاختراق الحدودي من جهة الأردن فقط سنة 1952 بلغت 1533 (بمعدل 4.1 حادث يومياً) وكان منها 14 حادث قتل، و37 حادث "نهب"، و252 صداماً (مسلحاً)، و1077 حادث "سرقة"، و142 "محاولة سرقة" و11 عملية "تخريب". وقد أدى ذلك إلى وقوع 207 قتلى و94 جريحا، وتم القبض على 1851 شخصاً[122]. وأشار تقرير آخر إلى أن حوادث اختراق حدود الهدنة من جهة الأردن من ديسمبر 1953 – نوفمبر 1954 بلغ 725 حادثاً.[123] كل هذا رغم أن جلوب باشا رئيس أركان الجيش الأردني كان يؤكد دائما أن الأجهزة العسكرية والأمنية تفعل ما بوسعها لمنع هذه الاختراقات.[124] وسجل المفتش العام للشرطة الإسرائيلية مثلاً في الفترة من سبتمبر 1954 – فبراير 1955 تسعة حوادث قتل و140 حالة "نهب وسرقة" عن طريق قطاع غزة.[125]
ويبدو أن عمليات الاختراق الحدودي اتخذت أبعاد أكثر تنظيماً منذ أوائل سنة 1953 بتولي مجموعات فدائية فلسطينية منظمة عمليات فدائية. ونُقل عن تقرير للسفارة البريطانية في تل أبيب في 14 أبريل 1953 أن الاختراق الحدودي من قطاع غزة هو عمل بعض المنظمات السياسية المتطرفة، وأن الحكومة المصرية لا تشجعها، ولكنها لا تعمل ما يكفي لمنعها.[126] وظهرت بعد ذلك في تواريخ مختلفة إشارات إلى دور الإخوان المسلمين في العمليات واعتراف السلطات المصرية بذلك.[127]
وحسب تصريح أدلى به بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي في الكنيست في مارس 1956 فإن عدد الإصابات الإسرائيلية بسبب الحوادث الحدودية سنة 1951 بلغ 137 إصابة، وفي سنة 1952 بلغ 147 إصابة، وسنة 1953 بلغ 162 إصابة، وسنة 1954 بلغ 180 إصابة، وسنة 1955 بلغ 258 إصابة.[128] أما حسين أبو النمل فينقل إحصائية تذكر أن عدد قتلى الإسرائيليين منذ توقيع وقف إطلاق النار في مارس 1949 وحتى حرب اجتياح القطاع وسيناء في آخر أكتوبر 1956 قد بلغ 1176 قتيلاً.[129]
وفي قطاع غزة، حيث كان الإخوان المسلمون يشكلون القوة الشعبية الأولى حتى سنة 1955، شكلوا تنظيما سرياً جهادياً كانوا ينتقونه من بين عناصرهم. ويظهر لكاتب هذه السطور بعد مقابلات عديدة أجراها أن هذا التنظيم كان على علاقة بالنظام الخاص للإخوان المسلمين المصريين. وكان يتولى توجيهه كامل الشريف من منطقة العريش وكان صلة الوصل محمد أبو سيدو حيث يتولى مسؤولية التنظيم وإيصال الأوامر إلى أفراده في القطاع الذي كان مقسوماً إلى ثلاثة أقسام. وكان أبو جهاد خليل الوزير مسؤولاً في منطقة غزة (شمال القطاع)، (خ.أ) في خان يونس (المنطقة الوسطى)، ومحمد يوسف النجار في رفح (جنوب القطاع). وقد نفذ هذا التنظيم عدداً من العمليات الفدائية خصوصاً التعاون مع البدو عن طريق عبد الله أبو مريحيل ومحمد حسن الأفرنجي. وقد استفاد الإخوان من وجود ضباط مصريين إسلاميين في الجيش المصري قاموا بتدريبهم سراً من أمثال عبد المنعم عبد الرؤوف.[130]
ومن العمليات المهمة التي أثارت دوياً كبيراً عملية الباص في 17 مارس 1954 حيث هاجمت مجموعة فدائية باصاً إسرائيلياً على طريق إيلات – بير السبع، قرب معاليه أكربيم مما أدى إلى مقتل 11 إسرائيلياً وجرح 3 آخرين. وقد عدَّها رئيس الوزراء الإسرائيلي عملية عسكرية مدبرة بعناية، وأشارت التحقيقات إلى أن مركز المجموعة الفدائية هو القسيمة جنوب شرقي العريش في سيناء، وأشير إلى احتمال أن يكون الإخوان المسلمون وراءها، كما وضعت احتمالات أخرى كأن تكون من تدبير جماعة المفتي الحاج أمين …[131]
وكانت العمليات الفدائية تُقابل بردود فعل متغطرسة من الكيان "الإسرائيلي"، فيقوم بارتكاب المذابح وقصف المدنيين.وقد أحدثت مذبحة غزة، التي قامت بها القوات الصهيونية في 28 فبراير 1955 وقتلت 39 شهيدا وجرحت 32 آخرين، أحدثت انتفاضة عارمة في القطاع في الأول من مارس 1955 تطالب الحكومة المصرية بإعطاء الحرية للعمل الفدائي الفلسطيني، وتوفير السلاح.[132] ووافقت الحكومة المصرية تحت هذا الضغط، ووضعت العمل الفدائي تحت إشراف الضابط المصري مصطفى حافظ الذي قام بواجبه خير قيام. وقد تدفق الآلاف للتطوع، غير أنه تم انتقاء العناصر ذات الخبرات القتالية والمعرفة بالأرض، وزاد عدد الفدائيين العاملين عن ألف. وقاموا بعمليات يومية خاطفة، وأحيانا بعمليات كبيرة واسعة. وقد نشط هذا العمل بدءاً من شهر سبتمبر 1955 وحتى أكتوبر 1956. وكان من أبرز العمليات: العملية التي شارك فيها أكثر من 300 فدائي توغلوا حتى عمق 47كم ووصلوا إلى مسافة 15كم إلى الجنوب من تل أبيب. و
قد قسموا أنفسهم إلى مفارز متعددة، قامت بالكثير من العمليات، وأثارت الرعب في الكيان الإسرائيلي، وقد تواصلت عملياتهم أسبوعاً كاملاً 6- 13 أبريل 1956. وقد استشهد مصطفى حافظ في 14 يوليو 1956 نتيجة انفجار طرد ملغوم، أرسله له رجال الموساد "الإسرائيلي" عن طريق عميل مزدوج.[133]
وقد توقف العمل الفدائي عن طريق قطاع غزة إثر الاحتلال "الإسرائيلي" للقطاع وسيناء (آخر أكتوبر 1956 – 6 مارس 1957)، وبعد تعهد الرئيس عبد الناصر بإغلاق الحدود في وجه الفدائيين.
وكان المصريون قد حاولوا في أثناء فترة تبنيهم للعمل الفدائي تصعيد هذا العمل عن طريق حدود الأردن وسوريا ولبنان، وأشارت التقارير إلى تجنيد حوالي 200 فدائي في الأردن، وإلى دور الملحق العسكري المصري في الأردن في ذلك، وإلى وجود شخصيات فلسطينية تتولى تنظيم هذا العمل خصوصاً في منطقة الخليل، وإلى دعم المفتي الحاج أمين لهذا العمل، وإلى تمويل السعودية وتشجيعها للعمل الفدائي. ومن الملفت للنظر أن العمليات الفدائية قد نشطت عن طريق الضفة الغربية إثر الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، وتحدثت التقارير عن قدوم ألفي شاب إلى منطقة الخليل أعمارهم تتراوح بين 18- 25 سنة ويفترض أنهم جاهزون كاحتياط للوحدات الفدائية العاملة في الأردن.[134] واشتكت جولدا مائير في خطابها في الأمم المتحدة في 17 يناير 1957 أنه حدث منذ 3 ديسمبر 1956 حوالي 30 هجوماً على الكيان الإسرائيلي. وقالت مذكرة أعدتها الخارجية البريطانية في 12 مارس 1957، أن عدداً أكبر من العمليات حدث في الأسابيع الستة الماضية معظمها عن طريق الأردن.[135]
ويبدو أنه بعد التعهد المصري بإغلاق الباب في وجه العمل الفدائي والانسحاب الإسرائيلي من القطاع في مارس 1957، وبعد ضبط الأمور أمنياً بشكل أقوى في الأردن إثر حدوث المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد الملك في العام نفسه، وقيام الأردن بحظر أنشطة الأحزاب السياسية، فإن العمل الفدائي تعرض لانتكاسة كبيرة، ودخل في حالة من الجمود، جعلت الفلسطينيين يتطلعون إلى أشكال جديدة من العمل الفدائي.
وتعد الفترة 1957- 1964 فترة مخاض في تاريخ المقاومة الفلسطينية، إذ أخذت تظهر العديد من المنظمات الفدائية الفلسطينية كان أبرزها حركة فتح التي أنشأها ابتداء وانحاز إليها رجال الإخوان المسلمين الراغبين في تفجير الثورة ضمن مشروع وطني فلسطيني، والجبهة القومية لتحرير فلسطين المعروفة باسم "شباب الثأر" وهي تنظيم إقليم فلسطين التابع لحركة القوميين العرب، والتي بدأت عملياتها في نوفمبر 1964، وجبهة تحرير فلسطين بزعامة أحمد جبريل التي بدأت عملياتها حوالي 1965. ومنذ انطلاقة العمليات المسلحة لحركة فتح، وحتى حرب يونيو 1967، قام جناحها العسكري "العاصفة" بشنِّ 200 عملية مسلحة.[136]
وقد اتهمت الأنظمة العربية الفدائيين بالعمالة والرجعية، ومحاولة جرها للحرب مع العدو قبل الأوان، وقامت بملاحقة أفرادها وسجنهم، ومنعهم من التحرك والعمل. وسُجن ياسر عرفات في سجن المزة السوري 51 يوماً، وعذب بعض الفدائيين وماتوا في السجون العربية.[137]
وعندما أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 قامت بإنشاء جيش التحرير الفلسطيني على أسس الجيوش النظامية، ووضعت 85% من موازنتها لهذا الجيش، وتم تدريب عدد من الكوادر في الكليات العسكرية العربية، وبعض الدول الصديقة. وفي البلاد العربية التي رحبت بوجود هذا الجيش، تم تكوين وحدات عسكرية اعتمدت أساساً على الدول المضيفة في أمور التدريب والتسليح والدعم المالي. وسُمِّيت وحداته العسكرية في سوريا باسم قوات حطين، وفي قطاع غزة باسم قوات عين جالوت، وفي العراق باسم القادسية، أما الأردن ولبنان فرفضتا الوجود الفلسطيني المسلح. وقد وصل حجم جيش التحرير إلى ستة آلاف رجل، غير أن هذا الجيش من الناحية العملية لم يكن أكثر من وحدات عسكرية في الجيوش السورية والمصرية والعراقية تشرف عليه م.ت.ف اسمياً، وسعت الأنظمة العربية إلى تأكيد ولاء أصحاب الرتب العالية لها. ولم يخض هذا الجيش أية أعمال عسكرية، بسبب طبيعته النظامية حتى اندلاع حرب 1967.[138]
ثانيا: مرحلة 1967- 1987
اختلفت "تضاريس ومناخات" عمل المقاومة الفلسطينية في هذه المرحلة بحيث يمكن تجزئتها إلى مراحل أصغر. فقد سمّى أحد الباحثين المرحلة حتى سنة 1970 بمرحلة "الطوق الكامل" حيث كان العمل الفدائي يستخدم كافة الحدود العربية مع الكيان الإسرائيلي، والمرحلة 1970- 1982 مرحلة "الطوق المنقوص" حيث عملت أساساً من خلال الحدود اللبنانية، بعد أن خسرت قدرتها على العمل من خلال الحدود الأردنية والمصرية، ولم تستفد إلا بشكل ضئيل من الحدود السورية، والمرحلة 1982- 1987، مرحلة "الطوق المفقود" بعد أن أُجبرت على الخروج من لبنان.[139] غير أن ما يجمع هذه الفترة في مرحلة واحدة كونها تمثل الإصرار الفلسطيني على خيار المقاومة، وتمركُز عمل المقاومة وقيادتها في خارج فلسطين المحتلة.
كانت الفترة 1967- 1970 هي الفترة الذهبية للعمل الفدائي الفلسطيني والثورة الفلسطينية، فقد أخذ الفلسطينيون زمام المبادرة في مواجهة المشروع الصهيوني، بعد أن انكشف لهم مدى ضعف الأنظمة العربية إثر هزيمة 1967. واضطرت الأنظمة تفادياً لموجات الغضب الشعبي لإفساح المجال أمام العمل الفدائي الفلسطيني، الذي استطاع أن يبني قواعد قوية وواسعة خصوصاً في الأردن ولبنان. واستطاعت المنظمات الفدائية بقيادة حركة فتح الوصول إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، حيث تولى رئاستها منذ فبراير 1969 ياسر عرفات.
وق
كانت هناك حوالي ثلاثين منظمة فدائية ذات أيديولوجيات وطنية وقومية واشتراكية وشيوعية. ولم يتوفر للإسلاميين منظمة فدائية بسبب الأجواء العدائية ضدهم، لدرجة أنه تم سحق منظمة حاول الحاج أمين الحسيني إنشاءها، غير أن العديد من الإسلاميين عملوا من خلال فتح.
وكانت معركة الكرامة في 21 مارس 1968 إنجازاً مادياً ومعنوياً كبيراً للعمل الفدائي الفلسطيني وخصوصا "فتح" حيث قتل 70 إسرائيلياً وجرح أكثر من 100 آخرين فيما استشهد نحو مائة فدائي، واستشهد من الجيش الأردني الذي شارك بفعالية 60 شهيداً وجرح 65 آخرون.[140] وقد اندفع بعد هذه المعركة التي أثبتت فعالية العمل الفدائي، وإمكانية كسر التحدي الصهيوني عشرات الآلاف للتطوع. وخلال 48 ساعة كان قد طلب خمسة آلاف شخص الانضمام إلى فتح، فقبلت 900 فقط حسب إمكانياتها ومعاييرها. وأخذت العمليات الفدائية تتطور نوعاً وكماً من 12 عملية شهرياً سنة 1967، إلى 52 عملية شهرياً سنة 1968، إلى 199 عملية سنة 1969، إلى 279 عملية شهريا في الأشهر الأولى من سنة 1970.[141]
وأَسّس الإخوان المسلمون معسكرات الشيوخ في الأردن 1968-1970 حيث عملوا تحت غطاء حركة فتح مع احتفاظهم باستقلالية إدارية داخلية. وقد تم تدريب حوالي 300 رجل توزعوا على سبع قواعد فدائية. ورغم محدودية إمكاناتهم ومشاركتهم فقد قدموا نماذج متميزة في عمليات قوية كالحزام الأخضر 31 أغسطس 1969، ودير ياسين 14 سبتمبر 1969، وسيد قطب 28 أغسطس 1970، واستشهد منهم 13 رجلاً.[142]
وفي فترة السبعينيات من القرن العشرين، وجد العمل الفدائي الفلسطيني نفسه مستنـزفاً في معمعة الخلافات مع الأنظمة العربية. إذ فقد قاعدة وجوده في الأردن، بعد الاشتباكات المسلحة العنيفة مع الجيش الأردني في سبتمبر 1970 ويوليو 1971. وعانى العمل الفدائي من الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) حيث استهدفت القوى التي فجرت تلك الحرب، ممثلة بحزبي الكتائب والوطنيين الأحرار المسيحيين، الوجود الفدائي الفلسطيني أساساً. كما عانى الفدائيون من تذبذب العلاقات مع سوريا، ومن تدهورها مع مصر منذ منتصف السبعينيات، مما أضعف قدرتهم على الفعل النضالي العسكري. غير أن المقاومة الفلسطينية تمكنت من الاحتفاظ بقاعدتها في لبنان حتى سنة 1982، واستمرت في عملياتها عبر الحدود اللبنانية، وإن كانت بمعدلات أقل.
ومن العمليات النوعية التي تجدر الإشارة إليها عملية سافوي التي قامت بها فتح في تل أبيب في 6 مارس 1975 وأدت إلى مقتل وجرح خمسين جندياً وخمسين مدنياً، وعملية كمال عدوان التي قامت بها فتح أيضا بقيادة دلال المغربي في 11 مارس 1978، مما أدى إلى مقتل 37 وجرح 82 من الصهاينة. وبرزت الجبهة الشعبية في عمليات اختطاف الطائرات خصوصا سنة 1970 والتي أثارت دويّاً عالمياً واسعاً، وقام أفرادها – بالتعاون مع الجيش الأحمر الياباني – بالهجوم على مطار اللد (المطار الرئيس في الكيان الإسرائيلي) في 30 مايو 1972، مما أدى إلى مقتل 31 وجرح 80 آخرين. ونفذت الجبهة الشعبية – القيادة العامة عملية الخالصة في 11 أبريل 1974 مما أدى إلى مقتل 18 إسرائيلياً وجرح 15 آخرين، كما نفذت الجبهة نفسها عملية الطائرة الشراعية في نوفمبر 1987. ونفذت الجبهة الديموقراطية عمليات مهمة مثل عملية ترشيحا في 15 مايو 1974 التي أدت إلى مقتل 27 إسرائيلياً وجرح الكثير، وعمليات بيسان وطبرية وعين زيف والقدس.[143]
وقامت منظمة أيلول الأسود (التي يشتبه بصلتها السرية بحركة فتح) بعدد من العمليات التي أحدثت دويا عالمياً، لأنها استهدفت المشروع الصهيوني ومؤيديه في العالم، خصوصا في الفترة 1971- 1973. وكان من أبرز عملياتها عملية ميونيخ في 5 سبتمبر 1972 التي استهدفت الرياضيين الإسرائيليين في دورة الألعاب الأولمبية بغية مبادلتهم بأسرى في السجون الإسرائيلية. وقد أدت العملية إلى مقتل 11 رياضياً إسرائيلياً واستشهاد خمسة فدائيين.[144]
وفي أواخر السبعينيات، وبعد أن أخذ التيار الإسلامي يستعيد شعبيته، ظهر تنظيم "أسرة الجهاد" في الأرض الفلسطينية المحتلة سنة 1948 والذي قام بعشرات العمليات إلى أن قضي عليه سنة 1980. كما بدأ الإخوان المسلمون بالإعداد السري للعمل المسلح، لكن انكشاف الأمر سنة 1984 أدى للقبض على زعماء التنظيم وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين. وأخذت حركة الجهاد الإسلامي بالتكون منذ مطلع الثمانينيات وتنفيذ العمليات، وقام تنظيم سرايا الجهاد بتنفيذ عمليات نوعية أهمها عملية باب المغاربة في 16 أكتوبر 1986 والتي أوقعت حوالي ثمانين إصابة في جنود العدو الصهيوني.
وكانت المواجهات العسكرية العنيفة مع العدو الصهيوني أحد السمات البارزة للفترة 1970- 1982 خصوصاً على الساحة اللبنانية. فقد ظل الكيان الصهيوني يقوم بعمليات متواصلة ضد قواعد الفدائيين في لبنان، بل وضد المدنين وقراهم ومحاصيلهم ليوجد جواً من العداء للثورة، وليحاول معاقبة أولئك الذين يدعمونها. أما بالنسبة لقوات الثورة الفلسطينية، فقد كان أعداد أفرادها في لبنان (من مختلف المنظمات الفدائية) بحدود 12- 15 ألف مقاتل،[145] وكانت تتمتع بإرادة قتال عالية، ومرونة في الحركة، وخبرة في حرب العصابات، كما وفرت لنفسها تسليحاً خفيفاً ومتوسطاً متناسباً مع وجودها في بلد عربي مضيف.
وكان من أبرز الحملات الإسرائيلية على الفدائيين في لبنان الهجمات المتتابعة على منطقة العرقوب 1970- 1972، وعملية اغتيال ثلاث من قيادات منظمة التحرير في بيروت في 10 أبريل 1973،وهم محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر. وفي الفترة 14- 21 مارس 1978 شنت القوات الإسرائيلية عملية اجتياح واسعة للجنوب ال
بناني. وقد وجوبهت بمقاومة فلسطينية عنيفة استخدمت أسلوب حرب العصابات. غير أن القوات الإسرائيلية أقامت شريطاً "أمنياً" حدودياً في جنوب لبنان على طول الحدود مع فلسطين المحتلة، ونصّبت الرائد اللبناني المنشق سعد حداد قائداً للشريط، حيث أعلن فيما بعد في 19 أبريل 1979 ما أسماه "دولة لبنان الحر" التي كانت في حقيقتها منطقة استعمار صهيوني بوجه لبناني عميل، يسعى لحماية اليهود في شمال فلسطين المحتلة. وقد استشهد في عملية الاجتياح هذه حوالي 700 لبناني وفلسطيني معظمهم من المدنيين.[146]

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

معرض الوسوم