Professeur docteur oussama chaalane

لقد تغيرت الحضارة المادية في غربي أوراسيا ما بين 40000 و 45000 سنة مضت أكثر مما تغيرت أثناء المليون سنة الماضية. إن هذا الازدهار في مجال الإبداع الفني والتقاني يدل، في نظر بعض الملاحظين في الوقت الحاضر، على ظهور أول حضارة بشرية مؤكدة تميزت باكتشافات متواصلة متنوعة.

وأثناء تلك الفترة القصيرة من الزمن التي بلغت 5000 سنة أو نحو ذلك تنوعت الأدوات الحجرية، التي ظلت على مر العصور محافظة على أشكالها الأساسية، تنوعا كثيرا من قرن إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى.

وبتعبير علمي أدق حدّد هذا التغير الحضاري الانتقال من العهد الباليوليتي الأوسط Middle paleolithicage إلى العهد الباليوليتي الأعلى. لماذا حدث هذا التغير؟ ولماذا حدث في هذه الفترة بالذات؟ سؤالان يشكلان اثنتين من أكثر المشكلات بروزا في الباليوأنثروبولوجيا (علم البشر القديم) paleoanthropology. إن الأجوبة عن هاتين المشكلتين قد تفسر الكثير من الغموض المتعلق بطبيعة وظهور الإنسان العاقل Homo sapiens ذي البنية الحديثة.

لقد ظُن لبضع سنوات أن علم البيولوجيا (الأحياء) قد يقدم تفسيرا دقيقا للتغير الحضاري. فقد كان هناك نمطان من البشر: الأول هو إنسان نياندرتال Neanderthal، الذي كان أقدم (كما كان يُظن) وأقوى من الثاني المسمى إنسان كرومانيون Cro-Magnon. وكان على الباحثين، لصياغة فرضية بيولوجية، أن يقيموا ترابطا بين الجسم ذي النمط القوي robust (القديم archaic) وبين حضارة الباليوليتي الأوسط، وترابطا آخر بين الجسم ذي النمط النحيل gracile (الحديث) وبين حضارة الباليوليتي الأعلى. ويبدو أن هذا التفسير يمكن تطبيقه في أوروبا حيث بدأت الأبحاث المتعلقة بعلم الباليوأنثروبولوجيا. فقد ترافقت هناك حضارة الموستيري Mousterian الأقدم غير المتطورة ـ بصورة عامة ـ مع النياندرتاليين الأقوياء، في حين ترافقت حضارة الأورينياسي Aurignacian الأحداث ـ بأدواتها المتجددة والمتغيرة باستمرار ـ مع أفراد إنسان كورمانيون من ذوي الأجسام الطويلة النحيلة، الذين ظهروا في سجل المستحاثات (الأحافير) منذ 30000 سنة. (تُنسب التسميتان موستيري وأورينياسي إلى موقعين في فرنسا حيث عثر أول مرة على أدوات حجرية صنعها الإنسان).

إن هذا الترابط بين البيولوجيا والحضارة يصعب تطبيقه في بلاد المشرق Levant. فقد وجد علماء المستحاثات الذين ينقّبون في مواقع هذه المنطقة مجموعات من المستحاثات تشتمل على عينات يبدو أنها أقدم من مثيلاتها التي في أوروبا. وقد ظهر أن بعض العينات تشبه إنسان نياندرتال وتشبه عينات أخرى إنسان كرومانيون. ومع ذلك يبدو أن كلتا المجموعتين من البشر لهما حضارة بدائية واحدة. فكيف يمكن إجراء توافق بين ما تمت مشاهدته في هذه المنطقة من مستحاثات وأدوات مصنعة artifacts وبين ما تمت ملاحظته في أوروبا؟

إن الجواب الحاسم يتطلب ترتيب مستحاثات الشرق الأوسط ترتيبا زمنيا. ولكن هذه العملية يتعذر تنفيذها؛ لأن العينات كانت قديمة لدرجة لا يمكن تأريخها بطريقة الكربون المشع التي لا يتجاوز مدى فعاليتها 40000 سنة. أما اللجوء إلى طريقة اليورانيوم ـ الثوريوم فيتطلب وجود مستحاثات مترافقة مع رواسب كربوناتية carbonatesediments وأما طريقة البوتاسيوم ـ الأرگون فهي أكثر ملاءمة لتحديد عمر أو تأريخ ما ينتج من البراكين لابة (حمم)lava وطَفّ (رماد) tuffs، وهي لا توجد إلا في طبقات أقدم بكثير. وقد ارتأى علماء الأنثروبولوجيا (النوع البشري)، في حالة غياب ترتيب زمني موثوق، أنه من المعقول الاحتفاظ بالتصور الأوروبي، أي الافتراض أن الأنماط النياندرتالية الشرق أوسطية القوية هي الأقدم وتمثل أسلاف الأنماط النحيلة.

دفن مزدوج من مغارة قفزة (في اليمين) يدل على شعور ديني قبل ما ينوف على 100000 سنة. فقد وجد الهيكل العظمي للطفل عند قدمي الهيكل العظمي لامرأة شابة، ربما تكون أمه. يظهر هذان الهيكلان بمظهر الإنسان الحديث ولكن حضارتهما تشابه حضارة الإنسان النياندرتالي الشرق أوسطي الأكثر قوة. أما في أوروبا ـ وبعد مرور 60000 سنة ـ فقد أقام الأفراد ذوو المظهر الحديث وكذلك النياندرتاليون حضارات مختلفة.

لقد شكّلنا، لاختبار هذه الفرضية فريقا متعدد الاختصاصات لوضع ترتيب زمني انطلاقا من مختلف الأدلة المتوفرة. وقد زعزعت النتائج التي حصلنا عليها التسلسل التطوري المعروف، وأثارت أسئلة أكثر من الحصول على أجوبة، وهذا ما قد يعبر عن وجود خلاف، ولكن بهذه الطريقة يتقدم العلم.

بدأنا عملنا بإقامة ترابط طبقي (استراتيگرافي) بين المستحاثات البشرية في مغارات الشرق الأوسط. ثم قمنا بالمشاركة مع <E. تشيرنوف> (من الجامعة العبرية بالقدس) بربط هذه المعلومات بمعطيات تتعلق بالأحوال المناخية القديمة وبمعطيات أخرى، وذلك لاستنتاج ما إذا كان الإنسان العاقل بمظهره الحديث قد عاش في إحدى هذه المغارات منذ نحو 80000 إلى 100000 سنة، أقدم بكثير من التاريخ الذي ظُن فيه بوجود مثل هؤلاء الناس في أي مكان آخر. وقد رُفضت هذه الفكرة في بداية الثمانينات ولكن أثبتتها فيما بعد طريقتان من طرائق القياس الإشعاعي تم تحسينهما، وهما: التألق الحراري thermoluminescense والتجاوب الإلكتروني السپينيelectron spin resonance.

لقد دحضتْ هذه الاكتشافات العلاقة السلالية التي افترض، منذ زمن طويل، أنها صحيحة. فالهياكل العظمية القوية لم تكن أسلاف الهياكل النحيلة. وأصبح من غير الممكن، في الوقت نفسه، ربط ظهور أفراد الإنسان ذي المظهر الحديث مع التغير الحضاري الذي حل في الباليوليتي الأعلى.

فعندما ظهرت الأفراد الأولى من الإنسان الحديث في سجل المستحاثات في بلاد المشرق كان نمط معيشتهم لا يتميز عن نمط معيشة الجماعات البشرية القديمة؛ فأدواتهم المصنعة تنتمي بوضوح إلى حضارة الموستيري.

أثارت مكتشفاتنا أيضا تساؤلا مهمًا آخر حول المكان الذي ظهر فيه النوع البشري. لقد برهنا على أن المستحاثات النحيلة هي قديمة جدا وأمكننا ربطها ببقايا البشر في مغارات “كلاسيس ريڤر ماوث” ومغارة “بوردر” في جنوب أفريقيا. وتبدو أيضا مستحاثات جنوب أفريقيا قديمة فعلا ولكنها تنتمي إلى الإنسان الحديث أكثر من انتمائها إلى الأفراد القديمة.

فهل يا ترى تنتمي هاتان المجموعتان إلى جماعة بشرية واحدة تفرقت فيما بعد؟ لقد أجاب بعض علماء الأنثروبولوجيا بالإيجاب واستنتجوا أن الإنسان الحديث قد ظهر في أفريقيا ثم بدأ يحل محل الجماعات الأقدم في بقاع أخرى من العالم [انظر:

“The Emergence of Modern Humans”  by Christopher B. Stringer

Scientific American, December 1990].

وفي الوقت نفسه تقريبا حين تم قبول الترتيب الزمني الجديد، توصل متخصصون في البيولوجيا الجزيئية ـ بشكل غير متوقع ـ إلى استنتاجات متماثلة فيما يتعلق بالموطن الأصلي لأفراد الإنسان الحديث. لم يعتمد هؤلاء العلماء على العظام المستحاثة وإنما على المستحاثة الحية للدنا living fossil of DNA، حيث تدل أشكاله الكثيرة المتنوعة على جزء من التاريخ التطوري. فقد استنتج بعض هؤلاء الباحثين، بعد مقارنتهم لعدد كبير من عينات مأخوذة من جماعات بشرية إقليمية تقطن في بقاع مختلفة من العالم، أن أفراد الإنسان الحديث قد نشأت في مناطق شبه صحراوية في أفريقيا منذ أكثر من 100000 سنة

[انظر: The Recent African Genesis of Humans by A. C. Wilson-R.L. Cann; Scientific American, April 1992].

ترشد شبكة ثلاثية الأبعاد (في الأعلى) في مغارة كيبارا علماء الآثار الذين يسجلون موقع كل عظم وكل أداة مصنعة، وأيضا يفحصونشرائح رقيقة للرواسب تحت المجهر. إن مثل هذه التقانة مكنت الباحثين من تحديد زمن هذه الأشياء وتمييز الفترات التي كان أفراد البشر يسكنون خلالها المغارة بشكل مستمر. ويبين مقطع عرضاني (في الصفحة المقابلة) الحفريات المستمرة التي يجريها المؤلفان وزملاؤهما في مدخل المغارة وفي الحجرة المسقوفة. إن بعض أقسام المغارة قد تُركت لعلماء آثار المستقبل وهو أسلوب اتبعه <M. ستكيليس> في الخمسينيات ولكن لم يتبنّه <F. نورڤيل ـ بيتر> في الثلاثينات.

ويعترض باحثون آخرون على مظاهر هذا التحليل الجيني genetic أو شجرة النسب ويدعمون تفسيرا آخر يدعى نمط تعدّد المناطق multiregional، ويعني أن الإنسان ذا المظهر الحديث ظهر في آن واحد تقريبا ولكن في مناطق كثيرة مختلفة، وأن عملية التهجين حافظت على وحدة النوع البشري

[انظر:

 ;The Multiregional Evolution of Humans,”  by A.G. thorne-M.H. Wolpoff”

Scientific American, april 1992].

بدأت دراسة أفراد البشر في بلاد المشرق سنة 1929 عندما بدأت <E .A. گارود> (عالمة الآثار في جامعة كامبردج) مشروعا نُفّذ خلال خمس سنوات للتنقيب في ثلاث مغارات تقع عند مصب وادي المغارة (وادي نخال هاميعاروت) وهي: سخول وتابون والواد [انظر الخريطة في الصفحة 31]. لقد وضعت گارود، أثناء عمليات التنقيب. أساس التسلسل الطبقي للبليستوسين الأعلى Upper Pleistocene في بلاد المشرق، وهو عصر من عصور ما قبل التاريخ. إن أكبر عمق وصل إليه الحفريات في تابون بلغ 23 مترا. ومن الطبقات التي صنّفتْها گارود من الأسفل إلى الأعلى حسب أدواتها الصوانية النموذجية إلى: الأشولي الأعلى (يضم الطبقتين G و F) والأشولي ـ اليبرودي Acheuleo-Yabrudian (يضم الطبقة E) والموستيري من الباليوليتي الأوسط (يضم الطبقات D و C وB، إضافة إلى ردميات المدخنة chimney).

كما اكتشفت گارود بقايا لامرأة بالغة صنفتْها حينذاك على أنها امرأة نياندرتالية وحدّدت تأريخها بنحو 60000 سنة تقريبا. ولكن هذه الباحثة لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت تنتمي إلى الطبقة B أو إلى الطبقة C، بيد أن الفك الذي وُجد تحتها مباشرة ينتمي دون شك إلى الطبقة C. ويبدو أن هذا الفك، وهو لشاب بالغ، أقرب إلى فك الإنسان النحيل (الحديث) من جماعة مغارة قفزة أكثر من قربه إلى النمط القوي (القديم) من النياندرتالين.

لقد عثر في مغارة سخول على مجموعة مدهشة من مواد هيكلية تنتمي إلى الباليوليتي الأوسط وتتضمن عدة مدافن ما زالت في حالة جيدة. ونعتقد أن وضعية هيكل المرأة العظمي تدل على دفن مقصود، وهو أقدم عملية دفن عثر عليها حتى الآن.

ونظرا لأن مثل هذا السلوك المعقد لا يمكن أن يكون إلا تعبيرا عن سلوك بشري فإن هذا الاكتشاف يزودنا بدليل غير مباشر على وجود هذا الأسلوب. وفضلا عن ذلك فإننا سنرى أن عادات النياندرتاليين الجنائزية ـ وكذلك أدواتهم الحجرية ـ هي أدنى في كل الأحوال من عادات وأدوات أفراد الإنسان النحيل الذين سبقوهم في المنطقة.

أُجريت أول دراسة لهذه المواد بإشراف <A. كيث> (من كلية الجراحة الملكية في لندن) و <D.T. ماكون> (الذي كان يدرّس مؤخرا في جامعة كاليفورنيا ببركلي). وقد توصلا، بعد معاملة كامل الهياكل في مغارتي سخول وتابون، إلى أنها تمثل شكلا متوسطا بين النياندرتاليين وأفراد الإنسان الحديث. لقد عدّ بعض علماء الأنثروبولوجيا هذه العينات أنها تمثل أفرادا هجينة محتملة في حين اعتبرها بعضهم الآخر تمثل جماعة بشرية تطورت محليا.

وفي الفترة نفسها تمت أيضا مكتشفات مدهشة في مغارة قفزة قرب الناصرة على بعد 35 كيلو مترا على خط مستقيم من جبل الكرمل. فقد أشرف. بين عامي 1933 و 1935م، <R. نوڤي> (الذي كان قنصل فرنسا في القدس وعضوا في معهد علم المتسحاثات البشرية في باريس) بالاشتراك مع <M. ستكيليس> (من الجامعة العبرية) على عمليات التنقيب في تلك المغارة. وقد اكتشفا، خارج الحجرة الرئيسية في المصطبة terrace، أمام المغارة وقرب مدخلها، عدة مستحاثات بشرية في طبقات من الحطام الصخري تبلغ ثخانتها أكثر من أربعة أمتار وتنتمي إلى الباليوليتي الأوسط.

هذا وعلى الرغم من أن أي وصف مفصّل لهذه المستحاثات لم ينشر فقد جازف <H. ڤالوا> (من معهد المستحاثات البشرية) بتصنيفها على أنها تنتمي إلى جماعة النياندرتاليين البدائيين أو إلى جماعة غير نموذجية من النياندرتاليين. وقد اقترح، في الخمسينات، <C. هويل> (من بيركلي) أن الهياكل القريبة في مظهرها من مظهر الإنسان الحديث بجماجمها المكورة ووجوهها المسطحة كانت ـ على الأرجح ـ لأسلاف إنسان كرومانيون الأوروبي، لذلك أطلق عليها كثير من علماء الأنثروبولوجيا اسم طلائع إنسان كرومانيوم Proto-Cro-Magnon.

وفي الخمسينات وبداية الستينات أعطت مواقع أخرى في الشرق الأوسط مستحاثات أخرى تنتمي إلى الباليوليتي الأعلى. فقد اكتشف <S.R. سوليكي> (في الخمسينات عندما كان في جامعة كولومبيا) مجموعتين من الهياكل في مغارة شانيدار في سفوح جبال زاگروس في العراق، وكانت كلها من النياندرتاليين وتبدي ما يدل على سلوك بشري. وتشتمل إحدى المجموعتين على هيكل لرجل فقد إحدى ذراعيه، وهذا ما يدل على العناية التي تلقاها ذلك الرجل عندما كان على قيد الحياة. أما المجموعة الأخرى من الهياكل فتبدي أدلة واضحة على الدفن المقصود، وهذا ما يشهد أيضا على سلوك بشري. وقد وجد <H. سوزوكي> (من جامعة طوكيو) في مغارة عمود بالقرب من بحيرة طبرية، دفنا مقصودا مماثلا لدى النياندرتاليين.

وهكذا، وبحلول السبعينات، أصبح مسلسل تطور المستحاثات البشرية التي تنتمي إلى البليستوسين الأعلى في الشرق الأدنى واضحا نسبيا. فالنياندرتاليون من غربي آسيا كانوا ممثَّلين بالبقايا الهيكلية التي عثر عليها في مغارات تابون وعمود وشانيدار. وهذه الجماعة تطورت فيما بعد، كما افترض، إلى طلائع إنسان كرومانيون المحلية التي عاشت في مغارتي سخول وقفزة.

ولتفسير المرحلة اللاحقة التي بدأت منذ نحو 40000 ستة تجابهت فكرتان: تفترض الفكرة الأولى أن جماعات الإنسان الحديث في بلاد المشرق انتقلت أو انتشرت في أوروبا وذلك بعد أن حلّوا محل النياندرتاليين المحليين أو نتيجة لعمليات التكاثر فيما بينهم. أما الفكرة الثانية فتفترض أن أفراد جماعة النياندرتاليين المحليين في أوراسيا قد تطوروا في الأمكنة نفسها التي كانوا يعيشون فيها إلى أشكال حديثة. وقد أطلق <w.w. هويلز> (من جامعة هارفارد) على هاتين الفكرتين (النظريتين): “سفينة نوح” و “مرحلة النياندرتال” وهما فكرتان ما زالتا رائجتين حتى اليوم مع تعديلات أخذت بالحسبان نتائج التأريخ الجديد التي توصلنا إليها باسم فرضية “الخروج من أفريقيا” وفرضية “تعدد المناطق”.

لقد أدرك، تدريجيا، علماء المستحاثات وباحثون آخرون في الستينات أن دراسة الطبقات الجيولوجية في المغارات كانت أكثر تعقيدا مما كان قد بدا لهم، لذلك فقد استخدمنا في دراسة طبقات مغارات جبل الكرمل كل تقانات التنقيب الحديثة، حيث تم تحديد موقع كل قطعة من المستحاثات وكل أداة مصنعة بالنسبة إلى شبكة ثلاثية الأبعاد [انظر الشكل في الصفحة 32]. وقام الجيولوجيون ومحللو الأشكال المجهرية (المِكْرَوِيّة)micromophological analysts بفحص الرواسب لأجل معرفة ما إذا تعرضت إلى أي تخريب من قبل الحيوانات أو من أفراد البشر خلال الفترات اللاحقة لعمليات الترسيب. وأجريت دراسات على حبوب اللقاحPOLLEN وعلى شواهد مجهرية أخرى، ثم تم ربط بعضها ببعض، وذلك لإعادة تصور الظروف المناخية التي كانت سائدة.

بدأت مثل هذه التحريات المنهجية من جديد في مغارة تابون حيث زودتنا ثخانة الرواسب بسجل ممتاز طويل الأمد عن التغير الحضاري. لقد أشرف على حفريات هذه المغارة <J.A. جليتك> (من جامعة أريزونا ) بين عامي 1967 و 1972، وحديثا تابع العمل <A. رونين> (من جامعة حيفا).

أما المغارة الثانية (مغارة قفزة) فقد أشرف أحدنا (ڤاندرميرش) على حفرياتها خلال الفترة الممتدة من عام 1965 حتى 1979، وشارك المؤلف الآخر للمقال في هذا المشروع خلال فصلي التنقيب الأخيرين.

كشفت التحريات في مغارة تابون النقاب عن الكثير من المعلومات الجيولوجية، كما عثر فيها على عدد كبير من الأدوات الحجرية في حالة جيدة، في حين لم يُعثر إلا على عدد قليل من مستحاثات القوارض. إن مصدر مثل هذه البقايا الأخيرة هو البراز المُتفسِّخ لبوم الصوامع barn owls، وهي طيور لا ترتاد المغارات عندما يقطنها أفراد البشر، لذلك يستخدم علماء المستحاثات بقايا القوارض لغايات تتعلق بالبيئة القديمة ولوضع الطبقات حسب ترتيبها الزمني.

لاحظ جلينك أثناء دراسته المفصَّلة للأدوات الحجرية أن حجم بقايا هذه الأدوات يتناقص عند الانتقال من الموستيري( الطبقتين C و D) إلى الأشولي ـ اليبرودي (الطبقة E) ثم إلى الأشولي الأعلى (الطبقة F). وقد بيّن أنه عندما يتم رسم قيم هذا الحجم بدلالة مقياس الزمن المقترح لمغارة تابون فإن المنحنى الناتج يبدي انحرافا (زاوية) يرتفع عنده المنحنى ارتفاعا مفاجئا. وهذا يعكس ـ حسب رأي جلينك ـ انتقالا تطوريا من النياندرتاليين إلى أفراد الإنسان الحديث.

النحيل والقوي: إن جمجمة الإنسان النحيل (في اليسار) التي عُثر عليها في مغارة قفزة ذات مظهر حديث وتتصف بقحف عال وقصير وبذقن متميز. أما جمجمة الإنسان القوي (في اليمين) التي عُثر عليها في مغارة تابون فتتصف بقسمات إنسان نياندرتال النموذجية المتمثلة ببروز المنطقة المتوسطة من الوجه و “نتوء” Bun من الخلف. إن لكلتا الجماعتين أدمغة كبيرة، على الأقل مثل أدمغة البشر المعاصرين.

لقد وضع <W. فاراند> (من جامعة ميتشيغان) جدولا زمنيا لمغارة تابون اعتمادا على دراسة الرواسب التي تراكمت فيها.

فقد فسر وجود الرمال الثخينة ـ التي تراكمت في أسفل التسلسل الطبقي، والتي تضمن الطبقات الثلاث E و Fو G ـ على أنها بقايا لكثبان رملية تقدمت إلى مدخل المغارة بتأثير طغيان البحر وارتفاع سويته نتيجة ذوبان القلنسوات الجليدية القطبية polar ice caps أثناء الفترة البينجليدية الأخيرة، أي منذ نحو 100000 سنة. كما فسر وجود تربة اللوس loess في الطبقة D كدليل على بداية حدوث فترة باردة منذ 75000 مضت وهي فترة الموستيري. أما راسب القسم الأعلى من التسلسل الطبقي الذي يشمل الطبقتين B و C وردميات المدخنة (المدخل العمودي للمغارة) فيبدو أنها تراكمت في الفترة اللاحقة الواقعة بين 55000 و 40000 سنة مضت، حين تمكنت الأمطار من الدخول عبر فوهة المدخنة مع ما حملته من التربة الحمراء التي تميز تربة منطقة البحر المتوسط.

ولكن تبين أن ما تم الوصل إليه من نتائج يتعارض مع تحليل الدليل الفوني faunal evidence (أي يتعارض مع كامل المستحاثات) التي عثر عليها في مغارتي تابون وقفزة. فقد وجد تشيونوف، الذي أجرى هذا التحليل، أن الطبقات الحاوية على هياكل أفراد البشر في مغارة قفزة تحتوي على عدة أنواع قديمة من القوارض وهي غير موجودة في الطبقة C في تابون. إن هذا الاختلاف في محتوى الطبقات من المستحاثات يدل ضمنا على أن المجموعتين من أفراد البشر قد عاشتا في زمنين مختلفين. وهذا التعليل جعلنا نعيد النظر في دراسة الطبقات الجيولوجية في المغارات وما تحوي هذه الطبقات من هياكل بشرية.

تضم مغارة قفزة، على الأقل ثلاثة مدافن لأفراد من البشر من ذوي المظهر الحديث وتدل مواقعها في الرواسب على أعمارها. وأحد هذه المدافن كان لرجل بالغ ركبتاه مثنيّتان جزئيا وجسمه ممدد على الجنب الأيمن في كُوّة طبيعية في جدار كلسي. أما المدفن الثاني فهو قبر مزدوج، وهو الوحيد الذي اكتشف في الباليوليتي الأوسط، ويضم هيكلا عظميا لامرأة عمرها يتراوح من 18 إلى 20 سنة ممدّدة على جنبها الأيمن ويداها فوق بطنها، ورجلاها نصف مثنيتين، وعند قدميها هيكل عظمي لطفل في سن السادسة تقريبا في وضعية عمودية على جسمها. ونظرا لأن الهيكلين كانا ممددين بشكل أفقي في حفرة مستطيلة الشكل وجدرانها مقطوعة في طبقات الموقع فإن ذلك قد يدل على أن الدفن المزدوج قد تم في قبر واحد.

أما المدفن الثالث فهو لصبي عمره نحو 13 سنة، عثر عليه في تجويف حُفر في الصخر اللين، وقد مُدِّد جسمه على ظهره، وجمجمته مستندة إلى جدار المدفن، ويداه متجهتان إلى الأعلى. وقد وُضع فوق اليدين قرن كبير للأيّل الأسمر بشكل مستعرض على الجزء الأعلى من الصدر. ويدل وجود هذا القرن على دفنه أيضا بشكل مقصود بعد أن تركته الضباع المفترسة. لا يمكن أن نستنتج من هذه الممارسات ومن دراسة أدوات هؤلاء البشر من الجماعات الأولى من الإنسان الحديث أنهم يختلفون اختلافا واضحا عن الأقوام القوية الذين أتوا فيما بعد إلى المنطقة.

إن غزارة بقايا القوارض في الطبقات السفلى تدل على أن أفراد البشر لم يقطنوا المغارة إلا بشكل متقطع فقط، وربما أثناء فصول محدّدة خلال هذه الفترة. ومهما يكن من أمر يبدو أن جولتهم السنوية للبحث عن الطعام وصلت شرقا إلى وادي الأردن وغربا إلى شاطئ البحر المتوسط، أي على بعد 40 كيلو مترا. ويبدو أن ما كان يحصلون عليه من البحر ظهر على شكل أصداف مثقبة للرخوي كليسيمريس Glycymeris وجدت في الطبقات السفلى. يمكن أن تستخدم ثقوب الأصداف لأي وظيفة فيما عدا استخدامها لتمرير خيط لعقد أو تميمة. إن مثل هذه الاستعمالات تنمّ عن وجود سلوك بشري.

وأخيرا وجدنا كومة من المغرة ocher الحمراء، محززة بخدوش فاتحة. وقد أظهر الفحص المجهري للأدوات الحجرية، الذي قام به <J.J. شب> (عندما كان في جامعة هارفارد)، وجود مغرة حمراء على الأطراف القاطعة لعدد من هذه الأدوات. وفي أزمنة لاحقة استخدمت المغرة الحمراء صباغًا ومادةً كتيمة بعد خلطها بالزيت.

لقد حاولنا أثناء فصل الحفريات الأخير من العام 1979 تعرف التغيرات المناخية القديمة. استخدمنا في البداية طبقات مغارة قفزة المحتوية على مستحاثات القوارض وذلك لمعايرة التسلسل المناخي القديم في مغارة تابون، ومن ثم طبقنا هذا التسلسل على طبقات قفزة الحاوية على مستحاثات البشر. وأخيرا أقمنا ترابطا بين هذا التسلسل والتسلسل المعتمد على النظائر المشعة التي في القُوارات cores المستخرجة من الحفر العميق في البحار. ويبدو أن هذه الطريقة من المقارنة تجعلنا نقترح أن البشر في مغارة قفزة قد عاشوا قبل نحو 80000 إلى 100000 سنة.

بقايا لموقد عثر عليها في وسط مغارة كيبارا في حين جمعت النفايات بالقرب من الجدار، وهذا ما يدل على سلوك بشري وهو النظافة.

إن الانتقادات الكثيرة التي تعرضنا لها دفعتنا إلى أن نحاول حل المشكلة بأسلوبين: فقد نطبّق طرائق تحديد التأريخ التي تطورت حديثا أو ننتخب موقعا حيث تسمح حالة حفظ المستحاثات فيه من تصوّر أكمل للأنماط السلوكية. وهذه الأنماط السلوكية تتضمن استخدام النار ومواقع تجميع النفايات في المغارة ونوع الأغذية النباتية التي تم جمعها ونوع الحيوانات التي تم اصطيادها أو أسرها أو جمعها. ونعتقد أنه بالحصول على مثل هذه الصورة الكاملة (عوضا عن الاعتماد فقط على الأدوات الحجرية) يمكننا أن نعرف ما إذا كانت طلائع إنسان كرومانيون ونياندرتاليّو الشرق الأوسط تمثل بالحقيقة جماعتين مختلفتين لنوع واحد أو نوعين مختلفين.

لقد كان اختيار مغارة كيبارا، التي تقع على الجرف الغربي لجبل الكرمل، اختيارا موفقا نظرا لسجلها الرسوبي الكامل. تقع كيبارا على ارتفاع 60 مترا تقريبا فوق سطح البحر ولم يتعرض مدخلها المعقود arched، الذي يواجه الشمال ـ الشمال الغربي، إلى تخريب خلال العهد الباليوليتي على الرغم من أن انهيارا صخريا لاحقا كون مصطبة صغيرة أمام المغارة. وقد شرعنا في الحفريات عام 1982.

إن معظم الطبقات، التي يرجع تأريخها إلى الباليوليتي الأعلى، قد أزيل خلال الثلاثينات أثناء الحفريات التي أشرف عليها <F. فرانسيس ـ بيتر>، وهو باحث مستقل تعاون فيما بعد مع المدرسة البريطانية لعلم الآثار في القدس. وفي عام 1951 تابع <M. ستكيليس> الحفريات، وخلال أكثر من أربع عشرة سنة اكتشف فريقه طبقات من الباليوليتي الأوسط ووجد فيها طفلا نياندرتاليا.

لقد درسنا هذه الطبقات دراسة مفصلة ولا سيما الطبقات التي تزامنت مع الفترات المتعاقبة من سكن البشر. وقد أظهرت الأدوات الحجرية وجود تشابه بينها وبين الأدوات التي عثر عليها في الطبقة B في مغارتي تابون وعمود، ولكن ليس من حيث الشكل (حيث بقيت دون تغيير خلال الموستيري) بل في طرائق التصنيع.

هيكل لرجل نياندرتالي، لافت للنظر، عثر عليه في كيبارا استؤصل منه الرأس بعد أن تفسخ اللحم ولكن أبقي على الفك السفلي وعلى العظم اللامي (أو عظم اللسان tongue bone) في مكانيهما. إن شكل العظم يوحي بأن أفراد البشر الأوليين تمكنوا من إصدار أصوات الإنسان الحديث.

والاكتشاف الأغرب، الذي تم سنة 1983، كان العثور على هيكل ذكر بالغ دفن في قبر حفر لهذه الغاية قبل نحو 60000 سنة، ولكن لم يعثر على جمجمة هذا البالغ ولا على ساقه أو قدمه اليمنى. أما القدم اليسرى فقد أتلفها تسرب المياه عبر الرواسب. ويبدو أن الجمجمة قد نزعت بشكل مُتعمَّد بعد أن تفسَّخ اللحم وربما بعد موت الرجل بعدة شهور، ولا يمكن أن يعلِّل ذلك أي تفسير آخر نظرا لبقاء العظام الأخرى في وضعيتها دون تغيير ولا سيما عظم الفك السفلي. وهل يمكن أن نتصور أي سبب غير السبب الديني لتفسير هذه الممارسة الجنائزية؟

ويكوّن هذا الفك أهم المكتشفات، فهو ـ بشكله ـ يشابه فك إنسان نياندرتال ولكنه يختلف عن أي فك آخر عثر عليه نظرا لاحتفاظه بالعظم اللامي hyoid (وهو عظم منفصل يتحكم في اللسان) لقد توصل <B. أرنسبورگ> (من جامعة تل أبيب) ومساعدوه ـ بدءا من شكل العظم ـ إلى أن جهاز التصويت لدى هذا الإنسان يشبه ما لدى الإنسان الحديث ويحتمل أنه كان قادرا على إصدار الأصوات الضرورية لكلام مقطَّع. واعتمادا على عظم آخر هو عظم الغفل inominate bone رأى <Y. راك> (من جامعة تل أبيب) أن حوض هذا الإنسان هو أقرب إلى حوض النياندرتاليين منه إلى حوض الإنسان الحديث.

إن الاستدلال على إمكانية الكلام ووجود تصرفات سلوكية بشرية أخرى يتطلب أكثر مما تقدمه العظام لوحدها من معلومات.

ويمكننا استخلاص أشياء مهمة من الموجودات التي تدل عليها وهي الأدوات الآثارية. إن بعض هذه الأدوات التي عثر عليها في الموستيري تفي تماما بهذا الغرض. إن غالبية العظام ومواقع النفايات مثلا وجدت بالقرب من جدار المغارة في حين كان وسط المغارة مغطى ببقايا المواقد. إن هذا الترتيب يدل على النظافة، أي يدل على أسلوب متميز وحديث من السلوك البشري.

إن الوجود الواضح لأفراد الإنسان بأشكال حديثة في بلاد المشرق منذ نحو 100000 سنة يقدم حقائق جديدة لتفسير وجود مستحاثات أخرى غربي آسيا. فقد يكون لأفراد الإنسان الحديث سلسلة نسب (سلالة)genelogy محلية واسعة الامتداد إلى حد ما. فبقايا الجمجمة التي وجدها تورنڤيل ـ بيتر في مغارة زوتّيّة بالقرب من مغارة عمود، مثلا، تثبت أن تأريخها يراوح بين 200000 و 250000 سنة مضت وقد يكون صاحب هذه الجمجمة أحد أفراد الجماعة التي انحدرت منها جماعة الإنسان النحيل (الحديث) في كل من سخول وقفزة.

ومع ذلك يبدو أن النياندرتاليين لم يكن لهم أسلاف محليون، والسجل الوحيد لأسلافهم طلائع النياندرتاليين موجود في أوروبا، حيث يرجع تأريخه إلى ما قبل 150000 سنة. وعندما يتعذر الحصول على معطيات من مستحاثات أخرى لا بد وأن نستنتج، بصورة نظرية، أن أفراد إنسان نياندرتال في كيبارا قد انحدرت من أصل أوروبي. فالجماعة الموجودة إما قد هاجرت من أوروبا إلى بلاد المشرق أثناء فترة جيل واحد، وإما ـ وهو الأرجح ـ قد انتشرت بشكل تدريجي أثناء عدة أجيال. وتدعى العملية الأخيرة بالانتشار الاستيطاني endemic diffusion، وهو انتشار لا بد أن يكون قد تضمن، إلى حد ما، تزاوجا متبادلا بين هذه الجماعة وبين الجماعات التي تعايشت معها على طول طريق انتشارهم.

ما الذي سبب مثل هذا الانتشار خارج أوروبا؟ لقد تكيف النياندرتاليون مع المناخ البارد كما تشهد على ذلك بنية أجسامهم القوية ولكنهم لم يتحملوا الظروف المناخية القطبية الشمالية التي حدثت على شكل موجات مفاجئة من البرد أثناء الفترة الممتدة بين 115000 و 65000 سنة مضت. وقد أجبرهم البرد الشديد على الرحيل نحو الجنوب. ولدعم هذا الافتراض نذكر التشابه بين النياندرتاليين في الشرق الأوسط وجمجمة قديمة عثر عليها في ساكو باستور بإيطاليا. ويفترض هذا التشابه أن الانتشار من أوروبا قد سلك مسارا محاذيا لحوض البحر المتوسط ربما مرورا عبر تركيا الحالية أو عبر بلاد البلقان.

مَنْ وجد النياندرتاليون عند وصولهم إلى الشرق الأوسط؟ للجواب عن هذا السؤال وُضعت فرضيات متعددة لا بد من اختبارها.

لقد ظن أن المناخ البارد هو الذي دفع الإنسان النحيل (الحديث) نحو أفريقيا كما دفع جماعة الإنسان القوي (القديم) نحو بلاد المشرق، وهذا ما أدى إلى عدم اختلاط الجماعتين إحداهما بالأخرى. أما لو بقي أحفاد الإنسان النحيل في أماكنهم في الشرق الأوسط لكانوا قد تعايشوا مع النياندرتاليين أو حتى تناسلوا معهم. إن بعض العلماء يعتبرون أن مثل هذا التهجين غير محتمل ويفضلون النظر إلى هاتين الجماعتين على أنهما تمثلان نوعين متميزين:

وعادة ما يحاول علماء الباليوأنثروبولجيا الاستدلال على السلوك البشري، عند ندرة المستحاثات، من اختلاف أنماط تصنيع الأدوات وجمع الغذاء وتحضيره ومن وجود المواقد أو فقدانها وأخيرا من الأدلة التي تقدمها النشاطات الفنية، إلا أن البقايا الآثارية المتعلقة بكل ما ذكر هي بعيدة أيضا من أن تكون حاسمة.

تكون الأدوات الحجرية المنحوتة والصخور الأصلية، التي قطعت منها، من أغزر المخلفات الآثارية في المواقع الباليوليتية. وقد صنف العالم الفرنسي الراحل <H.F. بورد> أدوات الباليوليتي الأوسط، كما فسر الاختلافات الملاحظة على مجموعاتها بوجود عدة قبائل بشرية في عصور ما قبل التاريخ. وقد عارض <R.L. بينفورد> الاستنتاج الذي توصل إليه بورد وبيّن أن أفراد البشر في الباليوليتي الأوسط كانوا يؤلفون ـ على الأرجح ـ جماعة واحدة، ولكنهم كانوا يستخدمون أدوات حجرية مختلفة لإنجاز مهام مختلفة.

أدى هذا النقاش إلى إجراء أبحاث مجهرية دامت عقدين من الزمن صُنعت خلالها أدوات واستخدمت لإنجاز أعمال مختلفة ثم قارن الباحثون بعد ذلك شكل التآكل الناتج مع شكله الملاحظ على الأدوات القديمة. ومع ذلك فقد أخفقت هذه الدراسة في الكشف عن الأهداف التي صنعت من أجلها أدوات الموستيري. وفي معظم الحالات لم يعثر على علاقة بين شكل الأداة والعمل الذي صُنعت من أجله. وعلى الرغم من وجود استثناءات من هذه القاعدة فمن الواضح أن المحكّات scrapers، وهي الأدوات التي كانت سائدة، قد أنجزت الكثير من المهام المختلفة.

إن أحد الاستدلالات السلوكية الذي يمكن استنباطه من دراسة بقايا الأدوات هو استنتاج أن هؤلاء البشر كانوا يخططون مقدما لأعمالهم. فقد بينت الدراسات أنهم كانوا يميزون الأحجار الجيدة من غيرها ويقطعون المسافات البعيدة للحصول عليها.

وكانوا لا يستغنون عن الأدوات الحجرية الجيدة إلا بعد استعمال طويل، بينما كانوا لا يترددون ـ في الكثير من الأحيان ـ في الاستغناء عن الأدوات الرديئة مباشرة على الرغم من الجهود التي بذلوها في العثور عليها وتصنيعها واستعمالها.

ونظرا لأن بلاد المشرق غنية ـ بصورة عامة ـ بصخر الصوان flint، لم تكن شعوب الباليوليتي الأوسط في هذه المنطقة تقطع سوى بضعة كيلو مترات للحصول على قطع صوانية عالية الجودة. وكانوا يصنعون منها أدواتهم في الموقع نفسه أحيانا، وغالبا ما كانوا يحملونها إلى مغاراتهم. وفي كلتا الحالتين كانوا ينجزون الشكل المرغوب، بمتابعة تشظية القطع الصوانية لجعلها حادة وقاطعة. وبعد استخدام الأدوات المصنعة كانوا يعيدون شحذها بين حين وآخر. إن هذه السلسلة الكاملة من العمليات تكون دليلا على تخطيط طويل الأمد وهذا من مزايا البشر.

إن الدلائل الواضحة على عمليات الدفن المقصود في مغارات قفزة وسخول وعمود وكيبارا، ووجود الأصداف البحرية مثقوبة في مغارتي سخول وقفزة، وكذلك وجود المغرة الحمراء المستخدمة في هاتين المغارتين وفي مغارة هايونيم، كلها تؤكد وجود سلوك بشري. كما أن العظم اللامي بمظهره الحديث في إنسان نياندرتال الذي عثر عليه في مغارة كيبارا يوحي بأن اللغة المنطوقة قد تطورت.

كما أنه كان لدى البشر في الباليوليتي الأوسط مقوِّمات التحديث modernity ولكن سرعة الابتكار كانت بطيئة جدا.

هذا ولا بد في آخر الأمر، لحل المسألة المتعلقة بالنشوء النوعي phylogenetic للبشر من دراسة الدنا المستخلص من عظام بشرية جيدة الحفظ. غير أن دراسة النشوء النوعي لا تفسر سبب التغير الحضاري الذي حدث في العهد الباليوليتي الأعلى. ولحل هذه المشكلة يتعين على الباحثين أن يستدلوا على التغيرات في سلوك البشر من اقتفاء الآثار القليلة الموجودة في السجل الصخري.

ولا بد للجيولوجيين والمتخصصين في علم الأشكال المجهرية والخبراء الآخرين أن يوحدوا جهودهم من أجل تمييز آثار النشاطات البشرية من الآثار التي تركتها الحيوانات والعوامل الطبيعية الأخرى. ولا بد بعد ذلك لعلماء الآثار من أن يصفوا أدوات مواقع سكن البالوليتي الأوسط والأعلى وأن يبحثوا في الفروق عن بعض العلامات للتغيرات التي قادت إلى توالي الابتكارات بسرعة. إن عالم الآثار لما قبل التاريخ، (شأنه في ذلك شأن المؤرخ الذي لا يستطيع تفسير الثورة الصناعية دون الرجوع إلى القرن الثامن عشر) لا يمكنه أن يعلل التقدم التقاني المفاجئ الذي حدث قبل 40000 سنة قبل أن يحل أولا لغز “الحياة في الموستيري”.


 المؤلفان

Bernard Vandermeersch – Ofer Bar – Yosef

يشرفان معا على مشروع التنقيب متعدد الاختصاصات في مغارات قفزة وكيبارا وهايونيم في فلسطين. بار ـ يوسف هو أستاذ علم الآثار لما قبل التاريخ في متحف پيبدي بجامعة هارفارد. لقد تدرب في جامعة القدس وأشرف على العديد من الحفريات في مواقع باليوليتية ونيوليتية. وتتركز اهتماماته حول أصل الإنسان الحديث وانتقاله إلى مرحلة الزراعة. أما فاندرميرش فهو أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة بوردو الأولى. لقد درّس سابقا عدة سنوات في جامعة بيير وماري كوري في باريس. تتركز أبحاثه حول بيولوجية البشر والتغير الحضاري أثناء البليستوسين الأعلى.


مراجع للاستزادة

PALEOANTHROPOLOGY. M. H. Wolpoff. Alfred A. Knopf, 1980.

THE SHANIDAR NEANDERTALS. E. Trinlcaus. Academic Press, 1983.

WESTERN ASIA. E. Trinkaus in The Origins of Modern Humans: A World Survey of the Fossil Evidence. Edited by F. H. Smith and F. Spencer. Alan R. Liss, 1984.

THERMOLUMWESCENCE DATING OF MOUSTERIAN ‘PROTO-CRO-MAGNON’ REMAINS FROM ISRAEL AND THE ORIGIN OF MODERN MAN. H. Valladas, J. L. Reyss, J. L. Joron, G. Valladas, O. Bar-Yosef and B. Vandermeersch in Nature, Vol. 331, No. 6157, pages 614-616; February 18, 1988.

ELECTRON SPIN RESONANCE DATING AND THE EVOLUTION OF MODERN HUMANS. R. Grim and C. B. Stringer in Archaeometry, Vol. 33, Part 2, pages 153-199; August 1991.

Scientific American, April 1993

 

السلطة المركزية المصرية مثبتة فى النوبة فى الفترة من 2755 إلى 2225 ق.م.

Flag_of_the_Governor-General_of_the_Anglo-Egyptian_Sudan

 

فى عام 1570 ق.م. أثناء حكم الأسرة الثامنة عشر تم ضم النوبة إلى مصر كمقاطعة مصرية والمنطقة ما بين الصحراء النوبية والنيل تحتوى الكثير من الآثار من فترة السيطرة المصرية على المنطقة والتى انتهت بثورة نوبية فى القرن الثامن قبل الميلادثم توالت علي النوبة مجموعة من الممالك المستقلة فى عام 1820 قام الجيش المصرى بمحاصرة المنطقة وانتهت الحرب فى عام 1822 بانتصار كامل للقوات المصرية التى كانت تابعة إسمياً فى ذلك الوقت للدولة العثمانية وأصبح الجزء الاعظم من النوبة مقاطعة مصرية معروفة باسم السودان المصرية.

الحكم التركى لمصر استمر لمدة 60 عام وعلى الرغم من ذلك فإن سلطنة دارفور فى الغرب كانت تتمتع باستقلاليتها حتى فترة الاحتلال البريطانى نتيجة لانتشار تجارة الرقيق وعدم صلاحية الادارة العامة فى الجنوب نشأت بعض الاضطرابات استمرت طوال هذه الفترة.

فى الفترة ما بين عامى 1877 و 1880 عندما كان الحاكم العام للسودان المصرية تشارلز جورج جوردون أثناء الحكم البريطانى بذلت مجهودات للحد من تجارة الرقيق

 

Egypt_sudan_under_british_control

 

فى عام 1880 حدثت اضطرابات كثيرة بعد استقالة جودرون وقيام محمد أحمد بثورة والذى أطلق على نفسه بعد ذلك لقب المهدي. انتصر الثوار بعد ذلك فى عدد من المعارك منها معركة هزموا فيها الجيش المصري فى نوفمير 1883 وفى انتصار أخر قتلوا جوردون وسيطروا تماما على المقاطعة.

الاحوال فى السودان المصرية ساءت تحت الحكم المصرى ثم حكم عبدالله التعايشي الذى تلا المهدى فى عام 1885 ودخل التعايشي فى حروب كثيرة ضد أهالى الجنوب مضيفاً قطاعات كبيرةالى السودان المصرية منها محاولة للاستقلال عن مصر وقد عمت البلاد فوضى اجتماعية واقتصادية فى السنوات الأخيرة من حكم التعايشي وفى هذه الأثناء كانت مصراحدى مستعمرات بريطانيا العظمى

فى عام 1896 انذرت الحكومة المصرية والبريطانية فرنسا من الزحف فى اتجاه السودان المصرية وأرسلت بعثة عسكرية ضد التعايشي وكان قائد الحملة الجنرال هربرت كتشنر وقد حاصر التعايشي فى أم درمان فى 2 سبتمبر 1898 وتقريبا تم القضاء على الحركة المهدية فى 19 يناير 1899 وقعت الحكومتنان المصرية والبريطانية على اتفاقية تقضي بالسيادة المشتركة على السودان فى الواقع كان لبريطانيا النصيب الاعظم من هذه السيادة المشتركة وقد انشأت نظام ادارى فى الشمال وشجعت فى عام 1920 على قيام مشاريع اقتصادية جديدة مثل مشروع الجزيرة لزيادة الدخل القومى فى السودان ولتقليل الاحتياج إلى المعونات الاقتصادية البريطانية.

وفى الجنوب كانت السيطرة البريطانية أقل منها فى الشمال حيث تركت السلطة فى يد عدد من المسئولين المدنين الذين اطلق عليهم البارونات بسبب سلطتهم شبة المطلقة على مساحات كبيرة فى الجنوب. على الرغم من الخلافات المتزايدة بين المصرين والوطنيين السودانيين الذين يطالبون بانهاء السيادة البريطانية على السودان الا ان الحكومة المصرية وقعت اتفاقية مع بريطانيا العظمى فى عام 1936 التى أكدت بين بنودها اتفاقية 1899.

فى عام 1946 تفاوضت الدولتان بشأن تعديل وتنقيح معاهدة عام 1936 وطالبت الحكومة المصرية بريطانيا بالانسحاب من السودان واقترح البريطانيون بعض التعديلات على الوضع وقتذاك ولكن المفاوضات أفضت إلى طريق مسدود

في 19 يونية 1948 وبعد مشاورات مع بعض المسئولين فى شمال السودان أعلن الحاكم العام فى السودان عن عمل مجموعة من الاصلاحات لاعطاء شمال السودان الخبرة فى الحكم الذاتى وذلك لاتخاذ المتطلبات الاساسية للقرارات المتخذة بشأن الحالة السياسية النهائية للسودان.

وتم انتخاب مجلس الشعب الجديد فى نوفمبر وقام المؤيدون للاتحاد مع مصر بمقاطعة الانتخابات فى ديسمبر 1950 طالب مجلس الشعب كل من مصر وبريطانيا العظمى بإعطاء السودان استقلال تام فى عام 1951.

فيما بين 1950 و 1951 استمرت الحكومة المصرية فى مطالبة بريطانيا بالانسحاب من السودان.

في 27 اكتوبر 1951 شجبت الهيئة التشريعية السودانية اتفاقية السيادة المشتركة بين مصر وبريطانيا ومعاهدة 1936 ونادت بفاروق ملكا لمصر والسودان.

استئناف المفاوضات المصرية والبريطانبة بخصوص الوضع فى السودان وذلك بعد تنازل الملك فاروق عن العرش بعد ثورة يوليو 1952.

في 21 فبراير 1951 وقعت الحكومتان اتفاقية يتم بمقتضاها منح السودان حق تقرير المصير فى خلال ثلاث سنوات كفترة انتقالية تطبيقا لبنود الاتفاق.

تمت اول انتخابات نيابية فى السودان فى اواخر عام 1953 و تم تعيين اول حكومة سودانية وذلك في 9 يناير 1954 وكانت فى معظمها من الشماليين. بالاضافة إلى ترك المناطق التى استحوذ عليها البارونات فى ايديهم فان الانجليز لم يفعلوا شىء فى سبيل تطوير تنمية السودان او اقامة البنية الاساسية. فى الشمال كان مشروع الجزيرة قد تم إنشاؤه على أتم وجه وتم انشاء صناعات جديدة وشبكة للسكك الحديدية بالاضافة لانشاء المدارس والجامعات.

الجنوب السوداني كان اقل ارتباطا بالحكومة وخاصة بعد استبدال الحكم البريطانى بالحكم السودانى الشمالى فى 19 أغسطس قامت وحدات من الجيش السودانى الجنوبى بالتمرد وتم القضاء على الحركة عن طريق القوات الحكومية.

في 30 أغسطس وافق البرلمان على اجراء استفتاء عام لتحديد مستقبل البلاد السياسى وفى نفس الوقت وافقت كل من مصر وبريطانيا العظمى على الانسحاب من السودان فى 12 نوفمبر 1955

فى 19 ديسمبر أعلن البرلمان السودان كدولة مستقلة بعد اجراء الاستفتاء العام وقد أعلنت الجمهورية السودانية رسميا فى 1 يناير 1956 وقد أصبحت السودان عضوا فى الجامعه العربية فى 19 ينايروفى الامم المتحدة في 12 نوفمبر من نفس العام

بعد استقلال السودان تم تعيين اول برلمان عام في 27 فبراير 1958 و دخل حزب الامة البرلمان وحصل اتباع المهدى على الاغلبية وكونوا حكومة جديدة في 20 مارس 1958

تم الاطاحة بالحكومة فى 17 نوفمبر بواسطة ابراهيم عبود القائد الاعلى للقوات المسلحة وكان عبود مؤيدا لتقوية العلاقات مع مصر وقام بحل البرلمان وأعلن القوانين العسكرية وعين مجلس الوزراء برئاسته هو؛ تنازل عبود عن الحكم عقب ثورة أكتوبر الشعبية 1964م.

قام الجنوبيون بثورة ضد نظام الحكم وضد سيطرة الشمالين مما ادى إلى نشوب حرب أهلية استمرت حتى مارس 1972

الـرأسمالية هي النظام السياسي الاقتصادي القائم على الملكية الخاصة والربح الخاص. في هذا النظام، يمتلك الأفراد الشركات ويديرون أغلب الموارد المستخدمة في إنتاج السلع والخدمات.

تتضمن هذه الموارد الأرض وموارد طبيعية أخرى واليد العاملة و رأس المال، الذي يشمل المصانع، والمعدات والأموال المستثمرة في نشاطات الأعمال. ويشتق مصطلح الرأسمالية من كلمةرأسمال.

تؤكد الرأسمالية على الخيارات الاقتصادية الخاصة وللناس فيها حرية اتخاذ القرار في طريقة كسب دخلهم وإنفاقه. وللشركات أن تختار السلع التي تنتج والخدمات التي تقدم والسعر الذي تعرضه بها كما أنها تتنافس فيما بينها في بيع المنتجات.

وتشمل النظم الاقتصادية الرئيسية القائمة على الرأسمالية: الولايات المتحدة، أستراليا، المملكة المتحدة، كندا، ألمانيا، هونج كونج، اليابان.

تتحكم الحكومات في بعض جوانب الاقتصاد في كل دولة، إلا أن تركيز الرأسمالية على القرارات الاقتصادية الخاصة يجعلها تختلف عن النظامين الاقتصاديين الرئيسيين الآخرين الشيوعية والاقتصاد المختلط. ففي الاقتصاد الشيوعي أو اقتصاد التخطيط المركزي، تمتلك الدولة الإنتاج وتضع الخطط القومية لاستخدامها.

أما في الاقتصاد المختلط، فتقوم الدولة ببعض التخطيط الاقتصادي، وتتحكم في بعض الصناعات، لكنها أيضًا تسمح ببعض الخيارات الفردية.

وتسمى الرأسمالية أحيانًا نظام التجارة الحرة أو الاقتصاد الحر المعدَّل؛ لأنها تسمح للأفراد بأن يقوموا بالنشاطات الاقتصادية بعيدًا عن التدخل الحكومي بدرجة كبيرة.

وللرأسمالية أسماء أخرى منها: نظام السوق الحر ونظام المبادرة، وحرية العمل والتجارة.

كيف تعمل الرأسمالية

تؤثر عدة عوامل على القرارات الاقتصادية في النظام الرأسمالي وأهم هذه العوامل هي: 1- الأفراد 2- مشاريع الأعمال 3- السوق 4- الدخل 5- الحكومة

 

الأفراد. يؤثِّرون على الاقتصاد بوصفهم مستهلكين، وعاملين ومستثمرين. فإذا ما أوضح المستهلكون عن طريق مشترياتهم أنهم يفضلون السيارات الصغيرة مثلاً، سيقوم الوكلاء بطلب مزيد من السيارات الصغيرة وأعداد أقل من السيارات الكبيرة، وسيقوم الصانعون بدورهم في زيادة إنتاج السيارات الصغيرة وتخفيض إنتاج السيارا ت الكبيرة.

كذلك قد يقوم الأفراد كعمال، باختيار نوع المهن ليؤهلوا أنفسهم لها، وكيفية محاولة البحث عنها. وكمستثمرين، يقرر الأفراد كم من دخلهم يدَّخرون، وكيف يستثمرون مدخراتهم، ويوفر المستثمرون معظم الأموال التي يحتاج إليها نمو مشاريع الأعمال.

 

مشاريع الأعمال. تحدد مشاريع الأعمال ماذا تنتج وأين تباشر أعمالها. كما أنها تشتري المعدات اللازمة، وتستأجر العمال، وتحاول أن تؤثر على سلوك المستهلكين، بوساطة الإعلان، ومن خلال ابتكار سلع جديدة مطورة.

إن القوة الدافعة في الاقتصاد الرأسمالي هي الرغبة في تحقيق الأرباح، وهي ما يبقى للشركة بعد سداد كل مصروفاتها. وتضمن الرغبة في الأرباح التي تعرف بدافع الربح أنَّ الشركات ستنتج السلع والخدمات التي يكون المستهلكون راغبين أو قادرين على شرائها، وعلى الشركات إن أرادت أن يكتب لها النجاح، أن تبيع ما يكفي من منتجاتها بسعر عالٍ بدرجة كافية، لتحقيق ربح. وقد تتكبد خسارة للمؤسسين بدلاً من أن تجني ربحًا إذا ما انخفضت المبيعات بأكثر مما ينبغي، أو زادت التكاليف بأكثر مما ينبغي. كذلك يشجع دافع الربح المؤسسات للعمل بنجاح. وتستطيع المؤسسة بسبب توفير الوقت والطاقة والمواد أن تخفض من تكاليف الإنتاج. ويمكن أن تقود التكاليف المخفضة إلى مزيد من المبيعات والأرباح.

تؤدي مشاريع الأعمال دورًا كبير ًا في تحديد السرعة التي ينمو بها الاقتصاد الرأسمالي. وينمو الاقتصاد عندما يزيد إنتاجه من السلع والخدمات، ويتطلب ذلك النمو الاستثمار في المباني والمعدات والموارد الأخرى التي تستخدم في الإنتاج.

وفي الدول الرأسمالية تحدِّد مشاريع الأعمال بنفسها توقيت وحجم الاستثمار لهذا الغرض.

 

السوق. مصطلح يطلقه الاقتصاديون على الأماكن والأوضاع التي يتبادل فيها الناس، بيع وشراء السلع والخدمات. وفي الاقتصاد الرأسمالي، كما في الأسواق السوداء (التي غالبا ما تنشأ عندما يكون الاقتصاد مقيدًا بشدة من الدولة)، تتحدد أسعار السلع والخدمات أساسًا بأوضاع السوق مثل العرض والطلب والمنافسة.

العرض هو كمية السلع والخدمات المقدمة للبيع. والطلب هو الكمية التي يرغب الناس فيها، ويستطيعون شراءها. وتميل الأسعار إلى التغير عندما يكون العرض والطلب غير متكافئين. وعمومًا يجبر السوق الأسعار على الانخفاض، عندما يفوق العرض الطلب وعلى الارتفاع عندما يفوق الطلب العرض. انظر:  العرض والطلب.

المنافسة توجد عندما يحاول عدد كبير من المنتجين بيع نفس أنواع السلع لنفس المشترين. وتعتمد الرأسمالية على المنافسة، لكي لا تمكن الشركات من فرض أسعار غير معقولة، وتستطيع المنشأة التي تقدم أسعارًا أقل أو التي تحسن من نوعية منتجاتها أن تحوّل إليها المشترين من منافسيها.

ودون المنافسة قد ينمو الاحتكار أو الكارتل (اتحاد المنتجين). وتكون المنشأة محتكرة عندما تكون هي الممول الوحيد في سوق ما. وتستطيع المنشأة المحتكِرة الحد من الإنتاج ورفع الأسعار، لأنها لا تخشى من المنافسة. أما الكارتل فمجموعة شركات تتعاون للتحكم في الإنتاج ورفع الأسعار. ولكثير من الأقطار قوانين تمنع الاحتكار والتجمعات الاحتكارية حاليًا.

ورغم القوانين المانعة للاحتكار، تكوِّن الشركات الضخمة شبه احتكار في بعض الصناعات، وتستطيع مثل تلك الشركات، أن تتحمل مؤقتًا تخفيض الأسعار، وقبول الخسائر. أما المؤسسات الصغيرة التي لا تستطيع تحمل الخسائر فلا قدرة لها على المنافسة.

انظر أيضًا: الاحتكار والمنافسة.

الدخل. يعتمد الدخل في الاقتصاد الرأسمالي أساسًا على العرض والطلب وعلى المهارات التي لها قيمة عالية في نظر المجتمع. ويستطيع الأفراد الذين لهم مهارات نادرة وذات قيمة عالية في السوق، أن يحصلوا على مداخيل عالية. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما يحصل الرياضيون المحترفون على رواتب عالية، ولكن مدربيهم يكسبون أقل منهم لأن مساهمتهم في دخل الفريق ليست عالية في نظر الآخرين غالبًا.

وتساهم المنافسة بين أصحاب الأعمال حول اليد العاملة من جهة، وبين العمال وفرص العمل من جهة أخرى في تحديد مستوى الأجور. إذ إن مشاريع الأعمال تحتاج إلى دفع أجور عالية بما فيه الكفاية، لتجذب إليها العاملين الذين تحتاج إليهم، لكن عندما تكون فرص العمل قليلة فقد يضطر العاملون لقبول أجور أقل مما لو كانت الوظائف متوفرة.

تؤثر النقابات العمالية وكذلك الحكومات على الأجور في العديد من البلدان الرأسمالية، وتتفاوض النقابات مع أصحاب الأعمال لتحديد درجات الأجور وظروف العمل المقبولة من أعضائها. وقد حددّت بعض الحكومات حدودًا دنيا لأجور العاملين، كذلك تراقب الوكالات الحكومية تطبيق معايير السَّلامة في العمل.

 

الحكومة. تسمح الحكومة في الدول الرأسمالية إلى حد كبير للأفراد أن يستخدموا ممتلكاتهم كما يشاؤون، وأن يعملوا في أي مكان يرغبون، وتسمح الحكومات عمومًا للشركات بأن تحدد الأجور لعامليها والأسعار لمنتجاتها.

وتقوم الحكومة أيضا بوظائف اقتصادية مهمة، فهي على سبيل المثال، تصْدر النقود وتشرف على المرافق العامة وتفرض تطبيق العقود التجارية، كما تحمي قوانين المنافسة وتحظر الممارسات التجارية غير العادلة. وتنظم الوكالات الحكومية معايير الخدمة في قطاعات مثل الطيران، والصيدلة والإرسال الإذاعي والتلفاز. كذلك تمول الحكومة برامج عديدة متنوعة، كما تنظم تدفق القروض والأموال في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، تستطيع الحكومة أن تستخدم سلطتها لمحاربة مشاكل مثل التضخم والبطالة.

 

مشاكل الرأسمالية

تسمح الرأسمالية بكثير من الحرية الشخصية وتهيئ مستوى عاليًا من المعيشة لكثير من الناس. لكن الرأسمالية أيضًا تولد مشكلات، وتشمل هذه المشكلات: 1- عدم الاستقرار الاقتصادي. 2- عدم المساواة في توزيع الثروة. 3- إهمال الصالح العام.

وتوجد هذه المشكلات نفسها في النظم الاقتصادية الأخرى لكنها تنتشر أكثر في الدول الرأسمالية.

 

عدم الاستقرار الاقتصادي. تمر الاقتصاديات الرأسمالية بحالات من الصعود والهبوط. فأحيانًا تنمو بسرعة، وتقود إلى رخاء عام. إلا أن الازدهار الاقتصادي يقود أحيانًا إلى التضخم، ويتسبب في فقدان النقود لقيمتها. كذلك عانت الدول الرأسمالية عددًا من حالات الكساد التجاري الحاد التي قادت إلى بطالة كبيرة. ويختلف الاقتصاديون والقادة السياسيون حول ما يسبب التحولات في النشاط التجاري، وحول كيفية التحكم فيها، وكثيرًا ما تواجه الحكومات في الدول الرأسمالية إما تضخمًا عاليًَا، أو زيادة في العاطلين عن العمل.

عدم المساواة في توزيع الثروة. يستطيع بعض الناس في الدول الرأسمالية شراء كثير من الكماليات بينما لا يجد آخرون المأكل والمسكن المناسب وضروريات أخرى. وينبع عدم المساواة في توزيع الدخل هذا أساسًا من تركيز الرأسمالية على الحرية الاقتصادية الفردية، فالناس أحرار، إلى درجة كبيرة في أن يتمتعوا أو يعانوا من نتائج قراراتهم الاقتصادية. وتتأثر مثل هذه القرارات بالمقدرة والطموح والاستعداد لتحمل المخاطر، إلا أن التفرقة العنصرية والجنسية وفوارق التعليم والميراث تساهم أيضًا في عدم المساواة في توزيع الثروة.

تساعد بعض البرامج الاجتماعية الحكومية الفقراء في الدول الرأسمالية لكن كثيرًا من المحتاجين يعتمدون على مساعدة الأقارب والجمعيات الخيرية الخاصة.

 

إهمال الصالح العام. تحاول أغلب الشركات في الاقتصاد الرأسمالي أن تحقق أكبر قدر ممكن من الأرباح، لكن التدخل الحكومي ضروري أحيانا لضمان أن يكون الدافع الربحي هو الصالح العام. فالسكن المنخفض التكاليف والخدمات الصحية العامة، وكذلك الخدمات العامة الأخرى على سبيل المثال، لا تكون مربحة إلا مع وجود الدعم المالي الحكومي. وبدون الخدمات الحكومية، قد تلوث كثير من الصناعات الجو أو المياه أو التربة بدلاً من استخدام وسائل التحكم المكلفة في التلوث.

كيف تختلف النظم الأخرى عن الرأسمالية

يوجد اليوم ثلاثة أنواع من النظم الاقتصادية: الرأسمالية والشيوعية والاقتصاد المختلط. وكل الأنظمة الاقتصادية مختلطة بدرجة عالية أو منخفضة، لأن في كل منها بعض التدخل الحكومي وبعض الخيارات الفردية الخاصة. إلا أن الرأسمالية تعتمد بدرجة أكبر على القرارات الفردية الخاصة، وعلى التخطيط بدرجة أقل، مما يعتمد عليه النظامان الآخران.

 

في النظام الشيوعي التقليدي. في هذا النظام تتحكم الدولة تقريبًا في كل الموارد المستخدمة في الإنتاج. إذ تمتلك الدولة على سبيل المثال أغلب الصناعات والأرض والموارد الطبيعية كما تتحكم في التجارة وتدير نظم الاتصالات والمواصلات الرئيسية، بينما يتخذ الأفراد والشركات قليلاً من القرارات الرئيسية. وبدلاً من ذلك، يقوم المخططون الحكوميون بتحديد إنتاج أي سلع وخدمات وكمياتها، وقد يحدث عجز أو فائض فيها، لأنه ليس للعرض والطلب أثر على قراراتهم . كذلك يقوم المخططون الحكوميون عادة بتحديد مستويات الأجور والأسعار، وتقرير معدل النمو الاقتصادي المرغوب.

وفي أواخر القرن العشرين، قام كثير من الدول التي كانت سابقًا ذات نظم شيوعية بتغييرات جذريّة؛ فقد ابتعدت أغلب دول أوروبا الشرقية عن التخطيط المركزي نحو نظام اقتصاد السوق الحر، كذلك قامت الصين والاتحاد السوفييتي السابق بتخفيف قبضتهما الشديدة على الاقتصاد وسمحا بملكية خاصة أكثر.

 

في الاقتصاد المختلط. قد تمتلك الحكومة صناعة مهمة مثل مناجم الفحم والسكك الحديدية ومصاهر الحديد وآبار النفط والمصافي، لكنها تسمح للمنشآت الخاصة بتملك معظم الصناعات الأخرى.

لكثير من دول العالم اقتصاديات مختلطة، وبعضها يوجد فيها حكومات ديمقراطية بإمكان الأفراد في هذه الدول أن يصوِّتوا لزيادة تحكم الدولة في الاقتصاد أو تخفيضه، وغالبًا ما تسمّى النظم الاقتصادية في هذه البلدان التي يوجد فيها اقتصاديات مختلطة اشتراكية ديمقراطية. أما البلدان الأخرى ذات الاقتصاديات المختلطة فهي حكومات استبدادية.

 

تاريخ الرأسمالية

منذ القرن الخامس عشر وحتى القرن الثامن عشر، كان لأغلب الدول نظام اقتصادي يسمّىالنزعة التجارية. وتقوم الحكومات في ظل هذا النظام بتنظيم أمورها الاقتصادية، بحيث تزيد الصادرات عن الواردات. وتضع الدول تعريفات جمركية عالية على السلع المستوردة، لكي تصبح أعلى سعرًا في الوطن، وتقدم الدول في نفس الوقت دعمًا ماليًا لمزارعيها، وصناعاتها، حتى تنخفض أسعار صادراتها. بذلك أثْرَتْ الدول خزائنها ببيع سلع أكثر مما تشتري.

 

تطور الرأسمالية. خلال منتصف القرن الثامن عشر، قام عدد من الاقتصاديين الفرنسيين يدعون بالفيزيوقراطيين بحث الحكومات على وقف تدخلها في التجارة الخارجية كما دعت سياساتهم التي تُدْعى حرية العمل والتجارة (دَعْهُ يعمل) إلى عدم التدخل وإنهاء التعريفات الجمركية والقيود التجارية الأخرى.

كذلك جادل الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث بأن الدولة تستطيع زيادة ثروتها بسرعة بترك التجارة حرة، وكان يرى أن الأفراد وهم يسعون وراء مصلحتهم الاقتصادية، يسلكون سلوكًا تلقائيًا فيه خير ومصلحة للمجتمع. ووصف سميث في كتابه ثروة الأمم (1776م) الكيفية التي يعمل بها نظام حرية العمل والتجارة (دَعْهُ يعمل)، وأثرت أفكاره أول ما أثرت خلال بداية القرن التاسع عشر الميلادي. ففي خلال تلك الفترة، بدأت الحكومة البريطانية، برفع قيودها التجارية، وتطوير أول اقتصاد رأسمالي. ومن ثم انتشرت الرأسمالية في الدول التجارية الرئيسية الأخرى.

 

النظرة المتغيرة نحو الرأسمالية. بدأت هذه النظرة تنتشر خلال القرن التاسع عشر الميلادي، عندما ساعدت التقنية الجديدة في الدول الصناعية في إيجاد سلع جديدة متعددة. وسبَّب الإنتاج المتزايد الازدهار في أعمال تجارية كثيرة. لكن ظهرت أيضًا أوضاع غير مرغوبة، مثل الركود الاقتصادي، وكان كثير من العمال يكسبون أجورًا قليلة في ظل ظروف عمل سيئة.

ونتيجة لهذه التطورات، ادعى الفيلسوف الاجتماعي الألماني كارل ماركس أن نظام عدم التدخل الرأسمالي سيتحطم، وتنبأ بأن أرباب الأعمال سيغدون أكثر ثراء بينما يغدو عمالهم أكثر فقرًا، وسيقوم العمال في النهاية بالقضاء على النظام الرأسمالي. كان ماركس مخطئًا في تنبؤاته بأن العمال في النظم الرأسمالية لن يشاركوا في مستوى المعيشة المرتفع، إلا أن أفكاره أثرت على الثورات التي قادت إلى قيام الشيوعية في روسيا عام 1917م وفي الصين عام 1949م.

واجهت الرأسمالية أكبر تحد لها خلال الكساد العظيم الذي كان هبوطًا عالمياً في النشاط الاقتصادي والذي بدأ عام 1929م. وقد أغلقت كثير من المصارف والمصانع والمحال التجارية أبوابها خلال الثلاثينيات من القرن العشرين وفقد كثير من الناس وظائفهم ومساكنهم ومدخراتهم، كما فقد الكثيرون منهم ثقتهم في الرأسمالية، وبحث كثير من القادة السياسيين عن نظريات اقتصادية جديدة.

ونتيجة لذلك، لفت الاقتصادي البريطاني جون ماينرد كينز الأنظار؛ إذ رفض في كتابه النظرية العامة للاستخدام وسعر الفائدة والنقود (1936م) اعتقاد الرأسماليين بأن على الحكومة أن تبتعد عن الأمور الاقتصادية. ورأى كينز بأن مستوى النشاط الاقتصادي يعتمد على مجمل إنفاق المستهلكين وأرباب الأعمال والحكومة، ودعا إلى مزيد من الإنفاق الحكومي لمحاربة الكساد.

استمر الكساد العظيم حتى بداية الأربعينيات من القرن العشرين، عندما نجح أخيرًا الإنفاق الحكومي العسكري الضخم خلال الحرب العالمية الثانية في تنشيط الاقتصاد العالمي. وبعد نهاية الحرب، استمرت كثير من الحكومات الرأسمالية في الابتعاد عن سياسة التدخل وقامت حتى منتصف السبعينيات بزيادة إنفاقها بشدة، وبالتحكم في اقتصادياتها. ومنذ ذلك الوقت حاولت كثير من الحكومات في جميع أنحاء العالم تخفيض تدخلها الحكومي في الاقتصاد وحتى الحكومات الشيوعية القوية بدأت في الاعتماد أكثر وأكثر على قوى السوق في توزيع السلع والخدمات في بلادها.

وفي عام 1991م، تفكك الاتحاد السوفييتي إلى خمس عشرة دولة مستقلة. وبدأت هذه الدول خلال تسعينيات القرن العشرين في إنشاء مؤسسات رأسمالية. كما بدأت حكوماتها في رفع قيودها على الأسعار، وتمليك الأفراد والشركات نشاطات الأعمال، ونقل صناعة القرارات الاقتصادية من الحكومة إلى أصحاب الأعمال.

 


أبو النجم بدر الجمالي

(… ـ 487هـ/ … ـ 1094م)

، أمير الجيوش وأحد قادة الخلافة الفاطمية ووزرائها المشهورين.
كان بدر غلاماً أرمنياً مملوكاً لصاحب طرابلس الشام، جمال الدولة ابن عمَّار، ولذلك عُرف بالجمالي نسبة إليه. وتربَّى عنده وتقدَّم بسببه واعتنق الإسلام. وكان من الرجال المعدودين من ذوي الرأي والشهامة وقوة العزم، وما انفَكَّ منذ سُبِي يوطِّن نفسه على العِزِّ ويتقدَّم في الخدمة إلى أن ولاَّه الخليفة الفاطمي المستنصر (427-487هـ/1036-1094م) إمارة دمشق سنة 455هـ/1063م، ولكنه اضطر إلى مغادرتها مرغماً بعد عام واحد سنة 456هـ لثورة الجند به لصرامته، وعاد بدر ثانية حينما ولاَّه الخليفة سنة 458هـ دمشق والشام بأسرها مع الساحل. وبلغه وهو في دمشق مقتل ولده بعسقلان فخرج إليها سنة 460هـ/1068م. فاستغلَّ جند دمشق غيابه فثاروا مرَّة أخرى وخرَّبوا مع العامة قصر الإمارة، فتوجه بدر إلى عكا واستقرَّ فيها.
ولما تغلَّب القاضي عين الدولة بن أبي عقيل على صور عام 462هـ/1069م حاصر بدر صور برَّاً وبحراً مدة سنة وضيق على أهلها إلاَّ أنه أخفق في الاستيلاء عليها.
كانت مصر قد نكبت في هذه الأثناء (ما بين 446-454هـ) بالوباء والقحط، وكان وقعهما شديداً فيها فعمَّت الفوضى والمجاعة وعاد الوباء أشدَّ ما يكون بين سنتي 456-464هـ/1064-1071م مقترناً بالفتن والحروب، وامتدَّت يد السلاجقة إلى الشام حتى كادت تخرج من أيدي الفاطميين، فاستدعى المستنصر بالله بدر الجمالي إلى مصر عام 466هـ/1073م ليكون القائم بتدبير الدولة وإصلاح الأمور.
أبحر بدر في حرسه الخاص من الأرمن وفي جنده المخلصين ومعه عبد الله بن المستنصر من عكا قاصداً مصر، وفاجأ الأمراء في القاهرة الذين كانوا على جهل بقدومه، فتمكَّن من الإيقاع بهم وقتلهم جميعاً في ليلة واحدة وعاد الهدوء إلى العاصمة، ونُصِّب بدر أميراً للجيوش ولُقِّب بكافل قضاة المسلمين (قاضي القضاة). وهادي دعاة المؤمنين (داعي الدعاة). واستمر بتتبع المفسدين في كل جهة من جهات مصر حتى أفناهم عن آخرهم واستصفى أموالهم، فاستقامت الأحوال واستتبت الأمور وسكنت الفتن وفُرِض النظام والهدوء. وفي عام 468هـ/1075م عيَّنَ الخليفة بدراً وزيراً للسيف لا يتقدمه أحد وأوكلت إليه جوامع تدبير البلاد فصار الأمر كله له، وليس للخليفة المستنصر معه سوى الاسم إلى أن مات سنة 487هـ قبل الخليفة بأشهر.
التفت بدر بعد أن صار وزيراً إلى تقوية الدولة واستعادة هيبتها، وسعى في محاولات متكررة وحملات متعددة في سنوات 471هـ/1078م و478هـ/1085م و482هـ/1089م إلى إعادة سلطة الفاطميين على دمشق والشام، وكانت دمشق قد آلت إلى حكم السلاجقة عام 468هـ/1089م، وحاول القائد التركي أتسز بن أوق[ر] وهو أحد أمراء السلطان السلجوقي ملكشاه أن يستولي على مصر، فقصدها في جمع كبير سنة 469هـ وظهر أمام القاهرة، لكن الجيوش الفاطمية بقيادة بدر الجمالي ألحقت به هزيمة منكرة، ورُدَّ السلاجقة على أعقابهم عن مصر، ومع أن الفاطميين حاولوا سنة 471هـ/1078م استعادة دمشق إلاَّ أنَّهم أخفقوا. ولم يكن في حوزة الفاطميين عند وفاة بدر إلا معظم الساحل الشامي وبعض مدن جنوبي الشام.
كان بدر شديد الهيبة، وافر الحرمة، مخوف السطوة فاتكاً جبَّاراً قتل خلقاً كثيراً لبلوغ غاياته، ولكن المصادر وصفت بدراً إلى جانب ما سبق ذكره من صفات بأنه كان عاقلاً كثير الخير والحسنات كريماً يحترم العلم وأهله ويكرم الشعراء، وأجمعت كذلك على امتداح سيرته في الحكم وازدياد دخل مصر من الضرائب في أيَّامه ونهوضه بالزراعة بأن أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين حتى تحسنت أحوال الفلاَّحين واستغنوا في عهده، وعاد التجار إلى مصر بعد نزوحهم عنها أيام الشدَّة المستنصرية لاستتباب الأمن.
أولى بدر العمران الكثير من العناية والاهتمام، فأمر الناس من العسكر والأرمن وغيرهم أن يعمِّر كل بحسب قدرته ما شاء في القاهرة، وأن يستفيد في عمارته من أنقاض ما تخرَّب من الفسطاط والعسكر والقطائع. وأكثر الناس من عمران الدور واتسعت دائرة العمارة، فبنى الوزير الجمالي سوراً جديداً أوسع نطاقاً من الأول، واستفاد عند التنفيذ من خبرات التحصين التي اكتسبها من حروبه مع السلاجقة، وعَملت في السور أبواب متقنة منيعة أهمها الأبواب الثلاثة التي لا تزال قائمة إلى اليوم، وهي باب زويلة وباب الفتوح وباب النصر، وأولى بدر عنايته أيضاً لبناء المساجد ومن أهم المساجد التي بناها جامع سوق العطارين بثغر الاسكندرية، وآخر بعسقلان وبنيت لبدر الجمالي أيام وزارته «دار المظفَّر» التي غدت دار وزارة سكنها أمير الجيوش نفسه أيام وزارته وصارت بعد ابنه الأفضل، الذي حلَّ محلَّ أبيه في جميع مناصبه، سكناً لوزراء الدولة أرباب السيوف إلى أن زالت الدولة

الدوره الدمويه

دوالي الساقين – دوالي الاوردة Varicose Veins

دوالي الاوردة Varicose Veins أو توسيع الاوردة هي أوعية دموية (أوردة) متسعة تشبه الحبال تجري تحت جلد الساقين مباشرة .

تنشأ دوالي الأوردة بسبب فشل أو تلف مجموعة من صمامات صغيرة موحدة الاتجاه في الاوردة ، وهذه الصمامات تمنع الدم من الرجوع إلى القدمين بتأثير الجاذبية الأرضية ، وكلما ضخ القلب الدم تفتح الصمامات لتسمح للدم بالمرور ثم تغلق لتمنع تدفقه في الاتجاه العكسي ، فإذا بدأ أحد هذه الصمامات  في الصاابة بقصور  وظيفي ، فإن الدم يتسرب من خلاله ويتراكم فوق الصمام الذي اسفله ، وهذا يجعل الجزء من الوريد الواقع فوق هذا الصمام ينتفخ ، وفي نهاية الأمر يصبح الوريد متضخمآ وظاهرآ للعيان وبارزآ على سطح الجلد ، كما تصبح الساق  التي يوجد بها العديد من دوالي الاوردة متورمة بعض الشيء بسبب تسرب السوائل في الدم الراكد في الاوردة المتضخمة إلى الانسجة المحيطة بالاوردة .

كيفية تكون دوالي الاوردة ” دوالي الساقين “:

في كل وريد سلسلة من الصمامات موحدة تمنع الدم في الاوردة من الارتجاع إلى اصفل تجاه الساقين والقدمين ، فإذا ضعفت تلك الصمامات فإن الدم يسترب من خلالها ويتحرك عائدآ القهقري إلى موضعه اسلابق فيتراكم فوق الصمام الذي اسفله ، وتركم الدم هذا أو ركوده يجعل الاوردة تتمدد وتنتفخ بارزة فوق سطح الجلد ، ومكوّنة دوالي الاوردة .

اسباب دوالي الاوردة ” دوالي الساقين “:

– وجود عيوب وراثية  في صمامات الاوردة أو جدرها

– تلف الصمامات بسبب حالة تجلط الاوردة العميقة

– التقدم في السن

– الحمل ، بسبب وزن وحجم الجنين الذي يضغط على أوردة الحوض مما يؤدي يزيد الضغط على اوردة الساقين ، وهذا يمكن أن يجعل صمامات اوردة الساقين تضعف وتختل وظيفتها

– الوقوف لفترة طويلة

– الوزن الزائد

 

The illustration shows how a varicose vein forms in a leg. Figure A shows a normal vein with a working valve and normal blood flow. Figure B shows a varicose vein with a deformed valve, abnormal blood flow, and thin, stretched walls. The middle image shows where varicose veins might appear in a leg.

 

 

اعراض دوالي الاوردة ” دوالي الساقين “:

توصف أعراض دوالي الأوردة بأنها عبارة عن وجع كليل وإحساس بالثقل والتورم وما يشبه التقلص العضلي في الجزء السفلي من الساق وهذا الاحساس المزعج يزداد سوءآ عند الوقوف لفترات طويلة .

من المضاعفات الاخرى تغير لون الجلد وتكون تقرحات ملتهبة ونازفة في الجلد الذي يغطي الوردي المصاب بالدوالي ، كما يمكن أن تتكون جلطات في الأوردة المنتفخة .

خيارات علاج دوالي الاوردة ” دوالي الساقين “:

– وسائل العناية الذاتية :

يبدأ علاج دوالي الاوردة بوسائل تحفظية للسيطرة على تركم الدن في الطرفين السفليين .

يجب عليك ارتداء جوراب طبية مرنة داعمة للساقين ، وهي تمتد من الكاحلين حتى تصل إلى ما فوق الركبة مباشرة ، وهذه الجوراب تضغط على الأوردة وتساعد على دفع الدم إلى اعلى ، أي للقلب ، وحتى تكون الجوارب أكثر فاعلية يجب عليك ارتداؤها كل ثباح بمجرد الاستيقاظ من النوم .

إن ارتداء الجوارب من النايلون تحت الجورب الطبي يمكن أن يساعد الجورب الطبي على الانزلاق بسهولة أكبر .

* إذا كنت تعاني تورمآ ملحوظآ بالساقين فإرفع كاحليك حتى يكون مستواهما أعلى من سمتوى القلب لمدة 30 دقيقة مرتين يوميآ ، فهذا سوف يقلل بدرجة كبيرة من التورم ، إفعل هذا بالاضافة إلى ارتداء الجورب الطبي .

* ممارسة الرايضة أو التمارين الرياضية هي أمر مهم في السيطرة على اعراض دوالي الاوردة ، إذ أن نساط عضلات السمانتين والفخذين يساعد على ضخ الدم إلى اعلى في اتجاه القلب .

ورياضة السباحة هي من الانشطة المثالية إذ أن ضغط الماء يمكن أن يضغط الاوردة كما تفعل الجوارب الطبية .

تأثير الرياضة على الدورة الدموية بالساق :

إن الرياضة عظيمة الاهمية ف يمنع تراكم الدم وركوده في الطرفين السفليين ، فعندما تنقبض عضلات الساق فإنها تضغط الدم إلى أعلى خلال الاوردة المتجهة إلى القلب وتجبر صمامات الاوردة على أن تفتح، وبعد ارتخاء العضلات يمنع الدم من السقوط إلى اسفل ((إلى الساقين )) بانغلاق صمامات الاوردة دونه .

* انقاص الوزن يساعد أيضآ على التخلص من الاعراض عن طريق تخفيف العبء الواقع على الساقين .

* إذا كنت تعاني دوالي الاوردة يجب عليك توجيه اهتمام خاص زائد لصحة جلدك ، إذ إن جلدك يمكن بسهولة أن يصبح جافآ ومثيرآ للحكة في المناطق المشدودة أو الممطوطة بسبب التورم ، و مط الجلد يمكن أن يسبب تكون القرح أو تلوث الجلد ( التهاب جلد خلوي ) ، وإن استخدلم كريم جيد مرطب للجلد يمكن ان يساعد على التخلص من هذه المسكلة ، فإستخدام كريم اللانولين أو كريم العناية باليد ، وتجنب الفازلين فهو أقل فاعلية .

* تجنب الجلوس وقدميك متقاطعتين

* تجنب الوقوف أو الجلوس لفترة طويلة

الوسائل الجراحية :

ثمة علاجات عديدة متاحة للتخلص من دوالي الاوردة .

– العلاج التصلبي للاوردة :

وهو عبارة عملية يتم فيها حقن مادة كيميائية خاصة داخل الاوردة الصغيرة ((حتى تسبب اتلافآ مقصودآ للبطانة الداخلية للوعاء الدموية ، فينتج نسيج ندبي ينقبض بدوره ، مما يجعل الوريد يختفي نهائيآ )) لجعلها تتصلب وتضيق ، وهي اساسآ عملية تجميلية .

– العلاج بالليزر :

يمكن علاج الاوردة الصغيرة بالليزر رغم أن النتيجة التجميلية ليست طيبة في بعض الاحيان .

– الجراحة ( نزع الوريد ) :

بالنسبة للاوردة الاكبر حجمآ والتي تسبب اعراضآ خطيرة فإن أفضل علاج لها على المدى الطويل هو ازالة الوريد جراحيآ ، وهذا مايسمى نزع ( تجريد ) الوريد ،(( وهذا يتم بعد التأكد من عدم وجود جلطات في الاوردة السطحية العميقة فقد تكون هذه الاوردة السطحية ضرورية لسريان الدورة الدموية حول مكان التجلط ، وبهذا تكون ازالة أو تجريد تلك الاوردة سببقآ في تدهور حالة التورم في الساقين )) وبمجرد ازالة الوريد يجب أن تكون اعراضك قد ازيلت ايضآ .

العُنْصُرية

العُنْصُرية الاعتقاد بأن أعضاء جنس أو سلالة أو مجموعة من السلالات أعلى أو أدْنى درجة من أعضاء السّلالات الأخرى. ويسمى الناس الذين يعتقدون أو يمارسون ما يوحي بتفوق سلالة على أخرى عنصريين، فهم يدَّعون أن أعضاء سلالتهم أعلى شأنا في النواحي العقْلية والأخلاقية أو الثقافية من أفراد السّلالات الأخرى. ولأن العنصريين يفْترضون أنّهم أرفع مقامًا، لذلك فإنهم يعتقدون بأنهم يستحقّون حقوقاً وامتيازات خاصة.

والجماعات، كالأفراد، يخْتلف بعضها عن بعض. إلا أنه لايوجد دليل علمي يساند دعاوى التفوق. ويؤكد باحثو علم الاجتماع بأنه لاتوجد جماعتان لهما بيئتان متماثلتان في جميع النواحي، ومن هنا فإن كثيراً من الاختلافات التي توجد بين الجماعات ترجع بالدرجة الأولى إلى اختلاف البيئات المختلفة. وقد ناقش العُلماء طويلاً الأهمية النِّسبية للوراثة والبيئة في تحديد هذه الاختلافات، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن الوراثة والبيئة تتفاعلان بطرق معقدة متشابكة، انظر: الذكاء؛الأجناس البشرية.

وبالرغم من عدم وجود دليل علْمي يُساند الدّعاوى العنصرية، فإن العنصرية واسعة الانتشار وسبّبت الكثير من المشكلات الرئيسية مستخدمةً دعاوى التّفوق والنّقص العنصريين لتبرير التمييز العنصري والفصل الاجتماعي والنزعة الاستعمارية، وحتى الإبادة الجماعية (القتْل الجماعي) في بعض الأحيان.

والعنْصرية هي أحد أشْكال التحيُّز، لذلك فإننا نجد كثيراً من الناس يميلون إلى اعتبار مظهرهم وسلوكهم النموذج الطبيعي للمظهر والسلوك، فهو على ذلك النموذج المطلوب، وقد يرْتابون في الناس الذين يتصرفون بطريقة مُغايرة أو يخشونهم. وعندما تَكون الاختلافات واضحة، كتلك التي في لوْن البَشْرة أو العبادات الدينية، يصبح الارتياب كبيرًا جدًّا. وهكذا، يُمكن أن تؤدِّي مثل هذه المواقف والاتجاهات إلى الاعتقاد بأن الذين يتصرفون على نحو مغايِر هُم أدْنى منهم. ولكن كثيراً من الناس لايكلفون أنفسهم مشقة البحث في السّلالات الأخرى لمعرفة ما يُعْجبون به في ثقافتهم الخاصة. كما أنهم قد لا يدركون الخصائص المغايرة والمفضلة في الوقت نفسه، مثل السمات الخاصة بأعضاء هذه السلالات.

وفي البلْدان التي يشكِّل فيها البيض الأكثرية، توجه العنصرية بصفة عامة ضد جماعات الأقليات السّلالية أو العِرْقية. وتشتمل مثل هذه الجماعات على السُود والهنود الأمريكيين والأمريكيين المكسيكيين وسكان أستراليا الأصليين والآسيويين. وقد تعرّضت هذه الأقليات للتّعصب والتمييز في المجالات المختلفة مثل الإسكان والتّعليم والتّوظيف.

سيطرت أقَلّية بيضاء في جنوب إفريقيا على الحُكْم لسنوات طويلة، وفرضت قوانين عنصرية في مجالات الإسكان والتّعْليم والتوظيف كان لها تأثيرها على الغالبية العُظْمى من غير البيض. وهي السياسة المعروفة باسم سياسة التفرقة العنصرية (الأبارتيد).

 

العنصرية الفردية والعنصرية المنظمة. يميز علماء الاجتماع دائمًا بين العنصرية الفردية والعنصرية المنظمة. تشير العنصرية الفردية بصفة أساسية إلى المعتقدات التحيزية والتصرفات التمييزية التي يمارسها الأفراد البيض ضد السود وجماعات الأقليات الأخرى. والواقع أن هذه العنصرية الفردية تنبني أساساً على فرْضيات عنصرية تتعلق بادعاءات التفوق والدونية.

أما العنصرية المنظمة، فتشير إلى التمييز الذي تمارسه المجتمعات والمدارس والمؤسسات التجارية وغير ذلك من الجماعات والمُنظمات التي تحد الفرص أمام جماعات الأقلية. ومن الممكن ألا تكون العنصرية المنظمة قد بدأت بقصد ممارسة التمييز العنصري. لكنها، على أية حال، لها نتائجها وتأثيراتها الضارة. فعلى سبيل المثال، الشركة التي تشترط الحصول على الشهادة الجامعية، حتى للوظائف التي لاتحتاج إلى مؤهل جامعي في الولايات المتحدة، قد تضر بالسود لأن نسْبة السود الذين يحتمل أن يكونوا قد حصلوا على مثل هذه الدرجة أقل بكثير جدًا من البيض. وبهذا الشَّكْل، تقلِّل سياسة الشركة فرص العمل أمام السود على الرغم من أنها ربما لاتكون تعمدت فعْل هذا.

 

نبذة تاريخية. وجدت أشكال العنصرية منذ بدايات التاريخ. فقبل أكثر من ألفي عام، استعْبد الإغريق القدماء والرومان الشعوب التي اعتبروها أدنى منهم. وظل الصينيّون لمئات من السنين بعد رحلات ماركو بولو إلى الصين في القرن الثالث عشر الميلادي، ينظرون إلى الغربيين على أنهم بيض همج كثيفو الشعر.

وتمكن الأوروبيون في القرن الثامن عشروحتى أوائل القرْن العشرين الميلاديين من فرض سيطرتهم على أجزاء كبيرة من آسيا وإفريقيا. وبرّر هؤلاء المستعمرون سيطرتهم على أساس أن السلالات ذات البشرة السوداء والسمراء والصفراء لابد من تمدينهم بوساطة البيض المتفوقين. وهذه المهمة التثقيفية، كما ادعوا، هي التي أصبحت تسمى عبء الرجل الأبيض. وفي كل مكان من الإمبراطورية البريطانية، كان الزعم الزائف بتفوق البيض يتغلغل في مُعظم مجالات الحياة. ففي الهند المستعمرة على سبيل المثال، لم يكن هناك سوى قدر ضئيل جدًا من الاختلاط بين الوطنيين الهنود والموظفين البيض. كما نظر المستوطنون البيض في أستراليا، إلى السكان الأصليين على أنهم أدنى مرتبة. ومع أن معظم السياسات الاستعمارية كانت قد انتهت في أواسط القرن العشرين الميلادي، إلا أن آثارها على العالم مازالت باقية إلى اليوم.

وضع كثير من البِيض في الولايات المتحدة، منذ القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر الميلاديين، كثيراً من السّود تحت نير الاسترقاق الذي كان سبباً رئيسيًّا في قيام الحرْب الأهلية الأمريكية (1861 – 1865م). ومع أن تحْرير الرق تم خلال ستينيات القرن التاسع عشر الميلادي، فإن العزل الاجتماعي والتمييز العُنصري ظلا مستمرين ضد السود.

وقد سنت قوانين لمقاومة العنصرية والتأكيد على المساواة في الفرص في بعض المجتمعات المتعددة السلالات والجنسيات، منعت هذه القوانين التمييز على أساس اللّون والجنْس أوالقومية أو الأصل العرقي فيما يتعلق بمجالات توفير السّلع والخدمات والتوظيف والتعليم. كما منعت القوانين الجنائية التّحْريض على الكراهية العنصرية. أصدرت بريطانيا قوانين علاقات الأعراق في ستينيات القرن العشرين وذلك إثر قدوم أعداد من المهاجرين من جزر الكاريبي والهند والباكستان ثم بنغلادش خلال الخمسينيات والستّينيات. وفي هذا الصدد أسس قانون العلاقات العنصرية الصادر عام 1976م، لجنة مساواة الأعراق. وبدأت مجالس العلاقات داخل المجْتمع تعْمل على المستوى المحلي. كذلك أجازتْ حكومة الولايات المتحدة مجموعة من القوانين تستهدف إعطاء فرص متكافئة للزنوج وغيرهم من الجماعات التي تعيش في ظل ظروف غير مناسبة. وبالرغم من ذلك، ما زالت المشكلات العنصرية تمثل كارثة للولايات المتحدة الأمريكية.

وألغت جنوب إفريقيا سياسة الفصل العنصري في عام 1991م، وأقامت أول انتخابات رئاسية حرة في عام 1994م، فاز فيها نلسون مانديلا الذي أصبح أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا.

وتعتبر إبادة الجنس أعْظم الآثار المتطرفة المترتبة على الكراهية العُنْصُريّة. ولقد فعل ذلك الصرب حين أعلنت جمهورية البوسنة والهرسك استقلالها من جمهورية يوغوسلافيا السابقة فوجد أهالي البوسنة جميع أنواع الإبادة الجماعية والفردية بذريعة تطهير العرق، فقتل من جراء ذلك آلاف البوسنيين، وشرد كثيرون من وطنهم تحت سمع وبصر الاتحاد الأوروبي.

وقد مضى زمن طويل والفلسطينيون يرزحون تحت الغطرسة الصهيونية التي ترى أن جنسها هو الجنس المختار فقتلت وعذبت وصادرت وانتهكت الحرمات تحت سمع العالم وبصره. وتبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها التاريخي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري عام 1974م. وعملت الأمم المتحدة على تنظيم المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري. وقاطعت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل المؤتمر الأول (1978م)، والمؤتمر الثاني (1983م)، وانسحبتا من المؤتمر الثالث الذي عقد في مدينة ديربان بجنوب إفريقيا في سبتمبر 2001م. .

 

القانون الدولي مجموعة القواعد والمبادئ العامة التي يتعين على الأمم مراعاتها في علاقاتها بعضها مع بعض. وتنشأ بعض القوانين الدولية نتيجة عُرْف يتكون بمرور السنين. ويرجع أصل بعضها الآخر إلى المبادئ القانونية العامة التي تقرها الأمم المتقدمة. كما توجد قوانين دولية أخرى يتم الاتفاق عليها في المعاهدات أو تنشئها الأحكام القضائية.

وقد بقي كثير من الأعراف التي تختص بالعلاقات الدولية لمئات السنين. من ذلك مثلاً، مادرج عليه قدماء الإغريق من حماية السفراء الأجانب من التعرض لسوء المعاملة، حتى في أوقات الحرب. وقد استمرت الأمم نحو ألفي سنة تمنح السفراء حماية مماثلة. وظلت المعاهدات أو العقود تبرم بين الدول لآلاف السنين. وكثير من تلك المعاهدات، كان يبرم لأغراض التجارة بين الدول، بينما بعضها الآخر يُبرم بغرض منح حقوق للمواطنين بشكل مُتبَادل، كمعاهدات تسليم المتهم الفار

أنواع القانون الدولي

تقسم قواعد القانون الدولي، عمومًا، إلى: قوانين السلم، وقوانين الحرب، وقوانين الحياد. ويعد السلم الحالة العادية للعلاقات بين الأمم.

 

قوانين السِّلْم. تحدد قوانين السلم حقوق الأمم وواجباتها بعضها تجاه بعض في زمن السلم. ولكل دولة الحق في البقاء، والمساواة القانونية، والاختصاص بإقليمها، وتملك الأموال، وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى. ويختص كثير من قوانين السّلم بموضوع الاعتراف بالدول أعضاء في الأسرة الدولية، والاعتراف بالحكومات الجديدة التي تنشأ في إطار أمم قديمة. ويتم الاعتراف بمعظم الحكومات على أساس القانون، بمعنى الاعتراف بها حكومات شرعية. ويجوز الاعتراف بحكومة ما، على أساس الواقع في ظل الأحوال المضطربة، بمعنى الاعتراف بها حكومة تسيطر فعليًا على البلاد، سواء استند ذلك إلى حق أو لم يستند. وتشمل القواعد الخاصة بالإقليم: حقوق الأجانب وواجباتهم، وحق المرور عبر المياه الإقليمية، وتسليم المتهمين الفارين والمجرمين.

قوانين الحرب. لايزال القانون التقليدي يعترف بالحرب. ويطلق على الدول المتقاتلة اسم المتحاربة. وتفرض قوانين الحرب قيودًا محددة على وسائل القتال. فعلى سبيل المثال، لايجوز قصف المدن غير المدافع عنها، وهي التي تسمى بالمدن المفتوحة. وعلى الغزاة ألا يستولوا على الممتلكات الخاصة دون تعويض. ولايجوز قتل الجنود المستسلمين أو الهجوم عليهم، وإنما يجب أن يعاملوا معاملة أسرى الحرب.

وجميع قوانين الحرب تتعرض للانتهاك بشكل متكرر. ففي زمن الحرب، تقاتل الأمم من أجل بقائها، وليس من الممكن، دائمًا، إلزامها بالتقيد بقواعد القانون. فكل أمة تعمل بكل طاقتها لتدمير عدوها، مستخدمة في ذلك ما تستطيع الحصول عليه من الأسلحة الفتاكة.

ومع ذلك، وحتى خلال الحرب، تُحترم كثير من القواعد الدولية. فخلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م) اتبعت كثيرٌ من الأمم المتحاربة القواعد الدولية الخاصة بمعاملة أسرى الحرب. فهناك ملايين من الأشخاص الذين كانوا أسرى حرب سابقين مازالوا أحياء إلى اليوم، لأن هذه القواعد كان يتم تطبيقها أكثر من انتهاكها.

 

قوانين الحياد. وفقًا للقانون الدولي، يُحظر على الدول المتحاربة تحريك قواتها عبر الأقاليم المحايدة. ولايجوز استخدام المياه الإقليمية والموانئ المحايدة في القتال البحري. ويتعين على السفن الحربية المقاتلة التي تدخل موانئ محايدة، أن تغادرها خلال أربع وعشرين ساعة وإلا جاز حجزها.

طالبت الأمم المحايدة، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، بكثير من الحقوق المتعلقة بسفنها في أعالي البحار. ولكن القوانين الخاصة بالمحايدين، شأنها في ذلك شأن القوانين الخاصة بالحرب، كثيرًا ما كانت تنتهك. فقد كانت الدول المحايدة تتعرض للغزو في كثير من الحروب، وتنتهك حقوق الحياد في أعالي البحار بصورة متكررة.

تنفيذ القانون الدولي

بعد أن تجيز السلطة التشريعية قانونًا لأمة أو دولة، تقوم الشرطة بتنفيذ القوانين. ويقدم الأشخاص الذين يخالفون هذه القوانين إلى القضاء لمحاكمتهم. غير أنه لا توجد سلطة تشريعية دولية تجيز القواعد التي يجب على جميع الأمم مراعاتها، كما لا توجد قوة شرطة دولية تجبر الدول على طاعة القانون الدولي. ونتيجة لذلك، يصعب في كثير من الأحيان، تنفيذ أحكام القانون الدولي.

 

رضاء الأمم. كثيرًا ما يصنّف القانون الدولي، بحسب عدد الدول التي أقرته، إلى ثلاث مجموعات من القوانين، هي: 1- القانون الدولي العالمي: ويشمل القواعد التي أقرتها جميع الأمم جزءًا من القانون الدولي. وتشمل هذه القواعد موضوعات مثل: قدسية المعاهدات، وسلامة السفراء الأجانب، واختصاص كل دولة بالمجال الجوي الذي يعلو إقليمها. 2ـ القانون الدولي العام: ويشمل القواعد التي أقرتها غالبية الدول، وعلى الأخص الدول القوية. ومن بين القوانين التي تدخل في هذا النوع، القاعدة التي تنص على أنه لكل دولة سيطرة على مياهها الإقليمية، وهي المسطح المائي الذي يمتد من شواطئها لمسافة 22كم باتجاه البحر. والتزمت كثير من الدول بهذه القاعدة، ولكن بعضها الآخر لم يلتزم بها. فالإكوادور وبيرو، مثلاً، طالبتا بمسافة 370كم حدًا لمياههما الإقليمية. 3ـ القانون الدولي المحدود: ويشمل الاتفاقيات التي تعقد بين دولتين، أو بين عدد قليل من الدول، كالاتفاقيات التجارية مثلاً.

الانتهاكات. انتهكت اليابان القانون الدولي في سنة 1941م بهجومها على ميناء بيرل هاربر دون إعلان سابق بالحرب. وخرقت ألمانيا القانون الدولي إبان الحرب العالمية الثانية، حينما قتلت حكومتها الملايين من الأوروبيين، وأجبرت عمالاً من دول أوروبية أخرى للعمل أرقاء في المصانع الحربية الألمانية. وانتهك الاتحاد السوفييتي (سابقًا) القانون الدولي برفضه إعادة كثير من أسرى الحرب نهائيًا إلى بلادهم بعد انقضاء فترة طويلة على نهاية الحرب العالمية الثانية. ورُفعت تقارير إلى الأمم المتحدة حول المعاملة الوحشية التي تلقاها كثيرون من أسرى الحرب التابعين للأمم المتحدة على أيدي الشيوعيين الصينيين والكوريين الشماليين خلال الحرب الكورية (1950-1953م)، والحرب الأهلية الباكستانية (1971م)، وحرب فيتنام (1957 – 1975م).

إن واقعة انتهاك القوانين لاتجرد هذه القوانين من صفتها كقوانين. ففي أحيان كثيرة تُنتهك قوانين المدن والدول والأمم، ولكن هذه القوانين تظل قوة فاعلة. فليس هناك دولة تنكر وجود القانون الدولي.

القضاء والتحكيم. أنشئت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي بهولندا سنة 1899م، باعتبار أن وسيلة التحكيم أفضل من وسيلة الحرب في تسوية المنازعات. وعمل أعضاء هذه المحكمة محكّمين وليسوا قضاة.

وأنشأت عصبة الأمم محكمة العدل الدولية الدائمة في سنة 1920م. واضطلعت الأمم المتحدة بأمر هذه المحكمة في سنة 1946م، وأطلقت عليها اسم محكمة العدل الدولية، وتصدر هذه المحكمة أحكامًا بشأن منازعات الحدود، وطائفة أخرى من مسائل القانون الدولي. ولايتطلب من الدول اللجوء إلى المحكمة، ولكن في حالة لجوئها إليها، يتعين عليها قبول قراراتها.

العقوبة. لاتوجد طريقة موحدة لتنفيذ القوانين الدولية. وتنص القوانين داخل الدول على الجزاءات التي تطبق على من يخالفها. غير أنه لا تملك دولة سلطة معاقبة الدول الأخرى، أو إجبارها على عرض مخالفاتها على محاكم التحكيم. فإذا رفض المعتدي اللجوء إلى التحكيم، فيجوز للدولة المتضررة أن تعتمد على نفسها في رد الاعتداء، الأمر الذي قد يعني، في بعض الحالات نشوب الحرب. ولكن، حين تكون الدولة المعتدية قوية والدولة المعتدى عليها ضعيفة، فإن مثل هذا الإجراء لايكون عمليًا. ولهذا، فإن معاهدات التحالف الدفاعي، كمعاهدة حلف شمال الأطلسي، توفر الحماية للدول الضعيفة في مثل هذه الحالات. وينص ميثاق الأمم المتحدة على جواز الدفاع الجماعي.

تُعد محاكمات الزعماء الألمان واليابانيين في نورمبرج وطوكيو في أعقاب الحرب العالمية الثانية، خطوة مهمة في مسار تطور القانون الدولي. فقد اتُهم بعض هؤلاء الزعماء، ليس فقط بخرق قوانين الحرب، وإنما كذلك بتسببهم في اندلاع الحرب نفسها. إن الفكرة القائلة بإمكان تنفيذ القوانين الدولية عن طريق معاقبة أولئك الذين يخالفون هذه القوانين، تمثل إضافة مهمة لنظرية القانون الدولي. ولقد أجرت لجنة الأمم المتحدة كثيرًا من الدراسات على القانون الدولي بقصد إيجاد وسائل متطورة في صياغة القانون الدولي و تنفيذه.

نبذة تاريخية

 

في الأيام الغابرة. كان القانون الدولي لآلاف السنين، يتكون فقط، من أعراف ومعاهدات مبرمة بين أمتين أو ثلاث أمم. وفي القرن السابع عشر، عبّر هوجو جروتيوس، (رجل دولة هولندي)، عن الفكرة التي تنادي بتقيّد جميع الأمم في تصرفاتها بقواعد دولية محددة. وبسبب هذه الفكرة، ولما قدمه من كتابات حول هذا الموضوع، كثيرًا ما أطلق على جروتيوس اسم أبي القانون الدولي.

خلال القرن التاسع عشر. عقدت مؤتمرات دولية لمحاولة وضع قواعد تتقيد بها الأمم في وقت الحرب. وانعقد أول مؤتمر مهم في جنيف سنة 1864م. وتمكن ذلك المؤتمر من إنشاءالصليب الأحمر الدولي، ووضع قواعد لمعاملة الجرحى معاملة إنسانية، ولحماية الذين يُعنى بهم من غير المقاتلين. وتعتبر معاهدة جنيف معاهدة مهمة، على الأقل من حيث إنها دلّت على إمكان تدوين تلك القواعد لكي تسير على هديها الأمم.

نتيجة للمؤتمرات الدولية التي انعقدت في لاهاي في 1899 و 1907م، جُمعت قوانين الحرب والسلم والحياد، وأدمجت في 14 معاهدة. واستوعبت تلك المعاهدات موضوعات مثل: حقوق المحايدين وواجباتهم في الحرب البرية والحرب البحرية، والتسوية السلمية للمنازعات الدولية. ووقعت 12دولة، فقط، على معاهدة جنيف الأولى. ولكن اجتمعت في مؤتمر السلام بلاهاي44 دولة سنة 1907م، وقّع معظمها على كثير من المعاهدات.

بعد الحرب العالمية الأولى. أمَّل كثير من الأشخاص في أن عصبة الأمم، التي أنشئت في سنة 1920م، قادرة على تنفيذ القانون الدولي، للحيلولة دون وقوع حرب عالمية ثانية. فوفقًا لعهد عصبة الأمم، لم يكن يُسمح للدول الأعضاء بدخول الحرب إلا بعد انقضاء مدة ثلاثة أشهر على قيام محكمة تحكيم أو مجلس العصبة بمحاولة لإنهاء النزاع. ولكن، بعد أن غزا اليابانيون منشوريا في سنة 1931م، لم يكن باستطاعة العصبة سوى إدانة ذلك الغزو باعتباره خرقًا للقانون الدولي. وبعد ذلك، انسحبت اليابان من العصبة، واستمرت في مهاجمتها للصين. وفي سنة 1935م، سارت إيطاليا على نهج اليابان، فغزت قواتها أثيوبيا.

وفي الفترة بين 1928 و 1934م، وقعت أكثر من 60 دولة على ميثاق كيلوج ـ برييان للسلام، الذي اتفقت فيه الدول الموقعة على عدم اللجوء إلى الحرب بغرض تحقيق غاياتها. غير أن الميثاق لم يفعل شيئًا لأسباب الحرب. وقاد فشل الميثاق إلى إيجاد قناعة لدى كثير من الناس بأنه ما من شيء يستطيع وقف الحروب، وأنه يمكن، فقط، تسخير القانون الدولي في محاولة لجعل الحرب أقل وحشية.

بعد الحرب العالمية الثانية. شُكلت الأمم المتحدة بوصفها منظمة تعمل على صيانة السلم. وأمل الكثيرون في أن تصبح الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الوقت المناسب، سلطة تشريعية عالمية بمقدورها سن القوانين الدولية. وكان في اعتقادهم أن الأمم المتحدة بإمكانها أن تستفيد من أخطاء عصبة الأمم، وأن توفَّق في ما أخفقت فيه العصبة. وكان من رأي معظم الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1945م، وجوب منح الأمم المتحدة سلطة تنفيذ قراراتها، بقوة السلاح إذا لزم الأمر. وقد منحمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سلطة تحديد ما إذا كانت هناك دول تهدد بأعمالها السلم العالمي، والتوصية عند ذلك بالتدبير الذي يتعين اتخاذه.

في سنة 1950م، أقامت الأمم المتحدة أول منظمة عالمية تستخدم القوة لوقف العدوان. فقد غزت قوات شيوعية من كوريا الشمالية جمهورية كوريا الجنوبية في يونيو سنة 1950م. ووافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على اتخاذ تدابير بوليسية، فأرسلت ست عشرة دولة من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة قوات مسلحة لمساندة كوريا الجنوبية. واضطلعت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بتقديم الجانب الأكبر من المقاتلين والإمدادات. وبعد أن تمكنت قوات الأمم المتحدة من صد الشيوعيين وإجبارهم على التراجع إلى كوريا الشمالية، تم التوقيع على إتفاق للهدنة في يوليو سنة 1953م.

واصلت الأمم المتحدة جهودها في حل النزاعات الناشبة في المناطق المضطربة، كالشرق الأدنى وجنوب شرقي آسيا، إلا أن دولاً كثيرة اتجهت إلى تفضيل التفاوض المباشر فيما بينها، بدلاً من إجراء المناقشات في الأمم المتحدة. ففي سنة 1969م، على سبيل المثال، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (سابقًا) محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية. وأفضت تلك المحادثات، في سنة 1972م، إلى إبرام اتفاقيات مهمة حدّت من الصواريخ النووية الدفاعية والهجومية لكل من الدولتين.

ساعدت مجهودات الأمم المتحدة، والمفاوضات المباشرة بين الدول في التقليل من خطر الحرب. غير أن الحكومات فشلت في إقامة نظام للقانون الدولي يحرِّم على الدول استخدام القوة في تحقيق غاياتها. فقد استخدمت دول كثيرة مثل هذه القوة. فمثلاً، بعث الاتحاد السوفييتي (سابقًا) بقوات إلى المجر في سنة 1956م، وإلى تشيكوسلوفاكيا (سابقًا) في سنة 1968م، لضمان بقاء الدولتين معًا في حظيرة الشيوعية. وإبان حرب فيتنام (1957 – 1975م)، قاتلت الولايات المتحدة في محاولة فاشلة لمنع الشيوعيين من السيطرة على فيتنام الجنوبية. وفي حرب الخليج الثانية (1991م)، تمكن تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة من طرد القوات العراقية من دولة الكويت، بعد اجتياح قوات النظام العراقي لتلك الدولة في سنة 1990م. واستندت العمليات العسكرية للتحالف إلى عدد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة

 

جرائم الحرب اصطلاح معناه خرق عسكري لأنظمة وقواعد الحرب، حيث يعني هذا التعريف منذ الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) أي جريمة أو فضيحة، أو اضطهادات ارتُكِبَتْ خلال الحرب.

ومنذ آلاف السنين، كانت هناك قواعد وأعراف كثيرة ومتنوعة تحكم حالة الحرب. ونشأت هذه الأعراف وتطورت من قيم ومبادئ الفروسية والدبلوماسية، إضافة إلى الرغبة في الحد من هول وتدمير الحروب، وقد تمت محاكمة المتهمين بالإخلال بهذه الأنظمة على مر السنين.

ومنذ القرن التاسع عشر، وقَّعت معظم الدول على معاهدات دولية للتقيُّد بقواعد الحرب. ومن هذه القواعد مايتعلق بمعاملة السجناء، ومنع استخدام الغازات والجراثيم، والمعاملة الإنسانية للمدنيين في المناطق المحتلة من قبل القوات الغازية.

الحرب العالمية الأولى. بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) اشترطت معاهدة فرساي على الألمان تسليم مايقرب من 900 شخص للمحاكمة كمجرمي حرب من قبل الحلفاء. وبدلاً من ذلك أقام الألمان محاكم خاصة بهم، وتمت محاكمة 13 شخصًا، بينما صدرت أحكام خفيفة ضد القليل منهم.

الحرب العالمية الثانية. أنشأ الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية عام 1943م هيئة لمجرمي الحرب تحت رعاية الأمم المتحدة والتي كان مقرها لندن. وقد قامت الهيئة بتجميع الأدلة ووضع قائمة بأسماء المجرمين. وبعد الحرب، كانت أهم محاكمة لمجرمي الحرب تلك التي كانت في نورمبرج بألمانيا، وفي طوكيو باليابان. وقد اتُّهِمَ المدَّعَى عليهم بالبدء بحروب التوسع ومخالفة قواعد الحرب. انظر:  محاكمات نورمبرج.

أقام الحلفاء محاكمات لمجرمي الحرب خلال الفترة (1945-1950م) فى أوروبا والشرق الأقصى. وقامت الدول المحتلة من قبل القوات الألمانية واليابانية بمحاكمة ضباط ومسؤولي الاحتلال. وقد قامت ألمانيا الغربية أيضًا بمحاكمة عدد من الألمان المتهمين بجرائم حرب خلال الحرب العالمية الثانية. وقد استمرت مثل تلك المحاكمات إلى الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي.

الحرب الكورية. اتهمت الولايات المتحدة كلاً من الصين وكوريا الشمالية بجرائم حرب، ضد قوات الأمم المتحدة وسكان كوريا الجنوبية المدنيين، وذلك خلال الحرب الكورية (1950-1953م). وقد عبرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة عن اهتمامها الجديّ بمثل هذه الاتهامات، إلا أن الحرب انتهت بدون أي محاكمات لمجرمي الحرب.

الحرب الفيتنامية. مع بداية عام 1965م، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإرسال قواتها إلى فيتنام لمساعدة فيتنام الجنوبية ضد مقاتلي الفيت كونج الشيوعيين وضد فيتنام الشمالية. وعندما ازدادت حدة القتال؛ اتهم كل من الأطراف المتصارعة الآخر بانتهاك قواعد الحرب، حيث قامت الولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية، باتهام فيتنام الشمالية بخرق معاهدة جنيف التي تدعو إلى المعاملة الإنسانية لسجناء الحرب والجنود المصابين، والمدنيين. انظر:  جنيف، معاهدات.

وفي عام 1969م، أُشِيَع بأن القوات الأمريكية قامت بمذبحة لمئات المدنيين في قرية ماي لي في مارس 1968م. ونتيجة لذلك قامت الحكومة الأمريكية بإنشاء محاكم عسكرية لمحاكمة عدد من الضباط والأفراد في جرائم حرب ارتكبوها. وقد أُدين الملازم وليم كالي الابن حيث وجد مذنبًا لارتكابه جريمة قتل وحكم عليه بالسجن.

الحروب العربية الإسرائيلية. مارست إسرائيل ومازالت منذ احتلالها فلسطين العربية عام 1948م جرائم حرب أثناء الحروب التي شنتها على الدول العربية والفلسطينيين بصفة خاصة. وقد قامت إسرائيل، وماتزال بتعذيب السجناء الفلسطينيين بشتى أنواع التعذيب والتنكيل. وطالبت بعض منظمات حقوق الإنسان في العالم بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن.

الحرب في البوسنة والهرسك. مارس الصرب في أوائل التسعينيات من القرن العشرين أفظع الجرائم التي عرفتها الإنسانية بحق المسلمين (أسرى الحرب والمدنيين) في البوسنة والهرسك. وقد شكلت الأمم المتحدة (مايو 1993م) لجنة لمحاكمة المسؤولين من الصرب عن تلك الجرائم والفظائع وبدأت المحاكمات في عام 1996م. وفي 14 يوليو 1997م، حكمت محكمة الأمم المتحدة المختصة بجرائم الحرب في البوسنة في لاهاي بمعاقبة دوسكوتا ديتشي بالسجن لمدة عشرين عامًا لارتكابه جرائم حرب وضلوعه في عمليات اضطهاد منتظمة في حق المدنيين المسلمين في شمالي البوسنة. ثم مثل أمام المحكمة في نفس الشهر مباركوفاسيفيتش الحاكم السابق لمدينة بربيدورا لمحاكمته بتهم مماثلة. وفي يوليو 2001م، سلمت الحكومة الصربية رئيس البلاد السابق سلوبودان ميلوشيفيتش للمحكمة بلاهاي لارتكابه جرائم حرب ضد سكان البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو إبان فترة حكمه.

الأمم المتحدة وجرائم الحرب. واجهت محاكم جرائم الحرب بعد الحرب العالمية الثانية انتقاد بعض العلماء والقادة السياسيين الذين اعتقدوا أن القانون الدولي لم ينص أصلاً على تلك المحاكمات. وقد أسست الأمم المتحدة في عام 1947م هيئة للقانون الدولي لوضع نظام للقوانين الدولية، منها تلك التي تختص بجرائم الحرب. وقد أعدت الهيئة مجموعة قوانين سميتمسودة وثيقة مخالفات ضد السلام والأمان الإنساني، إلا أن الأمم المتحدة لم تتبن مجموعة القوانين هذه بعد. وفي تسعينيات القرن العشرين بدأت الأمم المتحدة في محاكمة الذين اتهموا باقتراف جرائم الحرب في رواندا ودول يوغوسلافيا السابقة قبل تفككها في عام 1991م.

وفي عام 1998م، أجازت الأمم المتحدة اتفاقية إنشاء محكمة جرائم الحرب الدولية الدائمة للنظر في جرائم الحرب وغيرها. أصبحت الاتفاقية نافذة في عام 2002م بعد أن وقع عليها 139 بلداً و73 قاضياً ورجل قانون دولي.

ImageShack, free image hosting, free video hosting, image hosting, video hosting, photo image hosting site, video hosting site

محاكمات نورمبرج ثلاث عشرة محاكمة عُقدت لمقاضاة قادة ألمانيا لأعمالهم العدوانية أثناء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م). أجريت المحاكمات من عام 1945م إلى عام 1949م في نورمبرج، بألمانيا، حيث كان الحزب النازي ينظم اجتماعاته بقيادة أدولف هتلر الذي حكم ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية.

وفي المحاكمات، واجه القادة النازيون تُهَمًا بارتكاب أعمال وحشية، وجرائم حرب.

ومحاكمات نورمبرج، أولى محاكمات جرائم حرب يجريها المنتصرون في العصر الحديث. ولقد نظمتها الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي (سابقًا) وبريطانيا وفرنسا.

المحاكمات. وُجه الاتهام للقادة النازيين في ثلاثة أمور رئيسية: 1- الجرائم ضد السلام 2- جرائم الحرب 3- الجرائم ضد الإنسانية. وشملت الجرائم ضد السلام، شن الحرب، وقتل أسرى الحرب والمدنيين، والتدمير المفرط للأرض والمدن، أما الجرائم ضد الإنسانية فتشير إلى ثلاث مخالفات أساسية: 1- تهجير المدنيين واستخدامهم في أعمال السُخْرة 2- إجراء تجارب طبية لا إنسانية. 3- اضطهاد وقتل الناس لآرائهم السياسية أو بسبب العِرْق أو الديانة.

قامت الدول المنظمة للمحاكمات بعقد أول محاكمة تُدعى المحكمة العسكرية الدولية. واستمرت هذه المحاكمة من نوفمبر 1945م إلى أكتوبر 1946م. وكان لها ثمانية قضاة، اثنان من كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي (سابقًا). وتمت محاكمة عشرين شخصًا، منهم مستشارو الحزب النازي الكبار والدبلوماسيون، مثل، هيرمان جورينج، وألبرت سبير، ورودولف هس، وجواشيم فون ريبنتروب، ومارتن بورمان. ومن القادة العسكريين الذين تم اتهامهم الأدميرال كارل دونيتز، والكولونيل ألفرد جودل، أما هتلر واثنان من مساعديه الرئيسيين، وهما جوزيف جوبلز وهينريتش هيملر، فقد انتحروا، أو قتلوا برغبتهم قبل المحاكمات

أدان القضاة 19 من المتهمين. اثنا عشر منهم، بمن فيهم بورمان وجورينج، وفون ريبنتروب وجودل حُكم عليهم بالإعدام. وشُنق عشرة من هؤلاء في 16 أكتوبر 1946م. أما جورينج، فقد انتحر قبل ذلك بساعات. وبالنسبة لبورمان، فإن مكان وجوده لم يكن معروفًا في ذلك الوقت، وقد حوكم غيابيًا. أما هس، ودونيتز، وخمسة آخرون فقد حُكم عليهم بالسجن لفترات تتراوح بين عشر سنوات ومدى الحياة.

جرت اثنتا عشرة محاكمة أخرى في نورمبرج من عام 1946 إلى 1949م. وقد عقدت تلك المحاكمات بوساطة قضاة من الولايات المتحدة. وعقدت محاكمة شملت 185 متهمًا، من بينهم مسؤولو الحزب النازي، والقضاة وكبار رجال الأعمال، والأطباء. وقد أُرْسِل أكثر من نصفهم إلى السجن، وحُكم على بعضهم بالإعدام، ووجد أن بعضهم غير مذنب.

أكدت محاكمات نورمبرج، أن الجنود، والمواطنين عليهم واجب أخلاقي، وهو عدم إطاعة الأوامر أو القوانين غير الإنسانية

ImageShack, free image hosting, free video hosting, image hosting, video hosting, photo image hosting site, video hosting site

 

الإبادة الجماعية تعبير يُقصد به قيام جماعات منظّمة ـ عادةً ما تكون حكومات وليست أفرادًا ـ بإبادة طائفة أو جماعة ما.

وعلى مرّ التاريخ، كانت هناك مضايقات وأعمال وحشية يُمكن وصفُها بعمليات إبادة جماعية. ومن أمثلة ذلك مذابح دير ياسين وبئر السبع التي قامت بها عصابات الهاغانا الصهيونية بقيادة مناحيم بيجن ضد الشعب الفلسطيني عام 1947م. وكذلك ما مارسه الألمان في أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 -1945م)، فقتلوا عددا من أعدائهم، وما يفعله الصهاينة في إسرائيل بالفلسطينيين من خلال المذابح الجماعية و منها مذبحة الحرم الإبراهيمي التي وقعت إبان شهر رمضان عام 1414هـ (فبراير 1994م)، وما فعله الصِّرب بمسلمي البوسنة والهرسك في الحرب التي استمرت حتى عام 1995م.

صاغت الأمم المتحدة معاهدة في عام 1948م، اعتبرت الإبادة الجماعية لطائفة أو جماعة جريمة.


معرض الوسوم